Israeli Prime Minister Benjamin Netanyahu, left, and White House adviser Jared Kushner make joint statements to the press about…
المستشار السابق لدى البيت الأبيض، جارد كوشنر، صحبة رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق، نتنياهو، عقب التوقيع على "صفقة القرن"

غلف الخطيئة بغطاء من الذهب، تتكسر رماح العدالة عليها.

هكذا قال شكسبير في حكمة أوردها في مسرحيته "هنري الرابع"، وهي مقولة غاية في الحكمة تجد لنفسها مكانا كلما قرأت أكثر في خفايا أخبار وتفاصيل شرق المتوسط، الذي يحاول إعادة صياغة وتشكيل نفسه على أسس ومعايير جديدة مختلفة عن صيغة الشرق الأوسط القديم، منتهي الصلاحية في عالم تغيرت كل قواعد اللعبة فيه.

آخر وجه مميز وفاضح الشبهات، كان في المنطقة وحاول أن يغيرها بأكملها لتكون متسقة تماما مع خرائطه الشخصية "الساذجة" كان جاريد كوشنر، صهر الرئيس "الأعجوبة" في تاريخ الولايات المتحدة دونالد ترمب.

غادرت إدارة ترمب، واختلفت كل سياسات واشنطن التي قضت عامها الأول منشغلة بتفكيك الإرث الترمبي الصعب، في ملفات عديدة، أهمها كان ملف الشرق الأوسط - شرق المتوسط.

كوشنر، ذو الوجه الشاحب جدا والملامح الباردة حد التجمد، غادر مع الإدارة لكنه لم يغادر شرق المتوسط قيد التشكل، ليكون حاضرا في جولة خليجية حمل معها أفكاره الجديدة التي تتسق هذه المرة مع مفهوم التنمية الاقتصادية الذي سيكون أحد عناوين المنطقة من جديد، أفكار كوشنر "التجارية" هي غطاء الذهب الذي يغلف كل نواياه الخاطئة نحو الإقليم.

كوشنر، مسلحا بأربع سنوات ثرية بالعلاقات الحساسة، وحصيلة من المعلومات والتواصل مع شخصيات نافذة بين واشنطن وعواصم شرق المتوسط، يتجول تحديدا في ثلاث عواصم بحثا عن شراكة "تجارية" لتمويل مؤسسته "المالية الإستثمارية"، ومتخما بروح الانتقام الشخصي من إدارة "بايدن" وكل خصوم سياسات إدارة ترمب، يبحث عن موطىء قدم مالي ضخم في إقليم يبحث عن مفاتيح دخول "عولمة جديدة" عبر مشاريع تنموية ضخمة.

جولة كوشنر وجدت ترحيبا في السعودية، تحديدا مع صندوق الاستثمارات السعودي البالغة قيمته 500 مليار دولار، ويرأسه الأمير محمد بن سلمان نفسه، كوشنر يبحث عن تمويل ودعم شركته العملاقة (Affinity partners) - وترجمتها المدهشة تعني : شركاء التقارب!، والأخبار الواردة من السعودية لم توضح أي تفاصيل بشأن قرار ولي العهد السعودي النهائي، وهناك مؤشرات على احتمالية الموافقة،  إذ أجرى كوشنر  جولةً داخل شركة أرامكو السعودية بصحبة كبار مسؤوليها، وتلك ميزة تفضيل هائلة في المعايير السعودية، وهذا التفضيل المتميز لم يجده كوشنر في أبوظبي ولا في الدوحة التي تفاجأت بزيارة "خصم سياسي" ناصبها العداء في ذروة الأزمة الخليجية - القطرية، لكنه كوشنر، الرجل الذي يعطي للبراغماتية أبعاداً أكثر اتساعا من المعنى التقليدي لها، ومعايير شركة كوشنر "من ناحية استثمارية" تتوافق مع مشاريع التحديث الاستثماري التي يقودها ولي العهد السعودي بنفسه.

وقد أسس كوشنر شركته الجديدة في نوفمبر العام الماضي - حسب تقارير في بلومبرغ ونيويورك تايمز-  برأس مال ملياري دولار، جمعها من الشركاء والمساهمين، غير أن الالتزامات الجديدة على الشركة تتجاوز 3 مليارات دولار، ما يدفعه للبحث عن تمويلات جديدة لسد هذا العجز، وليس هناك أفضل من أصدقاء أثرياء في الشرق الأوسط، وطبعا جولة كوشنر للبحث عن تمويل وجدت إسنادا من عبقري العلاقات العامة الصديق الموثوق لديه بنيامين نتنياهو، رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق.

