الكرة الأرضية - التغير المناخي
"البعض لاحظ وامتعض المركزية الغربية في التسمية"

تسميات المناطق الجامعة للدول ليست بريئة. عبارة "الخارج القريب"، للإشارة إلى دول الاتحاد السوفيتي السابق من وجهة نظر روسية بدت لوهلة وكأنها مجرد تصنيف للمكان على أساس شراكة الأمس.

غير أنه سبق لجورجيا، ثم لأوكرانيا، قبل أعوام ومجدداً اليوم، أن تبيّنت أن التسمية تنضوي على ما يتعدى الوصف، ليدخل في نطاق رغبة الرئيس الروسي إعادة تثبيت المقاربة الواقعية في العلاقات الدولية والتي تمنح الدول العظيمة حق نقض طاعن لسيادة الدول المجاورة، بعيداً عن الندّية التي تفترضها الصيغة المبدئية المعتمدة والتي تعتبر بأن كل دولة، كبرت أو صغرت مكتملة السيادة.

الإشارة في مرحلة غابرة، في المنطقة التي يشير إليها العنوان، كانت لـ "العالم العربي"، أو حتى "الوطن العربي"، في افتراض لحتمية وحدة أو اتحاد أو على الأقل للصواب المعنوي للحالة الجامعة، وإن تعذّرت.

ورغم اندراج هذ التسمية في إطار الرغبة الذاتية لاستدعاء ما يجمع في العديد من المواقع، وإن مع اختلاف عميق وغالباً مضمور لمعايير الجمع بينها: اللغة والنسب والدين والهوية العليا المستجدة، فإن العلة الأساسية في التسمية والهوية والتي لاقحتها هي أنهما أهملتا، عمداً حيناً وسهواً أحياناً، أن معاييرها على تنوعها لم تكن قادرة على استيعاب مقومات لغوية واجتماعية عديدة في الفضاء التي استنسبته.

فلم تكن تحرراًً صرفاً من الاستعمار المادي والفكري والرمزي، كما أرادت لنفسها أن تكون، بل في أكثر من حالة استبدال للهيمنة البعيدة القادمة من وراء البحار بأخرى جديدة مبنية على إصرارها لا على الوحدة والاتحاد، بل على التأحيد.

والتأحيد هنا هو السعي صراحة إلى تبديد الاختلاف وتقرير مقياس ضمني، الاقتراب منه فضيلة والابتعاد عنه رذيلة.

أركان هذا المقياس هي أولاً النَسَب، المتخيّل منه والقريب من المتحقّق، ومعه التاريخ، بتسطيحه وشخصنته وفق روايات نَسَبية تجهل التداخل والتفاعل، وثانياًً اللغة، مع افتراض مرجعية ثابتة واحدة لها، وثالثاً، الدين أي الإسلام، والذي كان الاعتماد عليه خجولاً بادئ ذي بدء ليمسي اليوم أساساً يُشهر دون تردّد كأساس أول، إن لم يكن الأول إطلاقاً، من أسس الهوية العربية، ما يجعل من هم ليسوا عليه ذمّة وإن بنكهة مستحدثة.

"العالم العربي" انحدر وتدحرج اليوم، ويكاد أن يقتصر استعمال ما يقاربه من مصطلح على صيغة مغايرة لما كان عليه المضمون في السابق، أقرب إلى النَسَب منها إلى سائر المقومات، مع تمييز لافت لدى من يستعملها بين "العرب" و"المستعربين".

ربما لا حاجة للدعوة إلى إعادة اعتبار هذا المصطلح، فهو قد تقاعد من تلقاء ذاته، وإن استمرت الحاجة إلى الإشارة إلى فضاء اللغة العربية، وقد تكون بصيغة "المحيط العربي".

أما المصطلح الأكثر شيوعاً فهو "الشرق الأوسط". هو طبعاً مصطلح حافل بالملابسات في أصله ومضمونه. بدايته كانت في الحاجة الغربية إلى التمييز بين "الشرق الأدنى"، أي الأدنى للغرب طبعاً، وهو مصر وبلاد الشام والعراق، ثم "الشرق الأوسط" أي الهند وجوارها، فـ "الشرق الأقصى" أي الصين وما يتعداها.

