مظاهرات - السودان - الانقلابات العسكرية
"غير أن هناك سببا رئيسيا للانقلابات العسكرية يتم تجاهله من قبل الشموليين"

ظهر السودان الحالي إلى الوجود مع الغزو التركي في عام 1821، وفي عام 1885 اندلعت الثورة المهدية التي استطاعت إيقاع الهزيمة بالحكومة التركية وإقامة دولة وطنية حكمت البلاد لمدة 13 عاما قبل أن يُسقطها الاحتلال الإنكليزي عام 1898، حيث سيطر على البلاد حكم ثنائي (بريطاني- مصري) لأكثر من نصف قرن حتى نجح السودانيون في نيل استقلالهم الوطني عام 1956.

قامت أول إنتخابات برلمانية في البلاد عام 1953 واكتسحها الحزب الوطني الاتحادي الذي نال غالبية لم تتكرر في تاريخ الانتخابات السودانية، مما سمح له بتشكيل الحكومة منفردا في 6 يناير 1954، ولكن حكومته التي ترأسها الزعيم الراحل، إسماعيل الأزهري، أسقِطت في يوليو 1956، وتكونت على أثرها حكومة ائتلافية بين حزبي الأمة (الأنصار) والشعب الديمقراطي (الختمية) الذي انشق عن الوطني الاتحادي.

في 17 نوفمبر 1958، قام سكرتير عام حزب الأمة ورئيس الوزراء، عبد الله خليل، بتسليم السلطة لقائد الجيش الفريق إبراهيم عبود، لتدخل البلاد في دوامة الانقلابات العسكرية، حيث قام الحزب الشيوعي واليسار السوداني بانقلاب عسكري استولى على إثره العقيد جعفر النميري على الحكم في 25 مايو 1969، كما قامت الجبهة القومية الإسلامية (الإخوان المسلمين) بانقلاب عسكري بقيادة العميد عمر البشير في يونيو 1989.

سيطرت الانقلابات العسكرية المذكورة أعلاه على الحكم في البلاد لمدة 52 عاما من الحكم الوطني الذي بلغ 66 عاما منذ خروج المستعمر البريطاني، ومن ناحية أخرى، فقد شهد السودان، بخلاف هذه الانقلابات الثلاثة، وقوع العديد من الانقلابات العسكرية الأخرى التي لم يكتب لها النجاح والسيطرة على الحكم.

لا شك أن الأحزاب السياسية لعبت دوراً أساسياً في سيطرة العسكر على الحكم وذلك عبر تشكيل خلايا حزبية داخل الجيش من أجل الانقضاض على السلطة أو عن طريق استدعاء قيادة القوات المسلحة لاستلام مقاليد الحكم، مثلما فعل سكرتير حزب الأمة، عبد الله خليل، كما دأب بعض قادة الأحزاب على إصدار بيانات تتضمن مواقف مؤيدة للعسكر الذين يقومون بالاستيلاء على السلطة.

غير أن هناك سببا رئيسيا للانقلابات العسكرية يتم تجاهله من قبل الشموليين الذين يؤيدون استلام الجيش للسلطة ويرفضون الحكم الديمقراطي، وهو الرغبة الذاتية الأصيلة لدى ضباط المؤسسة العسكرية في الاستيلاء على الحكم بعيدا عن الدور الذي تلعبه الأحزاب في هذا الخصوص والذي أشرنا إليه أعلاه.

في شهادته التي أدلى بها أمام لجنة التحقيق في انقلاب 17 نوفمبر 1958، الذي قاده الفريق إبراهيم عبود، تحدث اللواء أحمد عبد الوهاب، عضو المجلس العسكري للانقلاب، عن سريان روح الانقلاب داخل القوات المسلحة منذ عام 1954، أي قبل أن يكون للأحزاب خلايا تعمل داخل الجيش.

وقبل أن يفكر عبد الله خليل في تسليم السلطة لقائد الجيش، قال عبد الوهاب :"الانقلاب عدوى تنتقل إلى الشباب من الضباط. وكنت في سنة 1954 حضرت من دارفور ووجدت روح الانقلاب والتفكير فيه عند الضباط الصغار والذين وُعدوا من جهات أخرى بسلاح وفلوس. فلم أوافق على هذا الاتجاه بحجة أنه عندنا حكومة وطنية ولا أرى مبرراً للانقلاب. ولكن إرضاءً للشباب من الضباط تقدمنا بطلبات لرئيس الحكومة خاصة بإصلاح الجيش وانتهينا عند هذا الحد. ولكن يبدو أنهم لم يكونوا مقتنعين بذلك فعلمت أنهم كانوا يجتمعون سراً في أماكن مختلفة واتصلنا بهم ونصحناهم بإيقاف اجتماعاتهم".

