معاصرةً، بداعي الفضول والتسلية. الرغبة في الانسحاق، التماهي، (مبهم حقاً) مكملةً سيل الأفعال "العشوائية" غير المنقطعة في السنوات الأخيرة، فعلت ذلك وما زلت.
أذكّر نفسي ممسكةً ياقة قميصي المغلق بإحكام حتى الزر الأخير، الضاغطة على الجلد المكسو فوق حنجرتي، أمسكها بإحكام خانقةً احتمال أي نفس إضافي يساعدني في حفر إنشٍ واحد تحت سطح المفاهيم والوجود وكل ما يظهر أمامي من شكوك. تبلعني الأخيرة بصعوبة، منتهية أخيراً في المنتصف.
أفلت الياقة مستبدلة عنقي بعنق علاقة الثياب البلاستيكية، مذكرة نفسي بأنه لا داعي للمبالغة في الدراما، سأستخدم الأقل تعنيفاً لكن الأكثر حنقاً من كل هذا: "الاندماج"، أوكي الرغبة في الاندماج أكثر مع جيلي الحالي فيما يخص المواعدة الافتراضية.
قبل يومين حملّتُ تطبيق "OkCupid"، الاسم كما هو واضح وبديهي حد الابتذال والاستسهال (شخصياً)، استلهاماً من إله الحب والشهوة "كيوبيد"، الفارق هنا أن سهم الغواية والاصطياد مرتخياً في "يد" الطرفين، (ثلاثة أو أكثر في حال استخدامه داخل نطاق برلين، للدقة داخل ال ring، الحلقة الحيوية في برلين)
سهم منضبط مبرمج، "يقذف" في اتجاهين محددين، يمين تعني الإعجاب، يسار؟ حسناً اليسار أعقد قليلاً من فكرة "اللاعجاب" بقليل.
سهم اليسار المتجه نحو إخفاء صور صاحبه أو صاحبته، غالباً "ما يعلوه رغبة واشتهاء مبطن في وضع سم الزئبق أو السيانيد على رأسه وإرساله يساراً مباشرة على مؤخرة أحد الـ exs في حال ظهرت صورته مبتسماً، وديعاً في انتظار ايقاع الضحية الجديدة". اقتبس من صديق.
اليسار تعني أيضاً، أسباباً أخرى كثيرة منها على سبيل المثال، مصادفة أحد الأصدقاء والمعارف أو الأسوأ زملاء العمل اللطفاء المحفزون للأفكار الانتحارية.
الشائع فيما يتعلق بالـ "swipe left"، عدم الميل إلى ما يظهر خارجياً من شكل، عمر، قصة شعر، أو ارتداء شورت جينز، أسباب كثيرة منها أيضاً، وصف أحدهم لنفسه بأنه "محب لحفلات المجون الجماعية الخالية من النفاق الاجتماعي التي ترغمنا جميعاً عل ارتداء الملابس، مفهوم الملابس بذاته بدعة اجتماعية لتصنيف الأفراد طبقياً" اتفق إلى حد ما في حال تم وضع الـ8 مليار بشري في هاواي طوال أيام السنة.
منعاً لحصول أي سوء فهم، لست ضد الاحتفاء بحب الحياة عاريين مطلقين أثداءنا في الهواء، العكس تماماً، لكن ما حاجة شخص بهذه الروح المتقدة لهكذا تطبيقات مصممة لإيقاع الأفرد بأفخاخ الحب المثالي والـ "couple/relationship goals" بسحبة تجاه اليمين؟ أعني ما صعوبة التقاط أحدهم في حفلة ماجنة ما وإقناعه في جمالية الثنائيات العصرية؟ صفر صعوبة. لذلك يصعب تصديق الوصف وصاحبه.
شخصياً أعترف لا أستهوي المباشرة المتعلقة بهذه التطبيقات، أفضّل الألعاب الذهنية. لا يعني البتة بأني مُلعبّة أو لعوب، أياً كانت الكلمة المناسبة. بل استهوائي لمصادفة الأجساد، غير مترقبة، غير مجهزة بضمان اصطياد ما. أجساد متموضعة داخل فضاء ما، شارع، رصيف، بار، قهوة، درج، مطار، إلخ.
يرسل أحدهم رسالة "هل تنضمي إلى عالم التمرد الخاص بي؟" هكذا دون مقدمات. مضحك جداً، اعتقدت باحتكارية استخدام هذا الأسلوب ضمن منطقتنا العربية فقط، استخدامه هناك منطقي أكثر ضمن الأجواء المحافظة، خاصةً عندما يحاول أحدهم استلام زمام تعليم فتاة ما التمرد على القيم المفروضة عليها من المجتمع وتحريرها عن طريق ليلة واحدة معه حتى لو كانت لا تشعر بشيء تجاهه. أعني هنا يكمن "التمرد" أكثر.
أجيب رسالته متسائلةً، "تمرد؟ على ماذا؟ وأنت تستخدم أكثر المنصات رأسمالية على مجرة درب التبانة؟ لنبدأ من هنا يا يوهانس".
تجرني دعوته المتذاكية إلى التفكير في سياق الثورات الحديثة (إن كان التوصيف دقيقا) ما عايشته في السنوات العشر الأخيرة. وما زلت اختبر.
في "euphoria" يقول "علي" أحد شخصيات المسلسل "المتزنة" نوعاً ما، المتعافى من إدمان المخدرات، بعد سنوات طويلة من الصراعات المعقدة مع نفسه وعائلته، والخسارات المتتالية التي أوصلته أخيراً إلى تغيير دينه واسمه، إن الدين والاتصال مع الإله الأعلى هو الطريق الأمثل له للتشافي، بحسب قوله.
في حديثه عن الفقد والموت مع "رو"، شخصية مراهقة مدمنة على المخدرات، بدأت صداقتهما في مركز لمعالجة إدمان المخدرات، يصف "علي" شعوره بالرضا عندما دخل إلى متجر "Nike" البراند المفضلة له.
ووجد شعار وضعته "Nike" على أحد جدران المتجر "حياة أناسنا مهمة" على خلفية أحداث "حياة السود مهمة" في إشارة من البراند على أن أكثرية زبائنها من السود وحياتهم "مهمة" بالنسبة لها.
يستفيض "علي" بوصف كمية الرضا العالية التي أصيب بها بسبب شعار بسيط كهذا، كأنه موجه خصيصاً له كفرد بذاته. تتلاشى جميع مشاعره فور رؤيته لسعر حذاء رياضي، 139 دولار فقط، "اعتقدت أن "Nike" تحبني وتقدر حياتي، ماذا حصل؟"
"وكيف يكون ذلك منطقياً وهذا الحذاء تمت خياطته على يد عامل صيني مسلم مقابل 7 سنتات في الساعة؟".