تسمية "الشرق الأوسط" نزحت نتيجة الظروف التاريخية لتبتعد عن الهند ولتستولي على الشرق الأدنى وإن أضافت إليه بعض الدول التي أهملها التنصيف الأول.

البعض لاحظ وامتعض المركزية الغربية في التسمية رغم أنها تضعضعت مع نزوح المصطلح، والبعض الآخر استهجن إدراج دوله المغاربية في منطقة "الشرق الأوس"»، وهي التي ليست "شرقاً"، لا أوسط ولا أدنى، بل ما يواجهه صراحة في اسمها.

فكانت العبارة الثقيلة "الشرق الأوسط وشمالي أفريقيا" أو "MENA" بالمختصر الإنكليزي، بل كذلك العبارة الأثقل منها، والتي لم تلقَ ما توقّعته من رواج رغم غلبة "الصواب السياسي"، والذي جارته بالتخلص من المركزية الغربية، أي عبارة "الجنوب الغربي لآسيا وشمالي أفريقيا"، أو  "SWANA" بالإنكليزية.

بل جاءت عبارة "الشرق الأوسط الكبير"، في عهد طموحات إدارة الرئيس الأميركي الأسبق، جورج دبليو بوش، والتي تصل إلى آسيا الوسطى في اشتمالها، لتؤكد بأن الأصل اللغوي لـ "الشرق الأوسط" لا معنى له في العبارة، بل هو وحسب ما يواجه الغرب من منطقة يغلب عليها الحضور الإسلامي.

واليوم، تنتشر في بعض الأوساط الإعلامية والبحثية الموالية لإيران أو المتماهية معها عبارة "غرب آسيا". المقصود طبعاً، وفق الاستعمال الذي ينشط ترويجه ليس ما هو إلى الغرب من آسيا، كما تفيد العبارة في أصلها اللغوي، بل ما هو في الغرب منها، أي غربي آسيا. طبعاً لا بأس بـ "غرب آسيا"، فالاستعمال هو الحكم، شرط التوافق والوضوح.

يراد لهذه العبارة أن تكون البديل لـ "الشرق الأوسط"، والذي يقع بغالبيته إلى الغرب من إيران. العلة أن إيران ليست في مركز الشرق الأوسط. بل ما كان متوافقاً عليه في مرحلة سابقة هو أن "الشرق الأوسط" هو "العالم العربي" وبعض دول جواره، تركيا، إيران، إسرائيل، وربما إثيوبيا. لا حاجة لكل هذه إيرانياً، ولا يجوز أن تكون إيران عند الطرف.

المسألة هنا تذكّر بالإفراط في الإصرار الإيراني على تسمية الخليج بالفارسي، ورفضها الصارم المتشنج عند تسميته بالعربي،  باستدعاء حجج تتذرع بالتاريخية رغم انضوائها على مغالطات نافية.

على أي حال، عبارة "غرب آسيا" تناسب إيران. هي تخرج مصر وكامل المنطقة المغاربية من الجمع، وتقتصر في الفضاء الناطق بالعربية على البلاد التي لإيران فيها نفوذ أو طموح نفوذ. كما أنها تجعل من "آسيا"، أي نقيض الغرب، الوجهة، بما ينسجم مع الطرح البديل، على التباسه، بالتوجه شرقاً.

هذا الخيار الإيراني، والذي روّج له المرشد الأعلى نفسه، لا يزعم مجرّد الوصف، بل يعمد، كما يفعل فعلياً كل خيار آخر في المصطلح، إلى التأصيل لرؤية سياسية، سواء منها إقدامية، أي عقائدية مستقبلية، كما هو الحال هنا، أو تلقائية تاريخية كما هو واقع "الشرق الأوسط" وغيره من التسميات التي تواجه الغرب بشرقيتها.

