الرئيس الصيني شي جينغ بينغ ونظيره الروسي فلاديمير بوتين
""الإنجاز" الهام لآخر اجتماع بين بوتين وشي جينغ بينغ، كان البيان المشترك الطويل والمفصّل"

وقف الرئيس الصيني شي جينغ بينغ إلى جانب نظيره الروسي فلاديمير بوتين خلال افتتاح الألعاب الأولمبية الشتوية في بكين في الثالث من الشهر الجاري في وقفة تحد للغرب عموما وللولايات المتحدة تحديدا.

وقفا بصفتهما قطبي الكتلة الأوتوقراطية المتنامية في العالم والتي تطرح نفسها كبديل لتلك الديمقراطيات التي يقول الرئيس، جوزيف بايدن، إن الولايات المتحدة تقودها لبناء نظام عالمي جديد لمواجهة الأنظمة الأوتوقراطية والمتسلطة ولتوسيع جغرافيا الدول القائمة على أنظمة الحوكمة الصالحة.

ومنذ تلك اللحظة تركزت الأضواء الإعلامية والسياسية على قرارات واستفزازات موسكو تجاه أوكرانيا وتطورات الألعاب الأولمبية في بكين ومحاولات الحزب الشيوعي الصيني استخدامها سياسيا لإقناع العالم بأن الصين تمثل نظاما ديمقراطيا جديدا يتسم بقوته وقدرته على خلق الإنجازات وضمان الاستقرار.

على الرغم من سجل الصين الرديء والدموي في قمع الحركة الديمقراطية في هونغ كونغ، وممارساتها القمعية ضد أقلية الأويغور  المسلمة، والتي تقول الولايات المتحدة إنها ترقى إلى حرب الإبادة.

افتتاح الألعاب الأولمبية كان الاجتماع الثامن والثلاثين بين الرئيسين الصيني والروسي في مؤشر آخر حول نمو العلاقات السياسية والاقتصادية والعسكرية بين البلدين في السنوات الأخيرة.

قبل زيارة بوتين إلى الصين وقع البلدان عقدا تجاريا لثلاثين سنة لتوفير إمدادات الغاز الطبيعي الروسي للصين عبر خط أنابيب جديد يربط البلدين.

المحللون العسكريون في الغرب لاحظوا أن بعض الوحدات العسكرية الروسية التي انضمت إلى الحشود على حدود أوكرانيا كانت منتشرة على الحدود الروسية-الصينية الطويلة، في مؤشر آخر حول ثقة بوتين بأن زميله الصيني لن يطعنه في ظهره. 

ولكن "الإنجاز" الهام لآخر اجتماع بين بوتين وشي جينغ بينغ، كان البيان المشترك الطويل والمفصّل (5000 كلمة) والذي ادعى أن الشراكة بينهما " لا حدود لها"، والذي مثّل نقلة نوعية في العلاقات بين موسكو وبكين وخاصة لجهة التنسيق بينهما للتصدي للغرب.

البيان المشترك تضمن تأييد الصين لموقف روسيا المعارض لتوسيع حلف شمال الاطلسي (الناتو) في إشارة ضمنية إلى احتمال انضمام أوكرانيا للحلف، كما أكد أن تايوان هي جزء لا يتجزأ من الصين.

وكما دعمت الصين روسيا في أوروبا، دعمت روسيا الصين في شرق آسيا، حين ندد البيان المشترك بالتحالف الأمني المتزايد بين الولايات المتحدة وبريطانيا وأستراليا، في أعقاب صفقة الغواصات الأميركية المسيرة بالوقود النووي لأستراليا والتي ادانتها بكين. 

الأمر اللافت، والسافر في البيان المشترك هو أنه ادعى أن الدولتين الأوتوقراطيتين سوف تنسقان مع دول أخرى لبناء أنظمة "ديمقراطية حقيقية" لتكون بديلا للأنظمة التي تقودها وترعاها الولايات المتحدة وحلفاؤها الغربيين فيما يمكن وصفه بنظام أوتوقراطي عالمي جديد.

