كيوبيد - تمثال - أمستردام - هولندا
"شخصياً أعترف لا أستهوي المباشرة المتعلقة بهذه التطبيقات"

معاصرةً، بداعي الفضول والتسلية. الرغبة في الانسحاق، التماهي، (مبهم حقاً) مكملةً سيل الأفعال "العشوائية" غير المنقطعة في السنوات الأخيرة، فعلت ذلك وما زلت.

أذكّر نفسي ممسكةً ياقة قميصي المغلق بإحكام حتى الزر الأخير، الضاغطة على الجلد المكسو فوق حنجرتي، أمسكها بإحكام خانقةً احتمال أي نفس إضافي يساعدني في حفر إنشٍ واحد تحت سطح المفاهيم والوجود وكل ما يظهر أمامي من شكوك. تبلعني الأخيرة بصعوبة، منتهية أخيراً في المنتصف.

أفلت الياقة مستبدلة عنقي بعنق علاقة الثياب البلاستيكية، مذكرة نفسي بأنه لا داعي للمبالغة في الدراما، سأستخدم الأقل تعنيفاً لكن الأكثر حنقاً من كل هذا: "الاندماج"، أوكي الرغبة في الاندماج أكثر مع جيلي الحالي فيما يخص المواعدة الافتراضية. 

 قبل يومين حملّتُ تطبيق "OkCupid"، الاسم كما هو واضح وبديهي حد الابتذال والاستسهال (شخصياً)، استلهاماً من إله الحب والشهوة "كيوبيد"، الفارق هنا أن سهم الغواية والاصطياد مرتخياً في "يد" الطرفين، (ثلاثة أو أكثر في حال استخدامه داخل نطاق برلين، للدقة داخل ال ring، الحلقة الحيوية في برلين) 
سهم منضبط مبرمج، "يقذف" في اتجاهين محددين، يمين تعني الإعجاب، يسار؟ حسناً اليسار أعقد قليلاً من فكرة "اللاعجاب" بقليل.

سهم اليسار المتجه نحو إخفاء صور صاحبه أو صاحبته، غالباً "ما يعلوه رغبة واشتهاء مبطن في وضع سم الزئبق أو السيانيد على رأسه وإرساله يساراً مباشرة على مؤخرة أحد الـ exs في حال ظهرت صورته مبتسماً، وديعاً في انتظار ايقاع الضحية الجديدة". اقتبس من صديق. 

اليسار تعني أيضاً، أسباباً أخرى كثيرة منها على سبيل المثال، مصادفة أحد الأصدقاء والمعارف أو الأسوأ زملاء العمل اللطفاء المحفزون للأفكار الانتحارية. 

الشائع فيما يتعلق بالـ "swipe left"، عدم الميل إلى ما يظهر خارجياً من شكل، عمر، قصة شعر، أو ارتداء شورت جينز،  أسباب كثيرة منها أيضاً، وصف أحدهم لنفسه بأنه "محب لحفلات المجون الجماعية الخالية من النفاق الاجتماعي التي ترغمنا جميعاً عل ارتداء الملابس، مفهوم الملابس بذاته بدعة اجتماعية لتصنيف الأفراد طبقياً" اتفق إلى حد ما في حال تم وضع الـ8 مليار بشري في هاواي طوال أيام السنة. 

منعاً لحصول أي سوء فهم، لست ضد الاحتفاء بحب الحياة عاريين مطلقين أثداءنا في الهواء، العكس تماماً، لكن ما حاجة شخص بهذه الروح المتقدة لهكذا تطبيقات مصممة لإيقاع الأفرد بأفخاخ الحب المثالي والـ "couple/relationship goals" بسحبة تجاه اليمين؟ أعني ما صعوبة التقاط أحدهم في حفلة ماجنة ما وإقناعه في جمالية الثنائيات العصرية؟ صفر صعوبة. لذلك يصعب تصديق الوصف وصاحبه. 