--

طيب..

ما معنى كل ذلك؟ والحديث كله عن رجل لديه شركة يبحث عن دعم تمويلي لها ببعض المليارات!

لكن، هذا الرجل الذي لديه شركة تبحث عن ممولين نافذين، أيضا لديه علاقات "وثيقة" مع صانعي قرار سياسي ونفوذ في مصارف وبنوك عالمية وإقليمية، ومؤسسات وبيوت مال تبحث عن قواعد استثمار جديدة، في إقليم قررت "معظم" قياداته السياسية أن قواعد اللعبة العالمية الجديدة بكل معطيات التغيرات العالمية تحتم وجود تحالفات تنمية وتعاون في مشاريع استثمارية مشتركة تخلق فرصا جديدة لكل الإقليم.

 والأهم أن هذا الرجل الذي لديه شركة تبحث عن دعم تمويلي ببعض- فقط بعض- مليارات من الدولارات، لا يزال يحمل أجندة "سياسية" خاصة يؤمن بها، تجلت ذات سلطة كان يملكها في واشنطن، بما دعاه هو نفسه بصفقة القرن، صفقة كادت أن تكتمل لولا حسابات خاطئة وجسيمة، ومقاومة "ناعمة" وعنيدة من قبل المتضررين، وعلى رأسهم دولة صغيرة اسمها الأردن، كانت صفقة القرن ببساطة تعني نهاية وجود تلك الدولة الصغيرة والعنيدة.

كوشنر، عنيد أيضا، ولديه فريق و "حلفاء" أكثر عنادا، فريقه من اليمين الإسرائيلي بقيادة نتنياهو يبحث عن "مكانه تحت الشمس" من جديد، وحلفاؤه مثل ولي العهد السعودي لا يمانع بصياغة شرق متوسط جديد قائم على التعاون التنموي، لكن بشرط هيمنة سعودية كاملة على الجميع في الإقليم بلا استثناء!

نحن أمام إطلالة سياسية ضخمة ومستجدة، مغلفة بغطاء استثماري ضخم، إطلالة لديها كل أدوات السيطرة المالية والمخابراتية ولعبة التسريبات الفضائحية بتشابكات معقدة ليست إلا رأس جبل الجليد في شرق المتوسط قيد التشكل.

هل أقصد الملك عبدالله الثاني وقصة التسريبات الأخيرة حول حساباته المالية في بنك "سويسري"، يفترض انه بالغ السرية في حسابات عملائه؟

نعم..ولنفكر بهدوء، لكن قبل ذلك، ليس مقصدي مطلقا الدفاع عن الملك الأردني، فالتسريبات - على خطورة كيفية تسريبها- طرحت أسئلة كثيرة ومشروعة يمكن للملك وطاقم ديوانه الإجابة عليها، وقد سمعت الإجابات - وقرأتها- وهي بعيدة هنا عن مقصدي في طرح موضوع أكثر عمقا بأبعاده من حسابات مالية ببعض ملايين يمكن بسهولة تبريرها.

سويسرا المعروفة بمصارفها ذات الحسابات السرية وهي أحد أركان الاقتصاد السويسري، لديها ذلك البنك المعروف بصرامة سريته التاريخية، لكن الجدول الذي أورد في فئة الشرق الأوسط تسريبات حسابات عملاء من هناك، كان اغلبهم موتى!! وتم التركيز على الملك الأردني ومدير مخابراته الأسبق "والمتوفي!" ورئيس وزراء أسبق هو أحد المقربين على صعيد شخصي من الملك نفسه، والمفارقة أن مجموع المبالغ كلها لا تصل إلى الأرقام التي لدى "كوشنر وشركائه".

كما أورد ديوان الملك الأردني، فالحسابات هي مبالغ "مثبتة بالوثائق لديه كما يقول" لطائرات ملكية منها ما ورثه الملك عن أبيه - والذي كان ينفق أيضا من منح خليجية له-  أو طائرة مهداة للملك وباعها - بسبب ضخامة حجمها- ليشتري طائرة أصغر حجما وفرق السعر تحول للبنك السويسري، والديوان استطرد في تبريره أن تلك الأموال ينفق منها الملك - كحساب شخصي- على مبادرات يدعمها الملك، وعلى إدارته "الشخصية والعائلية" للمقدسات في القدس!!

تلك المقدسات التي ينفق عليها الملك " وهو بالضرورة سينفق عليها" هي جزء من وصاية هاشمية كانت أكبر حجر عثرة في مخطط صفقة القرن، وهي أيضا حاجز "تاريخي" يقف أمام طموحات التوسع الإقليمي الجديد الذي يتطلب قلب كل معادلات واقع القضية الفلسطينية.

