الأيام التي تفصلنا عن موعد الانتخابات النيابية في لبنان ستكون حالكة
الأيام التي تفصلنا عن موعد الانتخابات النيابية في لبنان ستكون حالكة

لم يسعف المشهد اللبناني حزب الله بشعار انتخابي جديد، فكرر شعاراً كان اعتمده في الانتخابات السابقة: "نحمي ونبني"! ولكن من نحمي وكيف نبني؟ والحزب اذ يدرك هشاشة شعاره وضعف صلته بما يصيب اللبنانيين من كوارث ومن بينهم بيئته، راح يبحث عن عدو يتمكن عبره من رفع منسوب التعبئة، أو ما يسمى في لبنان "شد العصب". لكن هذه المهمة بدورها ليست بمتناول الحزب. "العدو الخارجي" في حالة هدنة يصعب معها توظيفه، و"العدو الداخلي" في حال من الاستعصاء، فسعد الحريري أعلن استنكافه عن خوض الانتخابات، والطائفة السنية في حال من الانكفاء والتصدع، وتسعير الخطاب المذهبي في وجه المنافس المسيحي (القوات اللبنانية) سيفضي إلى إضعاف الحلفاء المسيحيين، (التيار العوني). أما العودة إلى "نحمي ونبني" فلا يبدو أنها مجدية. فبيئة الحزب محاصرة بالعقوبات الأميركية والدولية والعربية، والحزب دفع نحو مضاعفتها وتشديدها، و"نبني" لا يمكن صرفها في ظل قناعة اللبنانيين، ومنهم أهل الحزب وقومه، بأن الأخير هو صلب النظام وحاميه.

في ظل هذا الانسداد لا بد من رفع منسوب الخطاب التخويني. "الانتخابات هي حرب تموز ثانية"! هذا ما قاله القيادي في حزب الله إبراهيم أمين السيد. والمهمة الآن هي اختراع بديل عن إسرائيل لخوض الحرب معه. إنهم السفارات وعملاء السفارات وجماعة المجتمع المدني. لكن خوض انتخابات في وجه خصم غير محدد وغير واضح وغير معين بوجوه وأسماء وخيارات، سيرتد على أصحابه بانكفاء عن التصويت سيكون بمثابة تصويت عقابي، طالما أن ناخب الحزب لن يتجرأ على الانتقال إلى خيار اقتراعي آخر.

من سيستفيد من ضعف حماسة الشيعة على الاقتراع ومن تشتت السنة وإحباطهم ومن هجرة المسيحيين؟ صحيح أن هذه المؤشرات تقلق قوى النظام، إلا أنها لا تعين خصومهم. سيخرج حزب الله بهزيمة معنوية لكنها لن تكون هزيمة بالنتائج، وستعقب الانتخابات موجة "إحباط سني" مولدة لاحتمالات أخرى للاستثمار. وما تم كشفه مؤخراً عن "خلية لداعش" في مخيم عين الحلوة، وفي ظل ضعف ثقتنا بالنظام وأهله، يؤشر إلى أن اللعب قد يُستأنف، وأن للتوظيف فرص كبيرة، لا سيما وأن ما سمعناه من قصة الخلية ينطوي على احتمالات أخرى.

الأيام التي تفصلنا عن موعد الانتخابات النيابية في لبنان ستكون حالكة. قوى النظام ليس أمامها سوى حقن خطابها الانتخابي بشحنات مذهبية تعينها على دفع الناخب إلى الصناديق. والأرجح أن حزب الله سيستقبل خطاب الخصوم المحرضين على سلاحه بترحيب وتهليل، فأن يناشد فؤاد السنيورة "أهل السنة" للتوجه إلى صناديق الاقتراع لمواجهة سلاح حزب الله، فهو يلاقي الحزب في منتصف الطريق. هذه الدوامة الرهيبة ستكون محور الحياة العامة طوال المرحلة التي تفصلنا عن الانتخابات.

النظام سيسعى إلى التقاط أنفاسه عبر زجنا في هذه الدوامة. وأن يكون المرء ضد سلاح حزب الله من موقع آخر، غير الموقع الذي حدده له فؤاد السنيورة وسمير جعجع، ستكون مهمة صعبة، لكنها ضرورية لمن يرغب ببلورة أقلية نيابية من خارج المنظومة الحاكمة.