شخصياً أعترف لا أستهوي المباشرة المتعلقة بهذه التطبيقات، أفضّل الألعاب الذهنية. لا يعني البتة بأني مُلعبّة أو لعوب، أياً كانت الكلمة المناسبة. بل استهوائي لمصادفة الأجساد، غير مترقبة، غير مجهزة بضمان اصطياد ما. أجساد متموضعة داخل فضاء ما، شارع، رصيف، بار، قهوة، درج، مطار، إلخ.

يرسل أحدهم رسالة "هل تنضمي إلى عالم التمرد الخاص بي؟" هكذا دون مقدمات. مضحك جداً، اعتقدت باحتكارية استخدام هذا الأسلوب ضمن منطقتنا العربية فقط، استخدامه هناك منطقي أكثر ضمن الأجواء المحافظة، خاصةً عندما يحاول أحدهم استلام زمام تعليم فتاة ما التمرد على القيم المفروضة عليها من المجتمع وتحريرها عن طريق ليلة واحدة معه حتى لو كانت لا تشعر بشيء تجاهه. أعني هنا يكمن "التمرد" أكثر. 
 أجيب رسالته متسائلةً، "تمرد؟ على ماذا؟ وأنت تستخدم أكثر المنصات رأسمالية على مجرة درب التبانة؟ لنبدأ من هنا يا يوهانس".

تجرني دعوته المتذاكية  إلى التفكير في سياق الثورات الحديثة (إن كان التوصيف دقيقا) ما عايشته في السنوات العشر الأخيرة. وما زلت اختبر.

في "euphoria" يقول "علي" أحد شخصيات المسلسل "المتزنة" نوعاً ما، المتعافى من إدمان المخدرات، بعد سنوات طويلة من الصراعات المعقدة مع نفسه وعائلته، والخسارات المتتالية التي أوصلته أخيراً إلى تغيير دينه واسمه، إن الدين والاتصال مع الإله الأعلى هو الطريق الأمثل له للتشافي، بحسب قوله. 

في حديثه عن الفقد والموت مع "رو"، شخصية مراهقة مدمنة على المخدرات، بدأت صداقتهما في مركز لمعالجة إدمان المخدرات، يصف "علي" شعوره بالرضا عندما دخل إلى متجر "Nike" البراند المفضلة له.

ووجد شعار وضعته  "Nike" على أحد جدران المتجر "حياة أناسنا مهمة" على خلفية أحداث "حياة السود مهمة" في إشارة من البراند على أن أكثرية زبائنها من السود وحياتهم "مهمة" بالنسبة لها. 

يستفيض "علي" بوصف كمية الرضا العالية التي أصيب بها بسبب شعار بسيط كهذا، كأنه موجه خصيصاً له كفرد بذاته. تتلاشى جميع مشاعره فور رؤيته لسعر حذاء رياضي، 139 دولار فقط، "اعتقدت أن "Nike" تحبني وتقدر حياتي، ماذا حصل؟" 

"وكيف يكون ذلك منطقياً وهذا الحذاء تمت خياطته على يد عامل صيني مسلم مقابل 7 سنتات في الساعة؟".

متظاهرون لبنانيون يتهمون رياض سلامة حاكم مصرف لبنان بالسرقة
متظاهرون لبنانيون يتهمون رياض سلامة حاكم مصرف لبنان بالسرقة

ثمة تبادلاً رهيباً للحمايات والحصانات تمارسها الطبقتان السياسية والمصرفية في لبنان، تصدر الأولى قرارات تتولى منع مقاضاة مصرفيين، فيما تسوق الثانية لـ"نجاح السلطة" في إدارة الكارثة التي لحقت باللبنانيين جراء فساد الطبقتين، وتغولهما على الأموال العامة والخاصة.

شهدنا في هذا الأسبوع نموذجاً صارخاً ووقحاً عن هذه المعادلة، طرفاها حاكم مصرف لبنان رياض سلامة ورئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي. قال الأول في مقابلة تلفزيونية إن لبنان حقق نمواً اقتصادياً في العام 2022 بلغ 4 في المئة! لا تكفي حيال هذا القول علامة تعجب واحدة لدرء الذهول.

