تفجير انتحاري - النجف - العراق
"يستحق اللادينيون العرب كل أشكال التضامن"

خصّص بعض اللادينيين العرب يوم 22  فبراير من عام 2022 بداية حملة للاعتراف بوجودهم تحت عنوان "نحن هنا"، ويتضمّن مصطلح اللادينيين من يعتقد أن تطبيق الكثير من الأحكام والتشريعات الدينية لم يعد مقبولا في عالم اليوم.

كما يتضمن من يرى أن الدين صناعة بشرية ليس له قداسة، مع العلم أن نسبة كبيرة من اللادينيين تؤمن بوجود الله، وفي المقابل لا يتعب الإسلاميون أنفسهم في مثل هذه التصنيفات، لأنهم يعتبرون جميع اللادينيين والملحدين وكل من يعترض على الفهم التقليدي للدين من المتنوّرين والتجديديين والقرآنيين "كفّارا". 

ولا يكتفي الإسلاميون بمحاربة هؤلاء "الكفار" أثناء حياتهم بل يلاحقونهم حتى بعد موتهم، وكان من الممكن مشاهدة ذلك عند وفاة المفكر والكاتب الكبير، سيد القمني، والذي تظاهر في شماتة وتشفّي الإسلاميين في موته، وفي عدم نعيه من قبل أي جهة رسمية مصرية رغم آنه حائز على جائزة الدولة التقديرية في العلوم الاجتماعية عام 2009، كما انعكس ذلك في جنازته المتواضعة وفي العدد المحدود الذي حضر مراسيم العزاء به، مع أن تاريخ البشرية كلّه هو تاريخ الأشخاص المتمردين على ثقافة ومفاهيم مجتمعاتهم مثل سيد القمني. 

بل حتى الأنبياء ليسوا في حقيقتهم سوى ثوّاراً رافضين للأفكار التي وجدوا عليها آباءهم، لذلك سيبقى فكر سيد القمني وستبقى التساؤلات التي أثارتها كتبه وأبحاثه بينما ستختفي ذكرى من يهاجمونه اليوم.

وتأكيدا على ذلك فإن الجميع يعرف اسم مفتي الديار المصرية المجدّد والتنويري، محمد عبده، رغم مرور أكثر من قرن على وفاته بينما لا يعرف أحد اسم المفتي الذي سبقه أو الذي لحقه، لأنهم كانوا مجرّد اتّباعيين يرددون بدون تفكير "ما هو معروف في الدين بالضرورة!". 

وقد قيل وكتب الكثير حول تصرفات الإسلاميين هذه، ولكن هناك نواحٍ أخرى لم يتعرض لها أحدٍ وعلى ما يبدو أن اللادينيين العرب لم يجرؤوا حتى على التفكير فيها وهي حق الإنسان بعد وفاته في اختيار طقوس العزاء وطريقة الدفن التي يراها مناسبة، لأنه في الدول العربية لا توجد سوى طقوس دينية للجنازات، وهي في أغلبيتها المطلقة إسلامية، مع وجود طقوس جنائزية خاصة عند أتباع الديانات والطوائف المعترف بوجودها رسميا.  

وعند وفاة أي شخص ولد مسلما حتى لو كان لا دينيا أو لم يمارس أي طقس إسلامي طوال حياته لا يوجد أمامه من خيار سوى أن تحمله في رحلته الأخيرة إلى المقبرة عربة دفن الموتى الإسلامية المزودة بمكبّر صوت يردد عبره موظف حكومي يرتدي زيّا دينيا إسلاميا مقاطع صغيرة من آيات قرآنية تتحدث عن الموت تتخللها دعوات بطلب المغفرة للميت وقراءة الفاتحة على روحه.

ثم يؤخذ الجثمان إلى المسجد للصلاة عليه وبعدها يتابع إلى المقبرة التي يتواجد فيها أيضا رجال دين محترفون تشكّل الجنازات بالنسبة لهم عملهم ومصدر رزقهم، ويتقاسم رجال الدين هؤلاء الأحياء والقرى والمقابر بحيث يعرفهم جميع السكان، لأنهم يرونهم في كل وفاة وهم يردّدون نفس المقاطع والجمل بشكل آلي دون تأثّر أو تعاطف، وربما هؤلاء تحديدا هم من قصدهم سيد القمني عندما طلب من ابنته ألا تسمح لمن اتخذوا من الدين مهنة أن يقرؤوا فوق رأسه شيئا. 