قد يكون من البنّاء وضع هذا الطرح موضع التداول والنقد والتمحيص، مع التشديد على أنه لا يختلف عن غيره في احتوائه على المضمون الذاتي، أي لا زعم للموضوعية والمنطق هنا.

واقع الحال أنه، بالنسبة لمن ينضوي في الصف الموالي لإيران، له ما يبرّره. غير أن هؤلاء قلّة في المنطقة، رغم ارتفاع أصواتهم الإعلامية. أي أنه لن يتحقّق أن يتفرّد هذا المصطلح بالاستعمال أو أن يتمكن من إزالة غيره. ومن المستحسن أن تكون مواجهته بالمصطلحات المقابلة أو البديلة والتي تصلح لدورات قائمة.

لا بد من مصطلح جامع للفضاء اللغوي العربي، على أن يكون محصّناً عن افتراض الأعلوية أو الأحادية. ولكن من المفيد أيضاً بروز مصطلحات أخرى تشير إلى دورات مجتمعية وحياتية واقتصادية وفكرية وثقافية لا تتطابق مع "المحيط العربي" أو ما يماثله من مصطلح لغوي، وقد تتجاوزه فيما تجمعه ولا تشكل مجرّد جزء منه وحسب.

"غرب آسيا" يشمل مجازاً الدول التي للتأثير الإيراني دور فيها، ولكنه لا يستحوذ على كامل مجتمعات هذه الدول بالتأكيد. عراق الحشد الشعبي، بالفصائل الموالية للإمام الفقيه، جزء من "غرب آسيا»"، وإلى حد ما سوريا ببعض أوجهها، وربما بعض لبنان (القليل منه رغم الطفرة الإعلامية المتحدثة بخلاف ذلك)، وصولاً إلى اليمن.

على أنه لكل من هذه الدول بمقوماتها وبمكوناتها انتماءات إلى "مناطق" أخرى بعضها مكاني وحسب، وبعضها اجتماعي اقتصادي وثقافي. اليمن بأبعاده الأفريقية الشرقية والآسيوية، العراق وسوريا بوزنهما الكردي والتركماني، وكل من يطل على المتوسط، بمتوسطيته العامة، ثم الخاصة بصيغة "شرق المتوسط".

"شرق المتوسط"، والذي يبتدئ باليونان، هذه التي هرولت هاربة من أصولها الشرقية في القرن التاسع عشر، ويمر بتركيا، أقلّه بأوجهها التي تجعل منها وجهة إقامة وحياة حتى لمن ينفر من سياسات حكامها، ثم سوريا ولبنان وإسرائيل وفلسطين ومصر، بالأوساط الاجتماعية لكل منها، والتي تشهر وتعتنق وتعيش حياة "الطبقة الوسطى" فعلاً أو طموحاً، وإن على خلاف وتباعد عن المبالغات الشائعة في كل منها، وفي وسطها جميعاً قبرص، لا نجمة لهلال خصيب متوَهّم بل كساحة لقاء وتبادل.

هذا كله يشكل كذلك مجال تواصل فيما يتعدى الاقتصاد القائم والمرتقب، لتتداخل فيه الأذواق والأنماط الحياتية المتقاربة والمتفاعلة.

فإذا صحّ الحديث لدى البعض عن "غرب آسيا"، وليكن، فإنه يصحّ بمقدار أعلى عن "شرق المتوسط" هذا. ربما أن ما تقتضيه المرحلة التاريخية المقبلة هي الابتعاد عن افتراض تقسيم للعالم على أساس مناطق تفرزه إلى عقارات ثابتة، والإقرار بأن أشكال التداخل والتواصل تستوجب الحديث عن مناطق متبدلة متداخلة قابلة لإعادة التعريف، وصعود أسهمها وانخفاضها، على أساس واقع أهلها وطموحاتهم.