وخلال افتتاح الألعاب الأولمبية، شارك في الحفل قادة أكثر من 20 دولة معظمها أوتوقراطية، من بينها مصر والسعودية ودولة الإمارات وقطر. 

خلال أحلك اللحظات في الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي، حقق الرئيس، ريتشارد نيكسون، بزيارته التاريخية للصين قبل خمسين سنة بالضبط (بدأت في 21 فبراير 1972 وانتهت في 28 فبراير) إنجازا استراتيجيا وسياسيا، حين بدأ عملية تطبيع العلاقات مع الصين، وما نتج عنها من خلق هوة واسعة بين أكبر وأهم دولتين شيوعيتين آنذاك في العالم، ما أدى إلى تعزيز وضع واشنطن في تعاملها الثنائي مع كلا الدولتين.

ما يحدث الآن هو بمثابة رفع مستوى العلاقة الثنائية الوثيقة بين البلدين إلى ما يمكن وصفه بتحالف، غير أيديولوجي، ولكن منفعي وعملي ومبني على تنسيق متطور بين البلدين للتصدي لواشنطن وحلفائها وخاصة في المناطق التي تعتبرها كلتا الدولتين أنها تشكل تهديدا لمصالحها الحيوية.

حتى قبل اندلاع الأزمة الأخيرة بين روسيا وأوكرانيا، كان الرئيس بايدن يصف التوازنات الدولية الراهنة بأنها مواجهة بين تحالف الديمقراطيات في العالم الذي تقوده، أو يفترض أن تقوده، الولايات المتحدة، في وجه كتلة الأوتوقراطيات الصاعدة في العالم بقيادة الثنائي الروسي والصيني.

وخلال الأزمة الراهنة، نجحت إدارة الرئيس بايدن إلى حد كبير في تعزيز التنسيق والعلاقات بين واشنطن وبقية دول الناتو، بعد السنوات الأربع العجاف للرئيس السابق ترامب، الذي كان يشكك دوما بجدوى الناتو، كما عبأ بايدن وكبار مساعديه الرأي العام الأميركي والغربي للوقوف وراء فرض عقوبات اقتصادية شاملة ومؤلمة ضد روسيا في حال غزوها لأوكرانيا، وحقق بايدن ذلك على خلفية تعزيز الدعم العسكري للناتو وتسليح أوكرانيا مباشرة، وتشجيع دول الحلف على أن تحذو حذو واشنطن في هذا السياق.

ولكن هذا الأداء الجيد لإدارة بايدن، لا يخفي حقيقة أن الأنظمة والمؤسسات الديمقراطية في العالم إما في موقع دفاعي أو في حالة تراجع في وجه المّد الأوتوقراطي الذي وصل إلى أوروبا كما يتبين من النهج المناوئ للديمقراطية الذي اعتمدته دول مثل هنغاريا وبولندا ، وجنوح دول مثل الهند والبرازيل إلى تبني ممارسات أوتوقراطية، وسياسات طائفية وتمييزية ضد المواطنين المسلمين في حالة الهند.

وهذا الجنوح الأوتوقراطي في الغرب وصل إلى الولايات المتحدة خلال ولاية الرئيس ترامب، ولا يزال السمة الأساسية التي تميز قاعدة الحزب الجمهوري، التي لا تزال تقف بأكثريتها وراء رئيس حوكم مرتين في الكونغرس.

التحالف الديمقراطي الذي يريد بايدن أن يقوده مؤلف بمعظمه من دول أوروبية تواجه تحديات سياسية واقتصادية واجتماعية هامة تهدد جبهاتها الداخلية بسبب الخلافات العميقة حول قضايا خلافية وجوهرية مثل الهجرة وتحديات اللاجئين الذين يواصلون قرع أبواب القارة هاربين من دول  فاشلة أو تشرف على الفشل والنزاعات الأهلية في آسيا وأفريقيا.

عندما أرسل بوتين قواته لغزو أوكرانيا وضم شبه جزيرة القرم في 2014، تعرضت روسيا إلى عقوبات غربية، ولكنها لم تكن مؤلمة كثيرا لروسيا ولم ترغم بوتين أو أركان قيادته على دفع ثمن باهظ لانتهاكاتهم لأوكرانيا وللقانون الدولي. 