وعلى ما يبدو أن اللادينيين العرب لم يعرفوا حتى الآن أنه في أغلب دول العالم بإمكان الشخص عند شعوره بدنو أجله اختيار طقوس وفاة تتناسب مع قناعاته ومع ما يؤمن به.

ففي الولايات المتحدة التي أعيش فيها هناك سيارات دفن موتى لا تحتوي على أي إشارة ذات مدلول ديني، وتتكوّن بشكل عام من عدد من السيارات السوداء العالية تحمل جثمان المتوفي والمقربين منه وتسير ببطء نحو المقبرة، ومن الممكن إذا أراد المتوفي ألا يصلّى عليه في أي دار عبادة، وبما أنه لا توجد طقوس وفاة خاصة باللادينيين فالقاعدة الأولى عند المؤسسات التي تنظم هذا النوع من الجنازات وما يرافقها من ترتيبات العزاء هي أنه بإمكان الشخص اختيار أي شيء يراه مناسبا، ومنها مثلا أن تكون الطقوس عبارة عن احتفال بحياة المتوفي وما حّققه خلالها. 

فبعض المتوفين الذين قضوا حياة مليئة بالمتعة قد يطلبون أن تعكس جنازتهم طريقتهم في الحياة، وقد يفضل بعضهم أن تعزف خلال جنازتهم موسيقى أحبوها خلال حياتهم حتى لو كانت صاخبة وبعيدة عن الموسيقى الكلاسيكية المألوفة في المناسبات الحزينة.

كما قد يتضمن العزاء عند البعض الآخر تلاوة أحاديث وطرائف من حياة الشخص المتوفى أو قراءة مقاطع من روايات أو أشعار أحبّها، مع أن الحزن هو السائد في أغلب طقوس الجنازات عند المتدينين وعند غير المتدينين ويتصرف الجميع باحترام أمام حرمة الموت، وغالبا لا تختلف ملابس المشاركين في جنازة اللادينيين عن أمثالهم المشاركين في الجنازات الدينية، سوى أن طقوس جنازات اللادينيين تكون مختلفة فيما بينها لأنها فردية إلى حد كبير. 

وفي البلاد العربية يتم دفن كل من ولد مسلما على الطريقة الاسلامية، حيث يلفّ جثمان المتوفّي بكفن قماشي أبيض اللون غالبا ويوضع هذا الجثمان كما هو على أحجار أو قوالب من الإسمنت ترصف داخل القبر، ثم يهال التراب مباشرة عليه، بينما في أغلب دول العالم بإمكان أي شخص اختيار أي طريقة دفن يريدها.

وهناك طريقتان رئيسيتان هما الأكثر شيوعا، الطريقة الأولى هي طريقة الدفن المسيحية التقليدية والتي يتّبعها كثير من اللادينيين، حيث يوضع الجثمان في تابوت خشبي منجّد من الداخل ويتم إلباسه أفضل ما عنده من ثياب ويعتنى بملامحه الخارجية حتى يبدو في وضع مقبول عند إلقاء نظرة الوداع الاخيرة عليه ثم يدفن التابوت كاملا في المقبرة. 

أما الطريقة الثانية فهي حرق جثة المتوفى في أفران خاصة بناءً على طلبه، وقد يعقب هذا الحرق نثر رماد المتوفي على نهر أو بحر أو حقل ليعود إلى الطبيعة التي أتى منها، أو قد يحتفظ أحد أفراد عائلته بالرماد كذكرى للمتوفي، وعملية الحرق هذه واسعة الانتشار وازدادت مؤخّرا بشكل كبير عند اللادينيين وعند كثير من المسيحيين لأسباب تتعلّق بالبيئة، حتى أن تقارير عام 2017 تحدثت أن عدد من اختاروا الحرق في أميركا الشمالية تجاوزوا لأول مرة عدد من اختاروا الدفن التقليدي. 

وفي حين قد يرى بعض اللادينيين في طريقة الدفن الإسلامية ملامح بدائية فإن الإسلاميين يهدّدون كل من يعترض على فهمهم للدين بالحرمان من طريقة الدفن هذه ويحاول بعضهم منع المشكوك في إيمانهم من الدفن في المقابر الإسلامية، ولذلك تحدثت تقارير إعلامية غير مؤكدة أنه لم يكن من السهل إيجاد مقبرة لدفن سيد القمني رغم أنه لم يصرّح بأنه من اللادينيين، بل قال إنه يتبع فكر المعتزلة الذين كانت جريمتهم الكبرى أنهم قدّموا العقل على النقل.

