غلف الخطيئة بغطاء من الذهب، تتكسر رماح العدالة عليها.
هكذا قال شكسبير في حكمة أوردها في مسرحيته "هنري الرابع"، وهي مقولة غاية في الحكمة تجد لنفسها مكانا كلما قرأت أكثر في خفايا أخبار وتفاصيل شرق المتوسط، الذي يحاول إعادة صياغة وتشكيل نفسه على أسس ومعايير جديدة مختلفة عن صيغة الشرق الأوسط القديم، منتهي الصلاحية في عالم تغيرت كل قواعد اللعبة فيه.
آخر وجه مميز وفاضح الشبهات، كان في المنطقة وحاول أن يغيرها بأكملها لتكون متسقة تماما مع خرائطه الشخصية "الساذجة" كان جاريد كوشنر، صهر الرئيس "الأعجوبة" في تاريخ الولايات المتحدة دونالد ترمب.
غادرت إدارة ترمب، واختلفت كل سياسات واشنطن التي قضت عامها الأول منشغلة بتفكيك الإرث الترمبي الصعب، في ملفات عديدة، أهمها كان ملف الشرق الأوسط - شرق المتوسط.
كوشنر، ذو الوجه الشاحب جدا والملامح الباردة حد التجمد، غادر مع الإدارة لكنه لم يغادر شرق المتوسط قيد التشكل، ليكون حاضرا في جولة خليجية حمل معها أفكاره الجديدة التي تتسق هذه المرة مع مفهوم التنمية الاقتصادية الذي سيكون أحد عناوين المنطقة من جديد، أفكار كوشنر "التجارية" هي غطاء الذهب الذي يغلف كل نواياه الخاطئة نحو الإقليم.
كوشنر، مسلحا بأربع سنوات ثرية بالعلاقات الحساسة، وحصيلة من المعلومات والتواصل مع شخصيات نافذة بين واشنطن وعواصم شرق المتوسط، يتجول تحديدا في ثلاث عواصم بحثا عن شراكة "تجارية" لتمويل مؤسسته "المالية الإستثمارية"، ومتخما بروح الانتقام الشخصي من إدارة "بايدن" وكل خصوم سياسات إدارة ترمب، يبحث عن موطىء قدم مالي ضخم في إقليم يبحث عن مفاتيح دخول "عولمة جديدة" عبر مشاريع تنموية ضخمة.
جولة كوشنر وجدت ترحيبا في السعودية، تحديدا مع صندوق الاستثمارات السعودي البالغة قيمته 500 مليار دولار، ويرأسه الأمير محمد بن سلمان نفسه، كوشنر يبحث عن تمويل ودعم شركته العملاقة (Affinity partners) - وترجمتها المدهشة تعني : شركاء التقارب!، والأخبار الواردة من السعودية لم توضح أي تفاصيل بشأن قرار ولي العهد السعودي النهائي، وهناك مؤشرات على احتمالية الموافقة، إذ أجرى كوشنر جولةً داخل شركة أرامكو السعودية بصحبة كبار مسؤوليها، وتلك ميزة تفضيل هائلة في المعايير السعودية، وهذا التفضيل المتميز لم يجده كوشنر في أبوظبي ولا في الدوحة التي تفاجأت بزيارة "خصم سياسي" ناصبها العداء في ذروة الأزمة الخليجية - القطرية، لكنه كوشنر، الرجل الذي يعطي للبراغماتية أبعاداً أكثر اتساعا من المعنى التقليدي لها، ومعايير شركة كوشنر "من ناحية استثمارية" تتوافق مع مشاريع التحديث الاستثماري التي يقودها ولي العهد السعودي بنفسه.
وقد أسس كوشنر شركته الجديدة في نوفمبر العام الماضي - حسب تقارير في بلومبرغ ونيويورك تايمز- برأس مال ملياري دولار، جمعها من الشركاء والمساهمين، غير أن الالتزامات الجديدة على الشركة تتجاوز 3 مليارات دولار، ما يدفعه للبحث عن تمويلات جديدة لسد هذا العجز، وليس هناك أفضل من أصدقاء أثرياء في الشرق الأوسط، وطبعا جولة كوشنر للبحث عن تمويل وجدت إسنادا من عبقري العلاقات العامة الصديق الموثوق لديه بنيامين نتنياهو، رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق.
--
طيب..
ما معنى كل ذلك؟ والحديث كله عن رجل لديه شركة يبحث عن دعم تمويلي لها ببعض المليارات!
لكن، هذا الرجل الذي لديه شركة تبحث عن ممولين نافذين، أيضا لديه علاقات "وثيقة" مع صانعي قرار سياسي ونفوذ في مصارف وبنوك عالمية وإقليمية، ومؤسسات وبيوت مال تبحث عن قواعد استثمار جديدة، في إقليم قررت "معظم" قياداته السياسية أن قواعد اللعبة العالمية الجديدة بكل معطيات التغيرات العالمية تحتم وجود تحالفات تنمية وتعاون في مشاريع استثمارية مشتركة تخلق فرصا جديدة لكل الإقليم.
والأهم أن هذا الرجل الذي لديه شركة تبحث عن دعم تمويلي ببعض- فقط بعض- مليارات من الدولارات، لا يزال يحمل أجندة "سياسية" خاصة يؤمن بها، تجلت ذات سلطة كان يملكها في واشنطن، بما دعاه هو نفسه بصفقة القرن، صفقة كادت أن تكتمل لولا حسابات خاطئة وجسيمة، ومقاومة "ناعمة" وعنيدة من قبل المتضررين، وعلى رأسهم دولة صغيرة اسمها الأردن، كانت صفقة القرن ببساطة تعني نهاية وجود تلك الدولة الصغيرة والعنيدة.