شركة كوشنر هي أكثر من شركة استثمارية عادية، وحسب تقارير صحفية أهمها ما أوردته "بيزنس إنسايدر" في تقرير لها نشرته قبل أسبوع ( تجده عزيزي القارئ  بالضغط على الرابط)، فإن كوشنر الذي أسس في مايو الماضي مؤسسة "اتفاقيات أبراهام للسلام" يعمل على حلمه بتعاون مبني على "صفقة القرن" السياسية باندماجه في قواعد اللعبة الجديدة للإقليم، فما لم يستطع تحقيقه بالنفوذ السياسي من خلال نفوذه السابق والكبير في البيت الأبيض، يمكن له أن يحققه كأجندة سياسية أكثر قوة عبر التعاون التنموي ومع شركاء يتفقون معه أو تتقاطع مصالحهم مع مصالحه، وبمساعدة سياسي ذكي يشعر بالجرح العميق وقد أزيح عن السلطة بتواطؤ أردني كما يروج نتنياهو لمقربيه.

مرة أخرى "وأخيرة"، لست بصدد الدفاع عن حسابات الملك الأردني المصرفية المتسربة من مصرف "تخلى فجأة عن صرامة السرية"، ويدعي أن الحسابات تعرضت لقرصنة!! ويرفض - حسب مصادر رسمية عربية تواصلت مع إدارة المصرف نفسه- أن يزودها بورقة يقر فيها أنه تعرض للقرصنة، فالملك وطاقمه لديهم إدارة كاملة قد تستطيع وضع أجوبة مقنعة، وقد لا تستطيع، فنحن هنا أمام حرب بين من يملك أموالا بالملايين، أمام من يملك حفنة مليارات قادرة على رسم الخرائط الجديدة للإقليم، وقادرة على خلق أدوات التنفيذ "السياسي" والذي يتطلب خلق الفوضى والدمار لإعادة البناء حسب الطلب!

لكن هي أسئلة، تعثرت بها واستوقفتني - ولا أزال أقف عندها- عن المسكوت عنه في عمق ما تم فضحه.

معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية
معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية

السائد تقليدياً، التعامل مع الفقر كموضوع للإحسان من منظار ديني. لأن الدين يعتبر جزءا مهما من تكوين الهويات الجماعية، فهو يمنح قاعدة للتضامن الاجتماعي والحشد السياسي. لكن الفقر أصبح موضوعا سوسيولوجيا للدراسة في مطلع القرن الماضي. ويعتبر الفقر الآن أحد اشكال العنف التي يتعرض لها الانسان.

تاريخياً الفقراء هم البشر غير المرئيين، شخوص خرساء، إنهم الذين "لا صوت لهم" إلا كآثار عابرة تركوها عنهم من لا يعانون الفقر. التاريخ لم يعرف للفقراء حضورا أو صوتا. فالتاريخ لم يكن ينقل لنا سوى سِير وحكايات الملوك والأمراء والحكام وأبطال المعارك العسكرية، سواء في لهوهم او في عنفهم. لم يُذكر الفقراء إلا في معرض الشفقة وطلب الإحسان.

انتظر الفقراء بتواضع على عتبة التاريخ حتى مطالع القرن الماضي، قبل أن يتم التعرف عليهم، لكن بشروط.

لكن ما هو الفقر؟

في الفرنسية نسقط في الفقر كما في حفرة ونهوي في ظلمات العوز. في العربية أيضاً، فَقَرَ حفرة أي حفرها، فقُر الرجل: أي كسر فقار ظهره. فقر الخرز أي ثقبه. وفي الحالين نجد معنى السقوط والتدهور والانحلال وانكسار الظهر. وغالباً ما يكون الفقر مسؤولية صاحبه أو قدره. يصبح عندها كعاهة لا يمكن الاعتراض على وجودها!

وهذا ما يتوجب معالجته، إبطال فكرة الاستسلام أمام حالة الفقر. إنها مسؤولية الدولة وسياساتها والمجتمع والحروب والمجاعات والكوارث الطبيعية والأزمات الاقتصادية المنتجة الأساسية له.

حالة الفقر وضعية يخضع لها الفقير. تظل آنية أو تصبح دائمة. حالة ضعف وتبعية وتواضع، تتسم بالحرمان من الموارد وحرمان من المال والسلطة والنفوذ والعلم وشرف المحتد، أو من القوة الجسدية أو القدرات العقلية أوالحرية. وذلك بحسب الحقب والمجتمعات. الفقر مهين للكرامة الشخصية ويضم كل المستبعدين من المجتمع السوي.

