استشراف المستقبل القريب لمنطقة الشرق الأوسط القريب ليس وردياً على الإطلاق،
استشراف المستقبل القريب لمنطقة الشرق الأوسط القريب ليس وردياً على الإطلاق،

دخان الغزو الروسي لأوكرانيا وصراخ المجتمعات، على امتداد الكرة الأرضية، من الارتفاع الجنوني لكلفة "السلّة الغذائية"، لن يحجبا الاهتمام بوصول المفاوضات الهادفة إلى إحياء الاتفاق النووي مع إيران إلى خواتيمها، إذ إنّ أيّاماً قليلة تفصل العالم عن جواب طهران النهائي الذي قد يكون، على الأغلب، إيجابياً.

وإذا كانت أوروبا المرتجفة على ايقاع القوة العسكرية التي حرّكها "القيصر" فلاديمير بوتين موقظاً شبح الحرب من سباته العميق، والمربكة من انعكاسات العقوبات "ذات الحدّين" التي سوف تفرضها الولايات المتحدة الأميركية على روسيا، فإنّ الشرق الأوسط الذي يتعاطى، نسبياً، بهدوء وبرودة لافتين مع الحرب على أوكرانيا، سوف يدخل، بفعل انعكاسات الاتفاق النووي مع إيران، في دوّامته الخاصة.

ولن يكون الاتفاق النووي في حال وافقت طهران على المسودة الأخيرة التي بين يديها، حلّاً لمعضلة، بل بداية لمشاكل كثيرة.

الغرب يريد هذا الاتفاق، فهو، ولا سيّما في هذه المرحلة الروسية الخطرة، بحاجة الى أسواق جديدة وإلى مصادر طاقة إضافية، وتالياً فهو يتطلّع إلى أن يعوّض في إيران شيئاً من الخسائر التي ألحقتها روسيا به، وإيران نفسها، بحاجة إلى الخروج من الاختناق المالي-الاقتصادي الذي تمر فيه، وتالياً فهي سوف تحاول قدر المستطاع أن تفيد نفسها من حاجة الغرب إليها.

ومن شأن هذه المصلحة المشتركة بين الغرب وإيران، أن تُرجِئ كلّ بحث في الملفات التي تعني الدول المتضررة من إيران وأذرعها في المنطقة، خلافاً لما كان الجميع عموماً، والولايات المتحدة الأميركية خصوصاً، يعدون به، على قاعدة أنّه فور الانتهاء من الملف النووي سوف يتم فتح ملف "التأثير الخبيث" لإيران في المنطقة بدءاً بالأدوار التي تلعبها أذرعها في المنطقة، مروراً بالصواريخ البالستية، وصولاً الى الـ"درونز"… الانتحارية.

إنّ المعطى الذي أدخله فلاديمير بوتين إلى الغرب من البوابة الأوكرانية، سوف يرمي الاهتمام بملف "التأثير الخبيث" لإيران نحو مرتبة ثانوية، وهذا يعني أنّ "الحرس الثوري الإيراني" المستفيد الأوّل من رفع العقوبات المرتبطة بالملف النّووي، سوف تتضخّم قدراته المالية وتالياً سوف يرفع من دائرة مساهماته لأذرعه في المنطقة، حتى تسرّع من إنجاز مخطط الهيمنة التي رسمها وطالما سعى إلى تنفيذها، مستفيداً من انشغال الدول الكبرى بحروب فلاديمير بوتين وتداعياتها وانعكاساتها.

ومن البديهي، في ظل هذا المعطى ألّا تقف الدول المتضرّرة منه، مكتوفة الأيدي، الأمر الذي من شأنه أن يرفع وتيرة التأزّم في منطقة الشرق الاوسط الى مستويات غير مسبوقة.

وما كانت عليه أحوال الدول التي تتصدّى لإيران في العام 2015، تاريخ توقيع الاتفّاق النّووي الأساسيّ الذي عاد الرئيس الاميركي دونالد ترامب ومزّقه، قد اختلفت اختلافاً استراتيجياً، راهناً ولا سيما مع دخول اتفاقيات ابراهيم حيّز التنفيذ، من جهة واكتشاف الدول، بالاستناد إلى معاناة أوكرانيا المأساوية، أنّها ستجد نفسها تواجه مصيرها في الميدان، وحيدة، من جهة أخرى!

 وبالاستناد الى الأسبقيات، ونظراً للمعطيات الراهنة، وفي ظل عودة العالم الى أجواء "الحرب الباردة"، فإنّ استشراف المستقبل القريب لمنطقة الشرق الأوسط القريب ليس وردياً على الإطلاق، بل أحمرَ ممزوجاً بكثير من السواد.

ومن يراقب جيّداً الدينامية في الشرق الأوسط، فهو لا يجد سوى استعدادات لمواجهات دموية تتكاثر سيناريوهاتها، في ظل استخفاف كبير بالنمو الخطر في نسب "البطون الخاوية".

ولا يُخطئ من يعتقد أنّ في الشرق الأوسط أكثر من أوكرانيا واحدة ومن حكّام وأشباه حكّام يرغبون في أن يكونوا نسخاً عن فلاديمير بوتين الذي يرقص مرتاحاً في ميدان الحروب غير آبه بأيّ انعكاسات  مالية واقتصادية واجتماعية من شأنها أن تلحق أضراراً هائلة بشعبه وبضحاياه وبحاجة اقتصاده الهش الى التطوير، مثله مثل هؤلاء الطغاة الذين حماهم، بالقوة هنا والدبلوماسية هناك.