وبدلا من أن تتحرك دول أوروبا الغربية، وتحديدا ألمانيا، لتقليص اعتمادها على إمدادات الغاز الطبيعي والنفط من روسيا، زادت من اعتمادها على الصادرات الروسية، وخاصة بعد أن قررت برلين وقف العمل في مفاعلاتها النووية في أعقاب الكارثة النووية في مفاعل فوكوشيما في اليابان عام 2011.

ألمانيا استثمرت أكثر من 11 مليار دولار لإقامة خط أنابيب الغاز الطبيعي المعروف باسم "نورد ستريم-2" لزيادة مستورداتها من الغاز الروسي.

الآن تسعى إدارة الرئيس بايدن لزيادة صادراتها من الغاز إلى ألمانيا وغيرها من الدول الأوروبية في الوقت الذي تحاول فيه إقناع الدول الأخرى المصدّرة للغاز، مثل قطر، تصدير هذه الطاقة إلى أوروبا لتحرير دول القارة من الاعتماد الخطير على روسيا.

العدوانية الروسية ضد أوكرانيا، والعدوانية الصينية ضد تايوان هي جزء من هذا الجنوح الأوتوقراطي العالمي الذي تمارسه دول أوتوقراطية وعدوانية أخرى مثل إيران، وهو ما نراه  حتى في دول كانت تعتبر ديمقراطيات ناقصة أو شعبوية مثل الهند، كما يتبين من إجراءاتها القمعية ضد المسلمين وتحديدا سكان ولاية كشمير، وعدوانية النظام التركي تجاه سوريا واحتلاله لشمال سوريا، وانتهاكاته الداخلية لحقوق الإنسان وقمع حريات التعبير. 

هذه العدوانية الأوتوقراطية تعكس تقويما شائعا وهو أن الدول ذات الأنظمة الديمقراطية المفتوحة ضعيفة وغير فعالة وعاجزة عن اتخاذ إجراءات الحسم السريعة كما يفعل القادة المتسلطين سواء كانوا في موسكو، أم بكين، في الرياض أم في القاهرة.

سلوك هذه الدول، وخاصة روسيا والصين، يبين أنها تتصرف وكأنها سوف ترث العالم بعد وصول الأنظمة الديمقراطية إلى مرحلة العجز في حكم مجتمعاتها التي تعصف بها الانقسامات الداخلية، أو حالة العجز في إدارة النظام الدولي بدرجة متقدمة من الفعالية والانتظام.

الانقسامات السياسية والاجتماعية والثقافية العميقة في الولايات المتحدة في السنوات الأخيرة أبرزت إلى السطح وبشكل صارخ هشاشة النظام الديمقراطي إذا لم يتحرك بسرعة لتخطي تناقضاته الداخلية بالطرق السلمية.

انتهاكات الصين القاسية ضد أقلية الأويغور، وعدوانيتها السافرة ضد تايوان، وأطماعها في أراضي جيرانها وتهديداتها لحرية الملاحة في شرق آسيا، والاعتداءات الروسية المستمرة في أوكرانيا وسوريا المباشرة أو تلك التي تتم عبر مرتزقتها المعروفة باسم تنظيم "فاغنر" التي يديرها أحد الأوليغارشيين الروس المقربين من بوتين والمعروف بعشقه لأعمال الموسيقار الألماني الكبير فيلهلم ريتشارد فاغنر، ومن هنا الاسم، تبين إلى أي مدى هذه الدول وغيرها من الدول المتسلطة الصاعدة مستعدة لتقويض الأعراف والتقاليد الدولية لخدمة أهدافها الضيقة كما تحددها هي، بغض النظر عن الإعتبارات القانونية والأخلاقية. 