وربما لا يعرف الكثير من العرب والمصريين خاصة أنه في خمسينيات القرن الماضي أنه كانت هناك مقابر مدنية في مصر مخصصة لللادينيين ولمن ينتمون إلى ديانات غير معترف فيها رسميا، وكان اسم هذه المقابر "جبّانات أحرار العقيدة"، ثم تراجع وجود هذه المقابر تدريجيا في الستينيات حتى اختفت. 

وفي النهاية يستحق اللادينيون العرب كل أشكال التضامن كما يستحق التضامن كل من يريد اعتناق دين آخر غير الذي ولد عليه، لأن روحه وجدت فيه طمأنينتها وخلاصها، وكذلك كل أصحاب الفكر الحر المختلف عن طرق التفكير السائدة.

وذلك لأنهم يعيشون في بلادهم حالة من الخوف إن كان على حياتهم أو على مستقبل أبنائهم من بعدهم، مما يجبرهم في كثير من الأحيان على اتباع أسلوب التقيّة وإخفاء الكثير من قناعاتهم، خصوصا بعد أن ازدادت حياتهم صعوبة خلال العقود الماضية نتيجة موجة التشدد التي غزت الكثير من المجتمعات الإسلامية بعكس بقية العالم الذي يعيش على أهم قاعدة قامت عليها الحضارة الحديثة وهي حرية الفكر والاعتقاد. 

معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية
معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية

السائد تقليدياً، التعامل مع الفقر كموضوع للإحسان من منظار ديني. لأن الدين يعتبر جزءا مهما من تكوين الهويات الجماعية، فهو يمنح قاعدة للتضامن الاجتماعي والحشد السياسي. لكن الفقر أصبح موضوعا سوسيولوجيا للدراسة في مطلع القرن الماضي. ويعتبر الفقر الآن أحد اشكال العنف التي يتعرض لها الانسان.

تاريخياً الفقراء هم البشر غير المرئيين، شخوص خرساء، إنهم الذين "لا صوت لهم" إلا كآثار عابرة تركوها عنهم من لا يعانون الفقر. التاريخ لم يعرف للفقراء حضورا أو صوتا. فالتاريخ لم يكن ينقل لنا سوى سِير وحكايات الملوك والأمراء والحكام وأبطال المعارك العسكرية، سواء في لهوهم او في عنفهم. لم يُذكر الفقراء إلا في معرض الشفقة وطلب الإحسان.

انتظر الفقراء بتواضع على عتبة التاريخ حتى مطالع القرن الماضي، قبل أن يتم التعرف عليهم، لكن بشروط.

لكن ما هو الفقر؟

في الفرنسية نسقط في الفقر كما في حفرة ونهوي في ظلمات العوز. في العربية أيضاً، فَقَرَ حفرة أي حفرها، فقُر الرجل: أي كسر فقار ظهره. فقر الخرز أي ثقبه. وفي الحالين نجد معنى السقوط والتدهور والانحلال وانكسار الظهر. وغالباً ما يكون الفقر مسؤولية صاحبه أو قدره. يصبح عندها كعاهة لا يمكن الاعتراض على وجودها!

وهذا ما يتوجب معالجته، إبطال فكرة الاستسلام أمام حالة الفقر. إنها مسؤولية الدولة وسياساتها والمجتمع والحروب والمجاعات والكوارث الطبيعية والأزمات الاقتصادية المنتجة الأساسية له.

حالة الفقر وضعية يخضع لها الفقير. تظل آنية أو تصبح دائمة. حالة ضعف وتبعية وتواضع، تتسم بالحرمان من الموارد وحرمان من المال والسلطة والنفوذ والعلم وشرف المحتد، أو من القوة الجسدية أو القدرات العقلية أوالحرية. وذلك بحسب الحقب والمجتمعات. الفقر مهين للكرامة الشخصية ويضم كل المستبعدين من المجتمع السوي.

تغيرت في القرن الحادي والعشرين معايير قياس الفقر عموماً، وبحسب تقرير التنمية البشرية لـ2019 حصل تقدم ملحوظ في الحد من أشكال الحرمان الشديد، فقد أفلت من براثن الجوع والمرض والفقر في أنحاء العالم عدد غير مسبوق من الناس الذين قفزوا فوق الحد الأدنى لمعيشة الكفاف.