كوشنر، عنيد أيضا، ولديه فريق و "حلفاء" أكثر عنادا، فريقه من اليمين الإسرائيلي بقيادة نتنياهو يبحث عن "مكانه تحت الشمس" من جديد، وحلفاؤه مثل ولي العهد السعودي لا يمانع بصياغة شرق متوسط جديد قائم على التعاون التنموي، لكن بشرط هيمنة سعودية كاملة على الجميع في الإقليم بلا استثناء!
نحن أمام إطلالة سياسية ضخمة ومستجدة، مغلفة بغطاء استثماري ضخم، إطلالة لديها كل أدوات السيطرة المالية والمخابراتية ولعبة التسريبات الفضائحية بتشابكات معقدة ليست إلا رأس جبل الجليد في شرق المتوسط قيد التشكل.
هل أقصد الملك عبدالله الثاني وقصة التسريبات الأخيرة حول حساباته المالية في بنك "سويسري"، يفترض انه بالغ السرية في حسابات عملائه؟
نعم..ولنفكر بهدوء، لكن قبل ذلك، ليس مقصدي مطلقا الدفاع عن الملك الأردني، فالتسريبات - على خطورة كيفية تسريبها- طرحت أسئلة كثيرة ومشروعة يمكن للملك وطاقم ديوانه الإجابة عليها، وقد سمعت الإجابات - وقرأتها- وهي بعيدة هنا عن مقصدي في طرح موضوع أكثر عمقا بأبعاده من حسابات مالية ببعض ملايين يمكن بسهولة تبريرها.
سويسرا المعروفة بمصارفها ذات الحسابات السرية وهي أحد أركان الاقتصاد السويسري، لديها ذلك البنك المعروف بصرامة سريته التاريخية، لكن الجدول الذي أورد في فئة الشرق الأوسط تسريبات حسابات عملاء من هناك، كان اغلبهم موتى!! وتم التركيز على الملك الأردني ومدير مخابراته الأسبق "والمتوفي!" ورئيس وزراء أسبق هو أحد المقربين على صعيد شخصي من الملك نفسه، والمفارقة أن مجموع المبالغ كلها لا تصل إلى الأرقام التي لدى "كوشنر وشركائه".
كما أورد ديوان الملك الأردني، فالحسابات هي مبالغ "مثبتة بالوثائق لديه كما يقول" لطائرات ملكية منها ما ورثه الملك عن أبيه - والذي كان ينفق أيضا من منح خليجية له- أو طائرة مهداة للملك وباعها - بسبب ضخامة حجمها- ليشتري طائرة أصغر حجما وفرق السعر تحول للبنك السويسري، والديوان استطرد في تبريره أن تلك الأموال ينفق منها الملك - كحساب شخصي- على مبادرات يدعمها الملك، وعلى إدارته "الشخصية والعائلية" للمقدسات في القدس!!
تلك المقدسات التي ينفق عليها الملك " وهو بالضرورة سينفق عليها" هي جزء من وصاية هاشمية كانت أكبر حجر عثرة في مخطط صفقة القرن، وهي أيضا حاجز "تاريخي" يقف أمام طموحات التوسع الإقليمي الجديد الذي يتطلب قلب كل معادلات واقع القضية الفلسطينية.
شركة كوشنر هي أكثر من شركة استثمارية عادية، وحسب تقارير صحفية أهمها ما أوردته "بيزنس إنسايدر" في تقرير لها نشرته قبل أسبوع ( تجده عزيزي القارئ بالضغط على الرابط)، فإن كوشنر الذي أسس في مايو الماضي مؤسسة "اتفاقيات أبراهام للسلام" يعمل على حلمه بتعاون مبني على "صفقة القرن" السياسية باندماجه في قواعد اللعبة الجديدة للإقليم، فما لم يستطع تحقيقه بالنفوذ السياسي من خلال نفوذه السابق والكبير في البيت الأبيض، يمكن له أن يحققه كأجندة سياسية أكثر قوة عبر التعاون التنموي ومع شركاء يتفقون معه أو تتقاطع مصالحهم مع مصالحه، وبمساعدة سياسي ذكي يشعر بالجرح العميق وقد أزيح عن السلطة بتواطؤ أردني كما يروج نتنياهو لمقربيه.
مرة أخرى "وأخيرة"، لست بصدد الدفاع عن حسابات الملك الأردني المصرفية المتسربة من مصرف "تخلى فجأة عن صرامة السرية"، ويدعي أن الحسابات تعرضت لقرصنة!! ويرفض - حسب مصادر رسمية عربية تواصلت مع إدارة المصرف نفسه- أن يزودها بورقة يقر فيها أنه تعرض للقرصنة، فالملك وطاقمه لديهم إدارة كاملة قد تستطيع وضع أجوبة مقنعة، وقد لا تستطيع، فنحن هنا أمام حرب بين من يملك أموالا بالملايين، أمام من يملك حفنة مليارات قادرة على رسم الخرائط الجديدة للإقليم، وقادرة على خلق أدوات التنفيذ "السياسي" والذي يتطلب خلق الفوضى والدمار لإعادة البناء حسب الطلب!
لكن هي أسئلة، تعثرت بها واستوقفتني - ولا أزال أقف عندها- عن المسكوت عنه في عمق ما تم فضحه.