وبغض النظر عن كيفية تطور الأزمة الروسية-الأوكرانية والدور الأميركي فيها خلال الأسابيع والأشهر القليلة المقبلة، إلا أن المناورات والتحركات والائتلافات الدولية الجديدة تبين أن العالم يسير باتجاه حرب باردة جديدة بين الولايات المتحدة من جهة وروسيا والصين من جهة أخرى.

هذه الحرب الجديدة مرشحة لأن تكون أكثر خطورة من الحرب الباردة التي برزت في أعقاب الحرب العالمية الثانية، لأنها سوف تحتدم على جبهة عالمية أوسع  وسوف تشارك فيها قوى عديدة ما يعني صعوبة التنبؤ بتطورها وبكيفية احتوائها.

معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية
معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية

السائد تقليدياً، التعامل مع الفقر كموضوع للإحسان من منظار ديني. لأن الدين يعتبر جزءا مهما من تكوين الهويات الجماعية، فهو يمنح قاعدة للتضامن الاجتماعي والحشد السياسي. لكن الفقر أصبح موضوعا سوسيولوجيا للدراسة في مطلع القرن الماضي. ويعتبر الفقر الآن أحد اشكال العنف التي يتعرض لها الانسان.

تاريخياً الفقراء هم البشر غير المرئيين، شخوص خرساء، إنهم الذين "لا صوت لهم" إلا كآثار عابرة تركوها عنهم من لا يعانون الفقر. التاريخ لم يعرف للفقراء حضورا أو صوتا. فالتاريخ لم يكن ينقل لنا سوى سِير وحكايات الملوك والأمراء والحكام وأبطال المعارك العسكرية، سواء في لهوهم او في عنفهم. لم يُذكر الفقراء إلا في معرض الشفقة وطلب الإحسان.

انتظر الفقراء بتواضع على عتبة التاريخ حتى مطالع القرن الماضي، قبل أن يتم التعرف عليهم، لكن بشروط.

لكن ما هو الفقر؟

في الفرنسية نسقط في الفقر كما في حفرة ونهوي في ظلمات العوز. في العربية أيضاً، فَقَرَ حفرة أي حفرها، فقُر الرجل: أي كسر فقار ظهره. فقر الخرز أي ثقبه. وفي الحالين نجد معنى السقوط والتدهور والانحلال وانكسار الظهر. وغالباً ما يكون الفقر مسؤولية صاحبه أو قدره. يصبح عندها كعاهة لا يمكن الاعتراض على وجودها!

وهذا ما يتوجب معالجته، إبطال فكرة الاستسلام أمام حالة الفقر. إنها مسؤولية الدولة وسياساتها والمجتمع والحروب والمجاعات والكوارث الطبيعية والأزمات الاقتصادية المنتجة الأساسية له.

حالة الفقر وضعية يخضع لها الفقير. تظل آنية أو تصبح دائمة. حالة ضعف وتبعية وتواضع، تتسم بالحرمان من الموارد وحرمان من المال والسلطة والنفوذ والعلم وشرف المحتد، أو من القوة الجسدية أو القدرات العقلية أوالحرية. وذلك بحسب الحقب والمجتمعات. الفقر مهين للكرامة الشخصية ويضم كل المستبعدين من المجتمع السوي.

تغيرت في القرن الحادي والعشرين معايير قياس الفقر عموماً، وبحسب تقرير التنمية البشرية لـ2019 حصل تقدم ملحوظ في الحد من أشكال الحرمان الشديد، فقد أفلت من براثن الجوع والمرض والفقر في أنحاء العالم عدد غير مسبوق من الناس الذين قفزوا فوق الحد الأدنى لمعيشة الكفاف.

لكن جائحة كوفيد، والحرب الدائرة في أوكرانيا، والعنف المستمر في العالم وفي العالم العربي، والزلزال في تركيا وسوريا مؤخراً، تسببت بإفقار الكثير من الدول العربية ومن دول العالم النامي.

منذ ما قبل هذه الأزمة كان عدم المساواة مستشرياً. فرغم التقارب النسبي في الإمكانات الأساسية لدى الكثير من الدول، أي غذاء وتعليم وصحة، لدينا تفاوت كبير علىى صعيد الإمكانات المعززة والنوعية التي تطال الحصول على الخدمات الصحية الجيدة أو خدمات التعليم الجيدة والحصول على التكنولوجيات، مما يوفر المناعة تجاه الصدمات الجديدة غير المعروفة.