بوتين يريد أوكرانيا حصراً في المجال الحيوي الروسي، مع ما تستجرّه هذه الرغبة من انتفاء لاستقلاليتها. الغرب يحبّذ اعتبار أوكرانيا جزءاً من أوروبا. هي هذه وهي تلك، وغيرهما، ولا أحادية لا في توجهات سكانها اليوم ولا في مصالح أجيالها غداً. مصلحتها بألا تختزل. وما ينطبق عليها ينطبق على "الشرق الأوسط" مهما كانت تسميته.

معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية
معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية

السائد تقليدياً، التعامل مع الفقر كموضوع للإحسان من منظار ديني. لأن الدين يعتبر جزءا مهما من تكوين الهويات الجماعية، فهو يمنح قاعدة للتضامن الاجتماعي والحشد السياسي. لكن الفقر أصبح موضوعا سوسيولوجيا للدراسة في مطلع القرن الماضي. ويعتبر الفقر الآن أحد اشكال العنف التي يتعرض لها الانسان.

تاريخياً الفقراء هم البشر غير المرئيين، شخوص خرساء، إنهم الذين "لا صوت لهم" إلا كآثار عابرة تركوها عنهم من لا يعانون الفقر. التاريخ لم يعرف للفقراء حضورا أو صوتا. فالتاريخ لم يكن ينقل لنا سوى سِير وحكايات الملوك والأمراء والحكام وأبطال المعارك العسكرية، سواء في لهوهم او في عنفهم. لم يُذكر الفقراء إلا في معرض الشفقة وطلب الإحسان.

انتظر الفقراء بتواضع على عتبة التاريخ حتى مطالع القرن الماضي، قبل أن يتم التعرف عليهم، لكن بشروط.

لكن ما هو الفقر؟

في الفرنسية نسقط في الفقر كما في حفرة ونهوي في ظلمات العوز. في العربية أيضاً، فَقَرَ حفرة أي حفرها، فقُر الرجل: أي كسر فقار ظهره. فقر الخرز أي ثقبه. وفي الحالين نجد معنى السقوط والتدهور والانحلال وانكسار الظهر. وغالباً ما يكون الفقر مسؤولية صاحبه أو قدره. يصبح عندها كعاهة لا يمكن الاعتراض على وجودها!

وهذا ما يتوجب معالجته، إبطال فكرة الاستسلام أمام حالة الفقر. إنها مسؤولية الدولة وسياساتها والمجتمع والحروب والمجاعات والكوارث الطبيعية والأزمات الاقتصادية المنتجة الأساسية له.

حالة الفقر وضعية يخضع لها الفقير. تظل آنية أو تصبح دائمة. حالة ضعف وتبعية وتواضع، تتسم بالحرمان من الموارد وحرمان من المال والسلطة والنفوذ والعلم وشرف المحتد، أو من القوة الجسدية أو القدرات العقلية أوالحرية. وذلك بحسب الحقب والمجتمعات. الفقر مهين للكرامة الشخصية ويضم كل المستبعدين من المجتمع السوي.

تغيرت في القرن الحادي والعشرين معايير قياس الفقر عموماً، وبحسب تقرير التنمية البشرية لـ2019 حصل تقدم ملحوظ في الحد من أشكال الحرمان الشديد، فقد أفلت من براثن الجوع والمرض والفقر في أنحاء العالم عدد غير مسبوق من الناس الذين قفزوا فوق الحد الأدنى لمعيشة الكفاف.

لكن جائحة كوفيد، والحرب الدائرة في أوكرانيا، والعنف المستمر في العالم وفي العالم العربي، والزلزال في تركيا وسوريا مؤخراً، تسببت بإفقار الكثير من الدول العربية ومن دول العالم النامي.

منذ ما قبل هذه الأزمة كان عدم المساواة مستشرياً. فرغم التقارب النسبي في الإمكانات الأساسية لدى الكثير من الدول، أي غذاء وتعليم وصحة، لدينا تفاوت كبير علىى صعيد الإمكانات المعززة والنوعية التي تطال الحصول على الخدمات الصحية الجيدة أو خدمات التعليم الجيدة والحصول على التكنولوجيات، مما يوفر المناعة تجاه الصدمات الجديدة غير المعروفة.