لبنان البلد المفلس والذي فقدت العملة فيه أكثر من 90 في المئة من قيمتها، وأقدمت المصارف فيه على السطو على مدخرات المودعين عبر "كابيتال كونترول" غير قانوني، والناس على حدود الجوع والوضع الصحي مهدد بالأوبئة، هذا البلد حقق بحسب رياض سلامة نمواً اقتصادياً. إنها هدية رياض سلامة لنجيب ميقاتي، ذاك أن النمو الرهيب والغريب الذي أشار إليه الحاكم هو إنجاز ميقاتي، ولطالما باع الحاكم اللبنانيين الأوهام، ولعل ذروتها حين أبلغهم قبل الانهيار بأيام أن "الليرة بخير".

لكن سرعان ما كافأ ميقاتي الحاكم، وعمم الفائدة على كل المصارف، فأصدر مذكرة يطلب فيها عدم تنفيذ القوى الأمنية أي قرار يصدر عن مدعي عام جبل لبنان القاضية غادة عون، التي تتولى ملاحقة عدد من المصارف بتهم تبييض أموال، وهي سبق أن ادعت على سلامة وعلى شقيقه بتهم فساد.

لبنان بلد يطلب فيه رئيس الحكومة التمنع عن مؤازرة القوى الأمنية للقضاء! فيما لا يخجل حاكم المصرف المركزي من أن يبلغ اللبنانيين أن اقتصادهم حقق نمواً في وقت يعيشون فيه على شفير مجاعة. 

والحال أننا لم نعد حيال ما توقعه الفضيحة في نفوس من يعايشونها، ذاك أننا نواصل منذ سنوات استقبال الفضائح وهضمها، ثم استدخالها بوصفها شأناً طبيعياً علينا التعايش معه على رغم استحالة تصديقه. 

حزب الله يمنع إجراء التحقيق بانفجار مرفأ بيروت. هذا ما لا يحتاج إلى تقص لإثباته. لقد توجه مسؤول كبير فيه إلى قصر العدل وقال للقاضي أنه "سيقبعه من منصبه". جرى ذلك أمام أعيننا، ولم ينفه أحد. 
إذاً هذه واقعة مثبتة، ولا يبنى عليها سوى أن علينا التعايش معها، وهي تشبه ما قاله الحاكم لجهة أن لبنان حقق نمواً اقتصادياً في عام المجاعة والإفلاس. نحن نعرف أن اقتصادنا لم يحقق نمواً وأن الحاكم لا يقول الحقيقة، لكن كيف يمكننا أن نصرف معرفتنا؟

وفي سياق هذا العجز عن صد الكذب، وعن طلب احترام الذكاء، تحول الشأن العام بأسره إلى عالم من الأكاذيب الركيكة التي لا تسعى لنيل تصديقنا، بل لنيل قبولنا بها بوصفها أكاذيب مرغمين على التعايش معها. "القاضي طارق البيطار عميل للسفارات"! أن نسأل عن دليلهم، فهذا تطاول على السيد حسن نصرالله، وطلب مقاضاة وليد جنبلاط الذي اعترف بإقدامه على تحويلات إلى الخارج، يرقى إلى حدود الكفر والفجور، فهل يعقل أن نحاسبه على فعلة اعترف بها؟

لا يعقل أن نواصل العيش في هذه المتاهة، لكن لا يبدو أن ثمة أفق للخروج منها، فمصدر الاستعصاء تكويني، والشر يتحصن ببنية صلبة تضرب جذورها في كل شيء في لبنان. من هنا يشعر رجل كرياض سلامة أن بإمكانه أن يقول ما قاله، مدركاً أن أحداً لن يصدقه، وأن يصفعنا نجيب ميقاتي بقرار يطلب فيه من القوى الأمنية عدم مؤازرة القضاء، وأن يقول حسن نصرالله أن طارق البيطار عميل للسفارات، وأن يحذرنا من مغبة الشك بما قاله.

على هذا النحو بنت دولتا البعث في سوريا والعراق سلطتاها، فليس المطلوب أن نصدق، إنما المطلوب أن نقبل، وليس أمامنا والحال هذه إلا أن نستعين بالسخرية لتصريف مأساتنا. لكن في مرحلة أخرى قد تتحول السخرية إلى سلاح مهدد، وعندها سنمنع من ممارستها.