ويُعضِّد شهادة اللواء عبد الوهاب أن مجموعة من ضباط الجيش والطلاب الحربيين بقيادة إسماعيل كبيدة قادت انقلابا في يونيو 1957، ضد أول حكومة وطنية ديمقراطية بعد الاستقلال برئاسة  إسماعيل الأزهري، وتم إحباط محاولة الانقلاب في مراحلها الأخيرة. 

إن الذين يساندون و يروجون لحكم العسكر لا يقرؤون التاريخ، أو يقرؤونه بعين واحدة لا ترى سوى الدور الذي لعبته الأحزاب في إقحام الجيش في السياسة، ويتجاهلون حقائق التاريخ التي أتينا على ذكرها أعلاه والتي توضح بجلاء تام أن تدخل العسكر في السياسة قد بدأ منذ عام 1954، أي قبل أن ينال السودان استقلاله واستمر منذ ذلك الحين إلى يومنا هذا.

تعمل التربية الجندية القائمة على حتمية وحدة الصف والتراتبية المنضبطة في اتخاذ القرار وتنفيذ الأوامر بسرعة وكفاءة فضلا عن روح التضحية والفداء على ترسيخ الاعتقاد لدى العسكريين بأنهم الأقدر على الحفاظ على سيادة الدولة وحماية حدودها، والأكثر إدراكاً للأبعاد الإستراتيجية من المدنيين الذين يركنون للنقاش والجدل الطويل من أجل الوصول للنتائج علاوة على اختلافاتهم في التصورات والرؤى لإيجاد الحلول للمشاكل وهو أمر يعتبره العسكريون خللا يؤدي لانقسام المجتمع وزعزعة الأمن وإضعاف هيبة الدولة.

هذا النوع من التنشئة العسكرية يُعطي صاحبه إحساس القدرة والأفضلية الذي يجعله في مكانة لا تقارن مع الشخص المدني، حتى أن العسكر يتهكمون على ذلك المدني بقولهم "ملكية ساكت" مما يعني تضخم شعورهم بالصفة العسكرية، وهو ما يبرر فرض وصايتهم على البلد كيفما اتفق، و كما قال قائد الجيش قبل أيام قليلة من الإقدام على خطوة الانقلاب العسكري في 25 أكتوبر 2021: "إن القوات المسلحة هى الوصية على أمن السودان ووحدته".

إن وصاية الجيش على استقرار ووحدة وأمن الوطن تكون في إطار الانصياع للدستور الذي يحدد الواجبات والمسؤوليات لمختلف أجهزة الدولة، ولا يكون بالانقلاب على الأوضاع الدستورية باستغلال القوة التي أودعها الشعب لدى قواته المسلحة من خلال دفع الضرائب، وهي القوة التي يجب استخدامها فقط لحماية الدستور والدفاع عن حدود الوطن في وجه أي عدوان.

أما وقد أثبتت تجربة السيطرة الطويلة للجيش على مقاليد السلطة في البلاد أن حكم المؤسسة العسكرية الذي استمر لـ 52 عاما كان هو الثابت الوحيد ضمن أسباب المشاكل التي ظلت تعاني منها البلاد منذ الاستقلال عن المستعمر البريطاني، فقد بات من المحتم إعادة تعريف علاقة الجيش بالسياسة بحيث يعود الأخير لوظيفته الأساسية ويبتعد بصورة نهائية عن التدخل في إدارة شئون الحكم.

"قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة. أرشيفية - تعبيرية
"قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة. أرشيفية - تعبيرية

على مدى خمس سنوات وخمسة أشهر، وفر لي هذا الموقع "alhurra.com" مساحة أسبوعية حرة، أخاطب من على منصتها، جمهورا متنوعا، رفقة نخبة من كتاب ومفكرين وإعلاميين وازنين، ومن دون تلك القيود والضوابط التي أثقلت كاهل الكتاب والمحللين والمثقفين في العالم العربي...هنا، وربما هنا فقط، بمقدورك أن تسمي الأشياء بأسمائها، دولاً وحكومات، دون خشية من قوانين "تعكير صفو العلاقة"، ومن غير أن تحسب حساب لأثر ما تكتب على "المساعدات" التي تتلقاها بلادك من هذه الدولة أو تلك.