المسار الحالي للصراع يسير بشكل أفضل بالنسبة لأوكرانيا منه بالنسبة لروسيا
المسار الحالي للصراع يسير بشكل أفضل بالنسبة لأوكرانيا منه بالنسبة لروسيا

يصادف الجمعة (24 فبراير) مرور عام كامل على الحرب الروسية ضد أوكرانيا. ولمن يريد التذكّر فقد كان هدف هذه الحرب التي أمر الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، بشنها وسماها عملية عسكرية خاصة، كان هو إخضاع أوكرانيا عبر احتلال عاصمتها كييف ومدنها الكبرى، وإسقاط حكومتها، وتنصيب أخرى موالية لموسكو، ونزع سلاح الجيش الأوكراني، واعتقال المئات وربما الآلاف من القوميين الأوكرانيين المناوئين لروسيا وقتلهم أو محاكمتهم. 

وللتذكير أيضا فإن أيا من هذه الأهداف لم يتحقق. والفضل في ذلك يعود إلى جملة من العوامل أهمها صمود الأوكرانيين والأداء السيء للجيش الروسي، ومسارعة حكومات الدول الأوروبية والولايات المتحدة إلى تقديم العون والمساعدة للحكومة الأوكرانية.

بعبارة أخرى هذه الحرب لم تفشل فقط في تحقيق أي من أهدافها، ولكنها كانت كارثية على روسيا بجميع المعايير. 

لنتذكر أن مبرر موسكو لخوض هذه الحرب كان هو الخشية من انضمام أوكرانيا إلى حلف الناتو، وبالتالي وصول الحلف إلى حدودها الغربية مباشرة.

ولكن بعد عام من الحرب فإن دولتين أصبحتا قاب قوسين أو أدني من عضوية الناتو، وهما فنلندا والسويد، والأولى تجمعها حدود مباشرة مع روسيا. فهذه الحرب التي أرادت روسيا أن تبعد من خلالها الناتو عن حدودها، هي التي جلبت في الواقع الحلف إليها، في حين أن انضمام أوكرانيا لم يكن أمرا محتما.

يظل بالطبع "الإنجاز" الأكبر للحرب على أوكرانيا هو في تغيير نظرة الأوروبيين لأمنهم وأيضا لعلاقتهم بروسيا. 

هناك من المحللين من يبدي استغرابا من المواقف الأوروبية الحازمة تجاه روسيا ويتصورون خطأ أنها تأتي انصياعا للإرادة الأميركية، ولكن الحقيقة هي أن الغزو الروسي لأوكرانيا شكل تهديدا هو الأبرز من نوعه للقارة الأوروبية منذ الحرب العالمية الثانية. 

وتشعر العديد من الدول الأوروبية بانكشاف أمني بسبب هذه الحرب وتداعيتها. 

وجاء في تقرير أمني سنوي للاستخبارات العسكرية السويدية أن "المخاطر الأمنية على السويد زادت وأصبحت التهديدات للسويد أوسع وأكثر تعقيدا".

كما اعتبرت أن الوضع الأمني حاليا في أوروبا وفي المنطقة السويدية المحاذية "الأسوأ منذ بداية الثمانينيات على الأقلّ".

لكن أجهزة الأمن والاستخبارات العسكرية السويدية اعتبرت في تقريرها أن الوضع "ازداد أماناً" في السويد منذ إرسال طلب انضمامها إلى حلف شمال الأطلسي، وتلقيها ضمانات ثنائية بشأن الأمن من عدة دول، بانتظار العضوية.

الواقع أن الغزو الروسي أحدث حالة من الصدمة العنيفة التي ستظل تؤرق الأوروبيين إلى فترة طويلة قادمة. 

ولذلك لم يكن صدفة أن يخصص مؤتمر ميونيخ للأمن الحيز الأكبر من تركيزه على هذه الحرب. 

وفي هذا المؤتمر قال المستشار الألماني، أولاف شولتز، إنه يجب أن يدرك الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، أن أوروبا الآن موحدة أكثر من أي وقت مضى. في حين قال الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، إن الحلفاء الغربيين جاهزون لنزاع طويل الأمد في أوكرانيا، وإن "الوقت الآن ليس للحوار أو التفاوض، فقد اختارت روسيا الحرب ويجب مواجهتها".

والتشدد الأوروبي تجاه روسيا ليس منفصلا عن الموقف الأميركي الحازم من غزو أوكرانيا.

وتدرك الإدارة الأميركية أن الغزو الروسي ليس مجرد نزاع على الأراضي، ولكنه في العمق منه تهديد وجودي لأوروبا ومحاولة إخضاعها من جهة ومن جهة أخرى إرساء قواعد دولية جديدة يمكن فيها للدول الكبيرة والقوية أن تعبث بالخرائط والحدود كيفما شاءت.  

لذلك اختارت الولايات المتحدة الوقوف مع أوكرانيا حتى النهاية. ولعل الزيارة التي قام بها الرئيس بايدن لكييف هي إشارة قوية ولافتة على المدى الذي يمكن أن تذهب إليه الإدارة الأميركية في التصدي للغزو الروسي.

يبقى القول بأن النهاية العسكرية لهذه الحرب قد لا تكون قريبة، وإن حدوث تغيير سياسي داخل روسيا ربما يظل الخيار الأكثر ملائمة والأقل كلفة، لكن إذا كان ثمة أمل في حدوث مثل هذا التغيير، فهو لن يتم عبر التفاوض مع موسكو أو الضغط على الحكومة الأوكرانية للقبول بالوضع الراهن، وإنما على العكس من ذلك تماما، هو سيتم عبر التمسك بالسياسة الحالية والمتمثلة في تزويد أوكرانيا بما تحتاجه من معدات عسكرية ودعم سياسي ودولي وفي الوقت نفسه فرض المزيد من العقوبات على روسيا وإحكام عزلها. هذه السياسة هي التي ستنضج في الأخير نهاية مقبولة لهذه الحرب.