علينا أن نخوض الانتخابات ضد سلاح حزب الله على نحو واضح وصريح، لكن بموازاة ذلك علينا أن نواجه قوى النظام الأخرى بنفس الوضوح ونفس العزيمة. لا بل أن على من يطرح على نفسه هذه المهمة أن يحدد مساراً يرسم فيه كيف تحالف الفساد مع هذا السلاح فأنجب كل النخب التي تحكمنا اليوم. يجب أن نشهر بوجه السنيورة أنه وبموازاة "مواجهته" سلاح الحزب كان يؤسس لمسار مالي أفضى إلى الانهيار الذي نعيشه، وأن نذكر سمير جعجع أنه صاحب الخطوة الأخيرة من التسوية التي أوصلت ميشال عون إلى بعبدا. أما الفساد فهو سمة الجميع ودأب الجميع، فالطبقة السياسية بكاملها مسؤولة عن نهب نحو مئة مليار دولار، ولا أحد بريئاً.

النظام، وعلى رأسه حزب الله، يعد العدة للتجديد لنفسه، وهذا احتمال كبير، لكنه سيعني تحويل الكارثة إلى واقع يجب أن نتعامل وأن نقبل به. فوز النظام سيعني نهاية لودائع الناس في المصارف، وسيعني أيضاً نهاية للتحقيق بانفجار المرفأ، وسيعني مزيداً من العزلة الدولية، وربما قد يضحي أهل النظام بحاكم مصرف لبنان رياض سلامة، لكنهم سيأتون بحاكم لا يقل عنه فساداً!

لقد بدأوا بسن خناجرهم لنحرنا مجدداً. فإما أن نستجيب كما يفعل القطيع، وإما أن نطلق صرخة تترجم حضوراً في البرلمان.     

معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية
معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية

السائد تقليدياً، التعامل مع الفقر كموضوع للإحسان من منظار ديني. لأن الدين يعتبر جزءا مهما من تكوين الهويات الجماعية، فهو يمنح قاعدة للتضامن الاجتماعي والحشد السياسي. لكن الفقر أصبح موضوعا سوسيولوجيا للدراسة في مطلع القرن الماضي. ويعتبر الفقر الآن أحد اشكال العنف التي يتعرض لها الانسان.

تاريخياً الفقراء هم البشر غير المرئيين، شخوص خرساء، إنهم الذين "لا صوت لهم" إلا كآثار عابرة تركوها عنهم من لا يعانون الفقر. التاريخ لم يعرف للفقراء حضورا أو صوتا. فالتاريخ لم يكن ينقل لنا سوى سِير وحكايات الملوك والأمراء والحكام وأبطال المعارك العسكرية، سواء في لهوهم او في عنفهم. لم يُذكر الفقراء إلا في معرض الشفقة وطلب الإحسان.

انتظر الفقراء بتواضع على عتبة التاريخ حتى مطالع القرن الماضي، قبل أن يتم التعرف عليهم، لكن بشروط.

لكن ما هو الفقر؟

في الفرنسية نسقط في الفقر كما في حفرة ونهوي في ظلمات العوز. في العربية أيضاً، فَقَرَ حفرة أي حفرها، فقُر الرجل: أي كسر فقار ظهره. فقر الخرز أي ثقبه. وفي الحالين نجد معنى السقوط والتدهور والانحلال وانكسار الظهر. وغالباً ما يكون الفقر مسؤولية صاحبه أو قدره. يصبح عندها كعاهة لا يمكن الاعتراض على وجودها!

وهذا ما يتوجب معالجته، إبطال فكرة الاستسلام أمام حالة الفقر. إنها مسؤولية الدولة وسياساتها والمجتمع والحروب والمجاعات والكوارث الطبيعية والأزمات الاقتصادية المنتجة الأساسية له.

حالة الفقر وضعية يخضع لها الفقير. تظل آنية أو تصبح دائمة. حالة ضعف وتبعية وتواضع، تتسم بالحرمان من الموارد وحرمان من المال والسلطة والنفوذ والعلم وشرف المحتد، أو من القوة الجسدية أو القدرات العقلية أوالحرية. وذلك بحسب الحقب والمجتمعات. الفقر مهين للكرامة الشخصية ويضم كل المستبعدين من المجتمع السوي.

تغيرت في القرن الحادي والعشرين معايير قياس الفقر عموماً، وبحسب تقرير التنمية البشرية لـ2019 حصل تقدم ملحوظ في الحد من أشكال الحرمان الشديد، فقد أفلت من براثن الجوع والمرض والفقر في أنحاء العالم عدد غير مسبوق من الناس الذين قفزوا فوق الحد الأدنى لمعيشة الكفاف.