في العالم العربي لا يزال الفقر المدقع من أعلى المستويات. انظر: "الفقر في العالم العربي.. أرقام صادمة"، الحرة 16 ديسمبر 2018.

تميز القرن العشرين بالنصوص العالمية المتعلقة بحماية حقوق الإنسان. من بينها الحق بتكوين أسرة والحق بحماية الحياة الأسرية. لكن هذا التطور لم يعبر عن نفسه على مستوى الواقع بشكل أتوماتيكي. ظلت الأسر الفقيرة منبوذة على هامش المجتمع ومعتبرة غير مؤهلة. لكن تطور النظرة إلى الحقوق الأساسية للإنسان أدّى الى ولادة اليوم العالمي للقضاء على الفقر في 17 أكتوبر 1987.

وقد أعلنوا أن الفقر يُشكل انتهاكا لحقوق الإنسان وأكدوا الحاجة إلى التضامن بغية كفالة احترام تلك الحقوق. 

لا يمكن الحديث عن الكرامة الانسانية في ظل الحروب والعنف العسكري والاجتماعي. 

الحديث عن كرامة في غياب المساواة ضرب من الخيال. والثقافة التقليدية تساهم في جعل اللامساواة مبررة ومقبولة واعتبارها أقرب إلى الصفات الوراثية.

ومع أن هناك إجماع على الاعتراف بحقوق المرأة، وبالمساواة بينها وبين الرجل، في أكثرية دساتير البلدان العربية. غير أن مجرد وجود ضمانات دستورية تكفل حق المرأة ولا يتجسد بالضرورة واقعا تحقق فيه المرأة كامل حقوقها المدنية والقانونية والسياسية.

تتسم أوضاع النساء العربيات عموماً بالهشاشة، خصوصاً في البلدان التي تعاني من سوء التنمية او الحروب؛ مما يزيد عدد الأرامل، وبالتالي الأسر التي تديرها المرأة بمفردها. وهذا أحد أهم مسببات الفقر المستدام، لأنهن عندما يدخلن دائرة الفقر فهن معرضات للبقاء فيها. 

من هنا بروز مفهوم تأنيث الفقر، وتصفه اليونيفيم (UNIFEM)  بأنه "عبء الفقر الذي تتحمله المرأة، خاصة في الدول النامية"، فتعاني من مستوى معيشي منخفض لا يكفي لتغطية الاحتياجات المادية والمعنوية مما يؤثر سلبا على الاحترام الذاتي للفرد أو للمجموعة.

 وهو ليس نتيجة لضعف الدخل فقط، بل أيضا نتيجة للحرمان من الإمكانيات والتحيزات الجنسانية الموجودة في كل من المجتمعات والحكومات. وهذا يشمل فقر الخيارات والفرص، مثل التمكن من عيش حياة طويلة وصحية وخلاقة، والتمتع بالحقوق الأساسية وبالحرية والاحترام والكرامة.

ويرتبط هذا المفهوم بمستوى المعيشة العام داخل المجتمع، كما يرتبط بكيفية توزيع الثروة ومكانة الفرد في مجتمعه، وبتوقعاته الاجتماعية والاقتصادية.

ونتائج الفجوات بين الجنسين في التوظيف، وأنشطة الأعمال، والحصول على التمويل، لا تكبل الأفراد فقط بل الاقتصاد برمته. ما يؤخر نمو وتقدم المجتمع. 

لذا هناك اهتمام كبير الآن بتعزيز روح التضامن العالمي، بالتركيز على حاجات الفئات الأضعف والأشد فقرا. كما  يجب الاعتراف وتشجيع الدور الذي يضطلع به القطاع الخاص المتنوع، ابتداء من المؤسسات المتناهية الصغر ومرورا بالتعاونيات وانتهاء بالشركات الكبرى؛ إضافة الى الدور الذي تضطلع به منظمات المجتمع المدني والمنظمات الخيرية في تنفيذ الأعمال المطلوبة.