ولأنك تخاطب جمهورا متنوعا، لا يجمعهم جامع سوى "لسان الضاد"، فأنت تجد نفسك مكرها على القفز من فوق "زواريب" السياسة المحلية في بلدك، التي لا يعرفها ولا يُعنى بها، سوى أهلها، أو بعض أهلها في كثيرٍ من الأحيان، وهو أمر له ما له وعليه ما عليه، فهو من جهة يُنجيك من "طبقات الرقابة" المتراكبة في مجتمعاتنا من سفارات وهويات دينية واجتماعية، بيد أنه من جهة ثانية، ينحو بما تكتب صوب التجريد والتعميم، وبصورة قد تُخلّ بمقتضيات "التحليل" في بعض الأوقات.

على أنك وأنت تكتب لموقع يتخذ مقرا له على مبعدة عشرة آلاف كلم، تبقى ملاحقا بهاجس "الرقابات"، حكومية وغيرها، من حكومة بلدك وحكومات الجوار القريب والبعيد، سيما بعد أن تعاظمت وطأة تأثيرها لاعتبارات "الجيوبوليتك" و"العلاقات الخاصة والمميزة"...أنت لا تشعر أنك حرٌ تماما، حتى وأنت تكتب لموقع "الحرة".

ذات ظهيرة، اتصل بي الصديق ألبرتو فيرنانديز، ومعه بدأت حكاية المقال الأسبوعي، كنت عرفته عندما كان دبلوماسيا رفيعا في سفارة الولايات المتحدة لدى عمّان، وكان شغل موقع الملحق الثقافي، ولقد وجدنا يومها شيئا مشتركا، فهو قضى سنوات في دمشق، وأنا فعلت الشيء ذاته، وإن في مراحل مختلفة، وكانت لديه شبكة واسعة من العلاقات مع المثقفين السوريين، وكنت كذلك، وكان هذا الموضوع على الدوام، يحتل مساحة بارزة في نقاشاتنا، ولطالما رتبنا أنا وإياه لقاءات لشخصيات أميركية ثقافية وسياسية وازنة في مركز القدس للدراسات السياسية، صحبة نخبة محترمة من سياسيي الأردن ومثقفيه.

ألبرتو كان قد تسلم للتو مسؤولياته في المؤسسة التي تصدر عنها "قناة الحرة" و"راديو سوا" و"موقع الحرة الإخباري"، طلبني لكتابة مقال أسبوعي، متعهدا بأن يحترم ما أكتب، وأظنه كان على علم بتوجهاتي السياسية والفكرية، ولكنه أراد للموقع أن يصبح منصة للحوار والجدل والتعدد.

ذات مرة، أثير نقاش حول هوية كتاب الحرة، وأُخذ على الموقع أنه ينتقيهم من أبناء مدرسة سياسية وفكرية واحدة تقريبا، يومها "غرد" فيرنانديز نافيا "الاتهام"، مستشهدا بتواجد أسماء وكتاب من خارج هذه المدرسة، ولقد ذكرني من بين آخرين، بوصفنا شهودا أحياء على تهافت الاتهام...مع أنني أشاطر أصحاب "الاتهام" بصرف النظر عن نواياهم، بأن غالبية الزملاء وليس جميعهم بالطبع، ينتمون لمدرسة في الفكر والسياسة، معروفة توجهاتها وخلفياتها، وهي في مطلق الأحوال، مدرسة حاضرة بقوة في دولنا ومجتمعاتنا، اتفقنا معها أم اختلفنا.

حرص الرجل على استحداث انطلاقة في مسار ومسيرة القناة والراديو والموقع، المتعثرة نسبيا، ولقد استعان بنخبة من الإعلاميين المجربين، أذكر منهم الزميل نارت بوران، الذي شغل موقع مدير عام مؤسسة الإذاعة والتلفزيون في الأردن، وكان مؤسسا لعدد من الفضائيات في الإمارات، ولقد زاملته في عمان، حين كان مديرا للمؤسسة، وكنت أقدم برنامجا حواريا على شاشة التلفزيون الأردني بعنوان "قضايا وأحداث"، ولقد كان الرجل مهنيا بامتياز، وتعين على أن يجذّف في بحر متلاطم الأمواج وهو يدير مؤسسة تتجاذبها رياح التأثير من مختلف مراكز القوى وصنع القرار في البلاد، كان الله في عونه، وعون أسلافه وخلفائه.