تغيرت في القرن الحادي والعشرين معايير قياس الفقر عموماً، وبحسب تقرير التنمية البشرية لـ2019 حصل تقدم ملحوظ في الحد من أشكال الحرمان الشديد، فقد أفلت من براثن الجوع والمرض والفقر في أنحاء العالم عدد غير مسبوق من الناس الذين قفزوا فوق الحد الأدنى لمعيشة الكفاف.

لكن جائحة كوفيد، والحرب الدائرة في أوكرانيا، والعنف المستمر في العالم وفي العالم العربي، والزلزال في تركيا وسوريا مؤخراً، تسببت بإفقار الكثير من الدول العربية ومن دول العالم النامي.

منذ ما قبل هذه الأزمة كان عدم المساواة مستشرياً. فرغم التقارب النسبي في الإمكانات الأساسية لدى الكثير من الدول، أي غذاء وتعليم وصحة، لدينا تفاوت كبير علىى صعيد الإمكانات المعززة والنوعية التي تطال الحصول على الخدمات الصحية الجيدة أو خدمات التعليم الجيدة والحصول على التكنولوجيات، مما يوفر المناعة تجاه الصدمات الجديدة غير المعروفة.

في العالم العربي لا يزال الفقر المدقع من أعلى المستويات. انظر: "الفقر في العالم العربي.. أرقام صادمة"، الحرة 16 ديسمبر 2018.

تميز القرن العشرين بالنصوص العالمية المتعلقة بحماية حقوق الإنسان. من بينها الحق بتكوين أسرة والحق بحماية الحياة الأسرية. لكن هذا التطور لم يعبر عن نفسه على مستوى الواقع بشكل أتوماتيكي. ظلت الأسر الفقيرة منبوذة على هامش المجتمع ومعتبرة غير مؤهلة. لكن تطور النظرة إلى الحقوق الأساسية للإنسان أدّى الى ولادة اليوم العالمي للقضاء على الفقر في 17 أكتوبر 1987.

وقد أعلنوا أن الفقر يُشكل انتهاكا لحقوق الإنسان وأكدوا الحاجة إلى التضامن بغية كفالة احترام تلك الحقوق. 

لا يمكن الحديث عن الكرامة الانسانية في ظل الحروب والعنف العسكري والاجتماعي. 

الحديث عن كرامة في غياب المساواة ضرب من الخيال. والثقافة التقليدية تساهم في جعل اللامساواة مبررة ومقبولة واعتبارها أقرب إلى الصفات الوراثية.

ومع أن هناك إجماع على الاعتراف بحقوق المرأة، وبالمساواة بينها وبين الرجل، في أكثرية دساتير البلدان العربية. غير أن مجرد وجود ضمانات دستورية تكفل حق المرأة ولا يتجسد بالضرورة واقعا تحقق فيه المرأة كامل حقوقها المدنية والقانونية والسياسية.

تتسم أوضاع النساء العربيات عموماً بالهشاشة، خصوصاً في البلدان التي تعاني من سوء التنمية او الحروب؛ مما يزيد عدد الأرامل، وبالتالي الأسر التي تديرها المرأة بمفردها. وهذا أحد أهم مسببات الفقر المستدام، لأنهن عندما يدخلن دائرة الفقر فهن معرضات للبقاء فيها. 

من هنا بروز مفهوم تأنيث الفقر، وتصفه اليونيفيم (UNIFEM)  بأنه "عبء الفقر الذي تتحمله المرأة، خاصة في الدول النامية"، فتعاني من مستوى معيشي منخفض لا يكفي لتغطية الاحتياجات المادية والمعنوية مما يؤثر سلبا على الاحترام الذاتي للفرد أو للمجموعة.

 وهو ليس نتيجة لضعف الدخل فقط، بل أيضا نتيجة للحرمان من الإمكانيات والتحيزات الجنسانية الموجودة في كل من المجتمعات والحكومات. وهذا يشمل فقر الخيارات والفرص، مثل التمكن من عيش حياة طويلة وصحية وخلاقة، والتمتع بالحقوق الأساسية وبالحرية والاحترام والكرامة.

ويرتبط هذا المفهوم بمستوى المعيشة العام داخل المجتمع، كما يرتبط بكيفية توزيع الثروة ومكانة الفرد في مجتمعه، وبتوقعاته الاجتماعية والاقتصادية.

ونتائج الفجوات بين الجنسين في التوظيف، وأنشطة الأعمال، والحصول على التمويل، لا تكبل الأفراد فقط بل الاقتصاد برمته. ما يؤخر نمو وتقدم المجتمع. 