في العالم العربي لا يزال الفقر المدقع من أعلى المستويات. انظر: "الفقر في العالم العربي.. أرقام صادمة"، الحرة 16 ديسمبر 2018.

تميز القرن العشرين بالنصوص العالمية المتعلقة بحماية حقوق الإنسان. من بينها الحق بتكوين أسرة والحق بحماية الحياة الأسرية. لكن هذا التطور لم يعبر عن نفسه على مستوى الواقع بشكل أتوماتيكي. ظلت الأسر الفقيرة منبوذة على هامش المجتمع ومعتبرة غير مؤهلة. لكن تطور النظرة إلى الحقوق الأساسية للإنسان أدّى الى ولادة اليوم العالمي للقضاء على الفقر في 17 أكتوبر 1987.

وقد أعلنوا أن الفقر يُشكل انتهاكا لحقوق الإنسان وأكدوا الحاجة إلى التضامن بغية كفالة احترام تلك الحقوق. 

لا يمكن الحديث عن الكرامة الانسانية في ظل الحروب والعنف العسكري والاجتماعي. 

الحديث عن كرامة في غياب المساواة ضرب من الخيال. والثقافة التقليدية تساهم في جعل اللامساواة مبررة ومقبولة واعتبارها أقرب إلى الصفات الوراثية.

ومع أن هناك إجماع على الاعتراف بحقوق المرأة، وبالمساواة بينها وبين الرجل، في أكثرية دساتير البلدان العربية. غير أن مجرد وجود ضمانات دستورية تكفل حق المرأة ولا يتجسد بالضرورة واقعا تحقق فيه المرأة كامل حقوقها المدنية والقانونية والسياسية.

تتسم أوضاع النساء العربيات عموماً بالهشاشة، خصوصاً في البلدان التي تعاني من سوء التنمية او الحروب؛ مما يزيد عدد الأرامل، وبالتالي الأسر التي تديرها المرأة بمفردها. وهذا أحد أهم مسببات الفقر المستدام، لأنهن عندما يدخلن دائرة الفقر فهن معرضات للبقاء فيها. 

من هنا بروز مفهوم تأنيث الفقر، وتصفه اليونيفيم (UNIFEM)  بأنه "عبء الفقر الذي تتحمله المرأة، خاصة في الدول النامية"، فتعاني من مستوى معيشي منخفض لا يكفي لتغطية الاحتياجات المادية والمعنوية مما يؤثر سلبا على الاحترام الذاتي للفرد أو للمجموعة.

 وهو ليس نتيجة لضعف الدخل فقط، بل أيضا نتيجة للحرمان من الإمكانيات والتحيزات الجنسانية الموجودة في كل من المجتمعات والحكومات. وهذا يشمل فقر الخيارات والفرص، مثل التمكن من عيش حياة طويلة وصحية وخلاقة، والتمتع بالحقوق الأساسية وبالحرية والاحترام والكرامة.

ويرتبط هذا المفهوم بمستوى المعيشة العام داخل المجتمع، كما يرتبط بكيفية توزيع الثروة ومكانة الفرد في مجتمعه، وبتوقعاته الاجتماعية والاقتصادية.

ونتائج الفجوات بين الجنسين في التوظيف، وأنشطة الأعمال، والحصول على التمويل، لا تكبل الأفراد فقط بل الاقتصاد برمته. ما يؤخر نمو وتقدم المجتمع. 

لذا هناك اهتمام كبير الآن بتعزيز روح التضامن العالمي، بالتركيز على حاجات الفئات الأضعف والأشد فقرا. كما  يجب الاعتراف وتشجيع الدور الذي يضطلع به القطاع الخاص المتنوع، ابتداء من المؤسسات المتناهية الصغر ومرورا بالتعاونيات وانتهاء بالشركات الكبرى؛ إضافة الى الدور الذي تضطلع به منظمات المجتمع المدني والمنظمات الخيرية في تنفيذ الأعمال المطلوبة.