للعمل الخيري القدرة على رفع آثار الأضرار المترتبة عن الأزمات الإنسانية، كما أن له القدرة على دعم الخدمات العامة في مجالات الرعاية الطبية والتعليم والإسكان وحماية الأطفال. والعمل الخيري فاعل جدا في تحسين الثقافة والعلوم والرياضة وحماية الموروثات الثقافية، فضلا عن تعزيزه لحقوق المهمشين والمحرومين ونشر الرسالة الإنسانية في حالات الصراع.

من المعلوم أن المجتمع المدني أقوى من الدولة في التجربة اللبنانية، فلقد اضطلع دائما بالجوانب التي تقصر بها الدولة، وبرز دوره خصوصاً في السنوات الأخيرة. فمنذ جريمة انفجار المرفأ في 4 آب عام 2020، تكفل المجتمع المدني والجمعيات الخيرية الاضطلاع بمسؤولية كافة المهام التي خلفها الانفجار، وقام مقام الدولة في ظل غيابها التام. فمن إسعاف المرضى إلى رفع الأنقاض والترميم إلى تدبير مساكن ومساعدات عينية لمن فقدوا منازلهم وهم بالآلاف. كل ذلك تكفلت به الجمعيات الخيرية والجمعيات المدنية. 

لكن، إذا كان العمل الخيري ضروري ويقوم بخدمات جليلة للمجتمع وللأفراد، ينبغي الحذر من أن يخلق مشكلة الاتكالية عند تلقي المساعدات بشكل دائم. فيتحول الفرد إلى كسول مفتقد لروح العمل يعتاش على الصدقات ومشاريع الإغاثة، فيتجذر الفقر. ونكون بهذا نتسبب بالضرر للمجتمع عندما نحول أفراده الضعفاء إلى معتاشين دائمين.

من هنا أهمية وضع برامج تهتم، إلى جانب المساعدة، بتوعية المستفيدين مع التدريب على برامج تنموية وإكساب معارف وتقنيات تساهم في تمكينهم  كي يستقلوا ويصبح باستطاعتهم تلبية حاجاتهم وحاجات أسرهم.

مشكلتنا ليست في الفقر فقط، فهو يوجد في أغنى الدول وأكثرها ترفا، ولكن في عدم قدرتنا على اجتثاث مسبباته والأخذ بيد الفقراء حتى يعتمدوا على أنفسهم، بل أيضاً في تفعيل عمل المؤسسات الرسمية والوزارات والقدرة على مواجهة الأزمات وتحويلها إلى فرص.

**ألقيت هذه الكلمة في جلسة افتتاح "القمة العالمية للمرأة"، التي أقيمت في أبوظبي بين 21-22 فبراير 2023، برعاية سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك، وشاركت فيه سيدات فاعلات من مختلف أنحاء العالم.

هذه الورقة ستكون آخر مساهمة لي في صفحة "من زاوية أخرى"، التي رافقت همومنا وتطلعاتنا، لأن الموقع قرر إغلاق هذه الصفحة، من ضمن الاتجاه العام في التحول من الصحافة الورقية المكتوبة إلى الرقمية، ثم إلى – البصرية.

وسوف نفتقد بحسرة هذه المساحة الحرة التي ضمت نخبة من الاقلام العربية التي كتبت فيها بحرية تامة (مفتقدة في معظم الإعلام العربي، إذا لم يكن كله) ومن دون قيود أو رقابة من أي نوع، وحتى في نقد سياسات مرجعيات الحرة نفسها؛ شرط احترام الدقة والموضوعية والاستناد إلى مصادر موثوقة. والأسف على إغلاقها يعود لحاجتنا الماسة لهذه الأقلام الحرة في هذه اللحظات المصيرية التي تواجهها المجتمعات العربية.

لكن ما باليد حيلة، فالسياسات والحاجات، مهما كان مصدرها، لا تتماشى بالضرورة مع مصالح الشعوب. فوداعاً.