لذا هناك اهتمام كبير الآن بتعزيز روح التضامن العالمي، بالتركيز على حاجات الفئات الأضعف والأشد فقرا. كما  يجب الاعتراف وتشجيع الدور الذي يضطلع به القطاع الخاص المتنوع، ابتداء من المؤسسات المتناهية الصغر ومرورا بالتعاونيات وانتهاء بالشركات الكبرى؛ إضافة الى الدور الذي تضطلع به منظمات المجتمع المدني والمنظمات الخيرية في تنفيذ الأعمال المطلوبة.

للعمل الخيري القدرة على رفع آثار الأضرار المترتبة عن الأزمات الإنسانية، كما أن له القدرة على دعم الخدمات العامة في مجالات الرعاية الطبية والتعليم والإسكان وحماية الأطفال. والعمل الخيري فاعل جدا في تحسين الثقافة والعلوم والرياضة وحماية الموروثات الثقافية، فضلا عن تعزيزه لحقوق المهمشين والمحرومين ونشر الرسالة الإنسانية في حالات الصراع.

من المعلوم أن المجتمع المدني أقوى من الدولة في التجربة اللبنانية، فلقد اضطلع دائما بالجوانب التي تقصر بها الدولة، وبرز دوره خصوصاً في السنوات الأخيرة. فمنذ جريمة انفجار المرفأ في 4 آب عام 2020، تكفل المجتمع المدني والجمعيات الخيرية الاضطلاع بمسؤولية كافة المهام التي خلفها الانفجار، وقام مقام الدولة في ظل غيابها التام. فمن إسعاف المرضى إلى رفع الأنقاض والترميم إلى تدبير مساكن ومساعدات عينية لمن فقدوا منازلهم وهم بالآلاف. كل ذلك تكفلت به الجمعيات الخيرية والجمعيات المدنية. 

لكن، إذا كان العمل الخيري ضروري ويقوم بخدمات جليلة للمجتمع وللأفراد، ينبغي الحذر من أن يخلق مشكلة الاتكالية عند تلقي المساعدات بشكل دائم. فيتحول الفرد إلى كسول مفتقد لروح العمل يعتاش على الصدقات ومشاريع الإغاثة، فيتجذر الفقر. ونكون بهذا نتسبب بالضرر للمجتمع عندما نحول أفراده الضعفاء إلى معتاشين دائمين.

من هنا أهمية وضع برامج تهتم، إلى جانب المساعدة، بتوعية المستفيدين مع التدريب على برامج تنموية وإكساب معارف وتقنيات تساهم في تمكينهم  كي يستقلوا ويصبح باستطاعتهم تلبية حاجاتهم وحاجات أسرهم.

مشكلتنا ليست في الفقر فقط، فهو يوجد في أغنى الدول وأكثرها ترفا، ولكن في عدم قدرتنا على اجتثاث مسبباته والأخذ بيد الفقراء حتى يعتمدوا على أنفسهم، بل أيضاً في تفعيل عمل المؤسسات الرسمية والوزارات والقدرة على مواجهة الأزمات وتحويلها إلى فرص.

**ألقيت هذه الكلمة في جلسة افتتاح "القمة العالمية للمرأة"، التي أقيمت في أبوظبي بين 21-22 فبراير 2023، برعاية سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك، وشاركت فيه سيدات فاعلات من مختلف أنحاء العالم.

هذه الورقة ستكون آخر مساهمة لي في صفحة "من زاوية أخرى"، التي رافقت همومنا وتطلعاتنا، لأن الموقع قرر إغلاق هذه الصفحة، من ضمن الاتجاه العام في التحول من الصحافة الورقية المكتوبة إلى الرقمية، ثم إلى – البصرية.

وسوف نفتقد بحسرة هذه المساحة الحرة التي ضمت نخبة من الاقلام العربية التي كتبت فيها بحرية تامة (مفتقدة في معظم الإعلام العربي، إذا لم يكن كله) ومن دون قيود أو رقابة من أي نوع، وحتى في نقد سياسات مرجعيات الحرة نفسها؛ شرط احترام الدقة والموضوعية والاستناد إلى مصادر موثوقة. والأسف على إغلاقها يعود لحاجتنا الماسة لهذه الأقلام الحرة في هذه اللحظات المصيرية التي تواجهها المجتمعات العربية.

لكن ما باليد حيلة، فالسياسات والحاجات، مهما كان مصدرها، لا تتماشى بالضرورة مع مصالح الشعوب. فوداعاً.