للعمل الخيري القدرة على رفع آثار الأضرار المترتبة عن الأزمات الإنسانية، كما أن له القدرة على دعم الخدمات العامة في مجالات الرعاية الطبية والتعليم والإسكان وحماية الأطفال. والعمل الخيري فاعل جدا في تحسين الثقافة والعلوم والرياضة وحماية الموروثات الثقافية، فضلا عن تعزيزه لحقوق المهمشين والمحرومين ونشر الرسالة الإنسانية في حالات الصراع.

من المعلوم أن المجتمع المدني أقوى من الدولة في التجربة اللبنانية، فلقد اضطلع دائما بالجوانب التي تقصر بها الدولة، وبرز دوره خصوصاً في السنوات الأخيرة. فمنذ جريمة انفجار المرفأ في 4 آب عام 2020، تكفل المجتمع المدني والجمعيات الخيرية الاضطلاع بمسؤولية كافة المهام التي خلفها الانفجار، وقام مقام الدولة في ظل غيابها التام. فمن إسعاف المرضى إلى رفع الأنقاض والترميم إلى تدبير مساكن ومساعدات عينية لمن فقدوا منازلهم وهم بالآلاف. كل ذلك تكفلت به الجمعيات الخيرية والجمعيات المدنية. 

لكن، إذا كان العمل الخيري ضروري ويقوم بخدمات جليلة للمجتمع وللأفراد، ينبغي الحذر من أن يخلق مشكلة الاتكالية عند تلقي المساعدات بشكل دائم. فيتحول الفرد إلى كسول مفتقد لروح العمل يعتاش على الصدقات ومشاريع الإغاثة، فيتجذر الفقر. ونكون بهذا نتسبب بالضرر للمجتمع عندما نحول أفراده الضعفاء إلى معتاشين دائمين.

من هنا أهمية وضع برامج تهتم، إلى جانب المساعدة، بتوعية المستفيدين مع التدريب على برامج تنموية وإكساب معارف وتقنيات تساهم في تمكينهم  كي يستقلوا ويصبح باستطاعتهم تلبية حاجاتهم وحاجات أسرهم.

مشكلتنا ليست في الفقر فقط، فهو يوجد في أغنى الدول وأكثرها ترفا، ولكن في عدم قدرتنا على اجتثاث مسبباته والأخذ بيد الفقراء حتى يعتمدوا على أنفسهم، بل أيضاً في تفعيل عمل المؤسسات الرسمية والوزارات والقدرة على مواجهة الأزمات وتحويلها إلى فرص.

**ألقيت هذه الكلمة في جلسة افتتاح "القمة العالمية للمرأة"، التي أقيمت في أبوظبي بين 21-22 فبراير 2023، برعاية سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك، وشاركت فيه سيدات فاعلات من مختلف أنحاء العالم.

هذه الورقة ستكون آخر مساهمة لي في صفحة "من زاوية أخرى"، التي رافقت همومنا وتطلعاتنا، لأن الموقع قرر إغلاق هذه الصفحة، من ضمن الاتجاه العام في التحول من الصحافة الورقية المكتوبة إلى الرقمية، ثم إلى – البصرية.

وسوف نفتقد بحسرة هذه المساحة الحرة التي ضمت نخبة من الاقلام العربية التي كتبت فيها بحرية تامة (مفتقدة في معظم الإعلام العربي، إذا لم يكن كله) ومن دون قيود أو رقابة من أي نوع، وحتى في نقد سياسات مرجعيات الحرة نفسها؛ شرط احترام الدقة والموضوعية والاستناد إلى مصادر موثوقة. والأسف على إغلاقها يعود لحاجتنا الماسة لهذه الأقلام الحرة في هذه اللحظات المصيرية التي تواجهها المجتمعات العربية.

لكن ما باليد حيلة، فالسياسات والحاجات، مهما كان مصدرها، لا تتماشى بالضرورة مع مصالح الشعوب. فوداعاً.