لكن جائحة كوفيد، والحرب الدائرة في أوكرانيا، والعنف المستمر في العالم وفي العالم العربي، والزلزال في تركيا وسوريا مؤخراً، تسببت بإفقار الكثير من الدول العربية ومن دول العالم النامي.

منذ ما قبل هذه الأزمة كان عدم المساواة مستشرياً. فرغم التقارب النسبي في الإمكانات الأساسية لدى الكثير من الدول، أي غذاء وتعليم وصحة، لدينا تفاوت كبير علىى صعيد الإمكانات المعززة والنوعية التي تطال الحصول على الخدمات الصحية الجيدة أو خدمات التعليم الجيدة والحصول على التكنولوجيات، مما يوفر المناعة تجاه الصدمات الجديدة غير المعروفة.

في العالم العربي لا يزال الفقر المدقع من أعلى المستويات. انظر: "الفقر في العالم العربي.. أرقام صادمة"، الحرة 16 ديسمبر 2018.

تميز القرن العشرين بالنصوص العالمية المتعلقة بحماية حقوق الإنسان. من بينها الحق بتكوين أسرة والحق بحماية الحياة الأسرية. لكن هذا التطور لم يعبر عن نفسه على مستوى الواقع بشكل أتوماتيكي. ظلت الأسر الفقيرة منبوذة على هامش المجتمع ومعتبرة غير مؤهلة. لكن تطور النظرة إلى الحقوق الأساسية للإنسان أدّى الى ولادة اليوم العالمي للقضاء على الفقر في 17 أكتوبر 1987.

وقد أعلنوا أن الفقر يُشكل انتهاكا لحقوق الإنسان وأكدوا الحاجة إلى التضامن بغية كفالة احترام تلك الحقوق. 

لا يمكن الحديث عن الكرامة الانسانية في ظل الحروب والعنف العسكري والاجتماعي. 

الحديث عن كرامة في غياب المساواة ضرب من الخيال. والثقافة التقليدية تساهم في جعل اللامساواة مبررة ومقبولة واعتبارها أقرب إلى الصفات الوراثية.

ومع أن هناك إجماع على الاعتراف بحقوق المرأة، وبالمساواة بينها وبين الرجل، في أكثرية دساتير البلدان العربية. غير أن مجرد وجود ضمانات دستورية تكفل حق المرأة ولا يتجسد بالضرورة واقعا تحقق فيه المرأة كامل حقوقها المدنية والقانونية والسياسية.

تتسم أوضاع النساء العربيات عموماً بالهشاشة، خصوصاً في البلدان التي تعاني من سوء التنمية او الحروب؛ مما يزيد عدد الأرامل، وبالتالي الأسر التي تديرها المرأة بمفردها. وهذا أحد أهم مسببات الفقر المستدام، لأنهن عندما يدخلن دائرة الفقر فهن معرضات للبقاء فيها. 

من هنا بروز مفهوم تأنيث الفقر، وتصفه اليونيفيم (UNIFEM)  بأنه "عبء الفقر الذي تتحمله المرأة، خاصة في الدول النامية"، فتعاني من مستوى معيشي منخفض لا يكفي لتغطية الاحتياجات المادية والمعنوية مما يؤثر سلبا على الاحترام الذاتي للفرد أو للمجموعة.

 وهو ليس نتيجة لضعف الدخل فقط، بل أيضا نتيجة للحرمان من الإمكانيات والتحيزات الجنسانية الموجودة في كل من المجتمعات والحكومات. وهذا يشمل فقر الخيارات والفرص، مثل التمكن من عيش حياة طويلة وصحية وخلاقة، والتمتع بالحقوق الأساسية وبالحرية والاحترام والكرامة.

ويرتبط هذا المفهوم بمستوى المعيشة العام داخل المجتمع، كما يرتبط بكيفية توزيع الثروة ومكانة الفرد في مجتمعه، وبتوقعاته الاجتماعية والاقتصادية.

ونتائج الفجوات بين الجنسين في التوظيف، وأنشطة الأعمال، والحصول على التمويل، لا تكبل الأفراد فقط بل الاقتصاد برمته. ما يؤخر نمو وتقدم المجتمع. 