لكن جائحة كوفيد، والحرب الدائرة في أوكرانيا، والعنف المستمر في العالم وفي العالم العربي، والزلزال في تركيا وسوريا مؤخراً، تسببت بإفقار الكثير من الدول العربية ومن دول العالم النامي.

منذ ما قبل هذه الأزمة كان عدم المساواة مستشرياً. فرغم التقارب النسبي في الإمكانات الأساسية لدى الكثير من الدول، أي غذاء وتعليم وصحة، لدينا تفاوت كبير علىى صعيد الإمكانات المعززة والنوعية التي تطال الحصول على الخدمات الصحية الجيدة أو خدمات التعليم الجيدة والحصول على التكنولوجيات، مما يوفر المناعة تجاه الصدمات الجديدة غير المعروفة.

في العالم العربي لا يزال الفقر المدقع من أعلى المستويات. انظر: "الفقر في العالم العربي.. أرقام صادمة"، الحرة 16 ديسمبر 2018.

تميز القرن العشرين بالنصوص العالمية المتعلقة بحماية حقوق الإنسان. من بينها الحق بتكوين أسرة والحق بحماية الحياة الأسرية. لكن هذا التطور لم يعبر عن نفسه على مستوى الواقع بشكل أتوماتيكي. ظلت الأسر الفقيرة منبوذة على هامش المجتمع ومعتبرة غير مؤهلة. لكن تطور النظرة إلى الحقوق الأساسية للإنسان أدّى الى ولادة اليوم العالمي للقضاء على الفقر في 17 أكتوبر 1987.

وقد أعلنوا أن الفقر يُشكل انتهاكا لحقوق الإنسان وأكدوا الحاجة إلى التضامن بغية كفالة احترام تلك الحقوق. 

لا يمكن الحديث عن الكرامة الانسانية في ظل الحروب والعنف العسكري والاجتماعي. 

الحديث عن كرامة في غياب المساواة ضرب من الخيال. والثقافة التقليدية تساهم في جعل اللامساواة مبررة ومقبولة واعتبارها أقرب إلى الصفات الوراثية.

ومع أن هناك إجماع على الاعتراف بحقوق المرأة، وبالمساواة بينها وبين الرجل، في أكثرية دساتير البلدان العربية. غير أن مجرد وجود ضمانات دستورية تكفل حق المرأة ولا يتجسد بالضرورة واقعا تحقق فيه المرأة كامل حقوقها المدنية والقانونية والسياسية.

تتسم أوضاع النساء العربيات عموماً بالهشاشة، خصوصاً في البلدان التي تعاني من سوء التنمية او الحروب؛ مما يزيد عدد الأرامل، وبالتالي الأسر التي تديرها المرأة بمفردها. وهذا أحد أهم مسببات الفقر المستدام، لأنهن عندما يدخلن دائرة الفقر فهن معرضات للبقاء فيها. 

من هنا بروز مفهوم تأنيث الفقر، وتصفه اليونيفيم (UNIFEM)  بأنه "عبء الفقر الذي تتحمله المرأة، خاصة في الدول النامية"، فتعاني من مستوى معيشي منخفض لا يكفي لتغطية الاحتياجات المادية والمعنوية مما يؤثر سلبا على الاحترام الذاتي للفرد أو للمجموعة.

 وهو ليس نتيجة لضعف الدخل فقط، بل أيضا نتيجة للحرمان من الإمكانيات والتحيزات الجنسانية الموجودة في كل من المجتمعات والحكومات. وهذا يشمل فقر الخيارات والفرص، مثل التمكن من عيش حياة طويلة وصحية وخلاقة، والتمتع بالحقوق الأساسية وبالحرية والاحترام والكرامة.

ويرتبط هذا المفهوم بمستوى المعيشة العام داخل المجتمع، كما يرتبط بكيفية توزيع الثروة ومكانة الفرد في مجتمعه، وبتوقعاته الاجتماعية والاقتصادية.

ونتائج الفجوات بين الجنسين في التوظيف، وأنشطة الأعمال، والحصول على التمويل، لا تكبل الأفراد فقط بل الاقتصاد برمته. ما يؤخر نمو وتقدم المجتمع. 