خلال هذه الرحلة مع "الحرة" كتبت 280 مقالا أسبوعيا، بمعدل وسطي 1200 كلمة للمقال الواحد، أي ما يعادل "336000 كلمة"، لم يتعثر منها سوى مقالات ثلاثة، اثنان لاستبدال عبارة بأخرى أو شطب كلمة، وآخر لأنني كنت كتبته مبكرا، ولقد جرت أحداث كثيرة ما بين كتابته ونشره، فاستوجب استبداله بمقال آخر... بلغة الإحصاءات، أقل من 1 بالمئة من مقالاتي أثارت نقاشا مع المحرر، لكن الأهم، أن أحدا في فيرجينيا لم يكن ليخطر بباله استبدال كلمة بأخرى، أو شطب كلمة، دون استئذان وموافقة من الكاتب، حتى في تلك المرات النادرة التي أتيت على ذكرها، وتلكم بالنسبة لشخص سبق أن منعت له ثمانية مقالات في شهر واحد، تجربة مثيرة للاهتمام.

لست هنا في باب كيل المديح لموقع أغادره ما أن يرى هذا المقال النور، ولكنني أصدر عن تجربة شخصية في الكتابة وهوامش الحرية المتاحة للكاتب، لأضيف إلى ما سبق ذكره، أنني اعتنيت بمقالتي الأسبوعية على موقع الحرة، أكثر من غيره، لكل الأسباب التي أوردتها، ولسبب آخر إضافي، أن الكاتب يرغب في "توثيق" و"تسجيل" مواقفه من أهم الأحداث والتطورات والظواهر الكبرى التي تشغل باله، وما يحول بينه وبين فعل ذلك، إما غياب المنبر، في ساحة إعلامية – صحفية عربية مستقطبة إلى أبعد حد، أو للقيود الصارمة التي تصاحب الكتاب في صحف ومنابر محلية وعربية.

وكان من دواعي سروري واعتزازي دائما، أن الزملاء في "راديو سوا" لطالما استخدموا المقال الأسبوعي مادة/موضوعا لحلقة إذاعية، غالبا ما كنت ضيفها أو أحد ضيوفها، بالنسبة للكتّاب، كان ذلك بمثابة حافز إضافي، يدفعه للتفكير في اختياراته والاهتمام بجودة ما يكتب.

موقع الحرة، كما أبلغني الزميل بهاء الحجار، قرر إغلاق باب كامل من أبوابه تحت عنوان "من زاوية أخرى"، وفيه كانت تحتشد مقالات الرأي من لبنان والعراق والمغرب العربي والأردن وغيرها... أحزنني ذلك، لاسيما أن المقال لم يعد على ما يبدو جاذبا للقراء الذين يتجهون بكثرتهم، الشابة خصوصا، إلى "التك توك" و"الإنستغرام" والفيديوهات القصيرة، بحساب الربح والخسارة، من العبث الاستمرار في استثمار كهذا، في حين يمكنك أن تجتذب جمهورا أوسع، لو أنك وضعت مواردك في مكان آخر.

هي "قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة، ولقد سبقني الزميل على هذا الموقع، حسن منيمنة، لرثاء المقالة المكتوبة، قبل أيام، فلا حاجة بي لمزيد من "الرثائيات"، وعلينا أن نسلّم بحقيقة أن العالم يتغير، وأن فنونا وألوانا من العمل الإعلامي والصحفي قد شقت طريقها للانقراض. نقول ذلك، ونحن معشر المشتغلين بالصحافة والمقالة المكتوبة، يعتصرنا الألم والإحساس بـ"اللاجدوى".

هو فصل جديد، سبق أن انتهت إليه كبريات من الصحف والمجلات في العالم، والعالم العربي، وفي ظني أن "الحبل على الجرار"، فمن بقي من هذه الصحف واقفا على قدميه، إنما نجح في ذلك بأعجوبة، أو بتمويل سخي، طافح بالأجندات والاستهدافات السياسية، إلا من رحم ربي، واستطاع أن يجد لنفسه موطئ قدم في ميادين الإعلام الجديد وعوامل السوشال ميديا والمرئي والمسموع، وإلى لقاء على منصة أخرى، وتجربة مختلفة.