لذا هناك اهتمام كبير الآن بتعزيز روح التضامن العالمي، بالتركيز على حاجات الفئات الأضعف والأشد فقرا. كما  يجب الاعتراف وتشجيع الدور الذي يضطلع به القطاع الخاص المتنوع، ابتداء من المؤسسات المتناهية الصغر ومرورا بالتعاونيات وانتهاء بالشركات الكبرى؛ إضافة الى الدور الذي تضطلع به منظمات المجتمع المدني والمنظمات الخيرية في تنفيذ الأعمال المطلوبة.

للعمل الخيري القدرة على رفع آثار الأضرار المترتبة عن الأزمات الإنسانية، كما أن له القدرة على دعم الخدمات العامة في مجالات الرعاية الطبية والتعليم والإسكان وحماية الأطفال. والعمل الخيري فاعل جدا في تحسين الثقافة والعلوم والرياضة وحماية الموروثات الثقافية، فضلا عن تعزيزه لحقوق المهمشين والمحرومين ونشر الرسالة الإنسانية في حالات الصراع.

من المعلوم أن المجتمع المدني أقوى من الدولة في التجربة اللبنانية، فلقد اضطلع دائما بالجوانب التي تقصر بها الدولة، وبرز دوره خصوصاً في السنوات الأخيرة. فمنذ جريمة انفجار المرفأ في 4 آب عام 2020، تكفل المجتمع المدني والجمعيات الخيرية الاضطلاع بمسؤولية كافة المهام التي خلفها الانفجار، وقام مقام الدولة في ظل غيابها التام. فمن إسعاف المرضى إلى رفع الأنقاض والترميم إلى تدبير مساكن ومساعدات عينية لمن فقدوا منازلهم وهم بالآلاف. كل ذلك تكفلت به الجمعيات الخيرية والجمعيات المدنية. 

لكن، إذا كان العمل الخيري ضروري ويقوم بخدمات جليلة للمجتمع وللأفراد، ينبغي الحذر من أن يخلق مشكلة الاتكالية عند تلقي المساعدات بشكل دائم. فيتحول الفرد إلى كسول مفتقد لروح العمل يعتاش على الصدقات ومشاريع الإغاثة، فيتجذر الفقر. ونكون بهذا نتسبب بالضرر للمجتمع عندما نحول أفراده الضعفاء إلى معتاشين دائمين.

من هنا أهمية وضع برامج تهتم، إلى جانب المساعدة، بتوعية المستفيدين مع التدريب على برامج تنموية وإكساب معارف وتقنيات تساهم في تمكينهم  كي يستقلوا ويصبح باستطاعتهم تلبية حاجاتهم وحاجات أسرهم.

مشكلتنا ليست في الفقر فقط، فهو يوجد في أغنى الدول وأكثرها ترفا، ولكن في عدم قدرتنا على اجتثاث مسبباته والأخذ بيد الفقراء حتى يعتمدوا على أنفسهم، بل أيضاً في تفعيل عمل المؤسسات الرسمية والوزارات والقدرة على مواجهة الأزمات وتحويلها إلى فرص.

**ألقيت هذه الكلمة في جلسة افتتاح "القمة العالمية للمرأة"، التي أقيمت في أبوظبي بين 21-22 فبراير 2023، برعاية سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك، وشاركت فيه سيدات فاعلات من مختلف أنحاء العالم.

هذه الورقة ستكون آخر مساهمة لي في صفحة "من زاوية أخرى"، التي رافقت همومنا وتطلعاتنا، لأن الموقع قرر إغلاق هذه الصفحة، من ضمن الاتجاه العام في التحول من الصحافة الورقية المكتوبة إلى الرقمية، ثم إلى – البصرية.

وسوف نفتقد بحسرة هذه المساحة الحرة التي ضمت نخبة من الاقلام العربية التي كتبت فيها بحرية تامة (مفتقدة في معظم الإعلام العربي، إذا لم يكن كله) ومن دون قيود أو رقابة من أي نوع، وحتى في نقد سياسات مرجعيات الحرة نفسها؛ شرط احترام الدقة والموضوعية والاستناد إلى مصادر موثوقة. والأسف على إغلاقها يعود لحاجتنا الماسة لهذه الأقلام الحرة في هذه اللحظات المصيرية التي تواجهها المجتمعات العربية.

لكن ما باليد حيلة، فالسياسات والحاجات، مهما كان مصدرها، لا تتماشى بالضرورة مع مصالح الشعوب. فوداعاً.