لذا هناك اهتمام كبير الآن بتعزيز روح التضامن العالمي، بالتركيز على حاجات الفئات الأضعف والأشد فقرا. كما  يجب الاعتراف وتشجيع الدور الذي يضطلع به القطاع الخاص المتنوع، ابتداء من المؤسسات المتناهية الصغر ومرورا بالتعاونيات وانتهاء بالشركات الكبرى؛ إضافة الى الدور الذي تضطلع به منظمات المجتمع المدني والمنظمات الخيرية في تنفيذ الأعمال المطلوبة.

للعمل الخيري القدرة على رفع آثار الأضرار المترتبة عن الأزمات الإنسانية، كما أن له القدرة على دعم الخدمات العامة في مجالات الرعاية الطبية والتعليم والإسكان وحماية الأطفال. والعمل الخيري فاعل جدا في تحسين الثقافة والعلوم والرياضة وحماية الموروثات الثقافية، فضلا عن تعزيزه لحقوق المهمشين والمحرومين ونشر الرسالة الإنسانية في حالات الصراع.

من المعلوم أن المجتمع المدني أقوى من الدولة في التجربة اللبنانية، فلقد اضطلع دائما بالجوانب التي تقصر بها الدولة، وبرز دوره خصوصاً في السنوات الأخيرة. فمنذ جريمة انفجار المرفأ في 4 آب عام 2020، تكفل المجتمع المدني والجمعيات الخيرية الاضطلاع بمسؤولية كافة المهام التي خلفها الانفجار، وقام مقام الدولة في ظل غيابها التام. فمن إسعاف المرضى إلى رفع الأنقاض والترميم إلى تدبير مساكن ومساعدات عينية لمن فقدوا منازلهم وهم بالآلاف. كل ذلك تكفلت به الجمعيات الخيرية والجمعيات المدنية. 

لكن، إذا كان العمل الخيري ضروري ويقوم بخدمات جليلة للمجتمع وللأفراد، ينبغي الحذر من أن يخلق مشكلة الاتكالية عند تلقي المساعدات بشكل دائم. فيتحول الفرد إلى كسول مفتقد لروح العمل يعتاش على الصدقات ومشاريع الإغاثة، فيتجذر الفقر. ونكون بهذا نتسبب بالضرر للمجتمع عندما نحول أفراده الضعفاء إلى معتاشين دائمين.

من هنا أهمية وضع برامج تهتم، إلى جانب المساعدة، بتوعية المستفيدين مع التدريب على برامج تنموية وإكساب معارف وتقنيات تساهم في تمكينهم  كي يستقلوا ويصبح باستطاعتهم تلبية حاجاتهم وحاجات أسرهم.

مشكلتنا ليست في الفقر فقط، فهو يوجد في أغنى الدول وأكثرها ترفا، ولكن في عدم قدرتنا على اجتثاث مسبباته والأخذ بيد الفقراء حتى يعتمدوا على أنفسهم، بل أيضاً في تفعيل عمل المؤسسات الرسمية والوزارات والقدرة على مواجهة الأزمات وتحويلها إلى فرص.

**ألقيت هذه الكلمة في جلسة افتتاح "القمة العالمية للمرأة"، التي أقيمت في أبوظبي بين 21-22 فبراير 2023، برعاية سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك، وشاركت فيه سيدات فاعلات من مختلف أنحاء العالم.

هذه الورقة ستكون آخر مساهمة لي في صفحة "من زاوية أخرى"، التي رافقت همومنا وتطلعاتنا، لأن الموقع قرر إغلاق هذه الصفحة، من ضمن الاتجاه العام في التحول من الصحافة الورقية المكتوبة إلى الرقمية، ثم إلى – البصرية.

وسوف نفتقد بحسرة هذه المساحة الحرة التي ضمت نخبة من الاقلام العربية التي كتبت فيها بحرية تامة (مفتقدة في معظم الإعلام العربي، إذا لم يكن كله) ومن دون قيود أو رقابة من أي نوع، وحتى في نقد سياسات مرجعيات الحرة نفسها؛ شرط احترام الدقة والموضوعية والاستناد إلى مصادر موثوقة. والأسف على إغلاقها يعود لحاجتنا الماسة لهذه الأقلام الحرة في هذه اللحظات المصيرية التي تواجهها المجتمعات العربية.

لكن ما باليد حيلة، فالسياسات والحاجات، مهما كان مصدرها، لا تتماشى بالضرورة مع مصالح الشعوب. فوداعاً.