جانب من المظاهرات الأخيرة في المغرب احتجاجا على ارتفاع الأسعار
جانب من المظاهرات الأخيرة في المغرب احتجاجا على ارتفاع الأسعار

تميز الأسبوع الذي نودعه بجملة من الأحداث تفاعلت على الساحة المغربية بشكل متلاحق، بعد المسيرات الشعبية الحاشدة التي خرجت بأكثر من خمسين مدينة وبلدة بمختلف جهات المملكة، لبت نداء "الجبهة الاجتماعية"، رافعة شعارت تندد برفع أسعار المواد الاستهلاكية، وخنق الحريات والعودة بالبلد إلى "سنوات الرصاص". وكان لافتا ترديد شعار: "أخنوش ..ارحل"، للمطالبة برحيل رئيس الحكومة رجل الأعمال عزيز أخنوش ولم تمض سوى خمسة أشهر على تعيينه. 

والمثير أكثر أن جهات إعلامية معروفة بولائها للسلطات، ساهمت بالترويج لهذا المطلب الاحتجاجي. ما دفع البعض، إلى التشكيك في خلفيات رفع شعار مماثل، وليصرح عبد الإله بنكيران (الأمين العام لحزب العدالة والتنمية)، أنه ضد أن يرحل أخنوش أو تغييره بشخص آخر من حزبه (رجل الأعمال مولاي حفيظ العلمي)، كما تطالب بذلك أوساط ما، مؤكدا على أنه إذا اقتضى الأمر تغييرا فليتم عبر إعادة الانتخابات. 

سجناء بلا مجد 

كما شهدت محكمة الاسئتناف بالدار البيضاء في الأسبوع ذاته، متابعة تطورات محاكمتي الصحفيين عمر الراضي وسليمان الريسوني، التي يتعاطى معها الرأي العام الحقوقي في المغرب وخارجه، على أساس أنها "ملفات مفبركة"، بسبب مقالات وتحقيقات صحفية مزعجة نشرها كل من الراضي والريسوني، ووصفت التهم الأخلاقية الموجهة إليهما بــ "الباطلة والملفقة". 

وفي حين تستمر محاكمة الراضي، أصدرت محكمة الاستئناف بالدار البيضاء حكمها المؤيد للحكم الابتدائي، في حق الريسوني المتابع بتهمة "هتك العرض بالعنف والاحتجاز"، بالسجن لمدة خمس سنوات. 

وللتذكير، فقد تمت قبل أربعة أعوام، جرجرة صحفي آخر أمام القضاء، وهو توفيق بوعشرين، صاحب جريدة "أخبار اليوم"، (التي كان يعمل بها الريسوني)، وحكم عليه بـ 12 سنة سجنا نافذا، إثر اتهامه بملفات أخلاقية، أخطرها "الاتجار في البشر". وعرف بوعشرين هو الآخر بانتقاداته الحادة للسياسة الرسمية. وكان تقرير أممي ذكر أن "عتقال بوعشرين تعسفي يخالف الميثاق الدولي للحقوق المدنية والسياسية".  

أحد الحقوقيين، علق على محاكمات الصحفيين في العهد الجديد، بأن السلطات طورت من أدائها وممارستها الردعية، وباتت لا تمنح الصحفيين المتابعين مجد متابعتهم بسبب الرأي أو حرية التعبير، وحتى لا يستفيدون من تعاطف الرأي العام، تلفق لهم تهما جنسية، تؤدي إلى إدانتهم المسبقة من طرف الشارع، قبل صدور أحكام القضاء.  

تُهمٌ مستنسخة 

أما في العاصمة الرباط، فجرت محاكمة لا تقل عناوينها إثارة، حيث نطقت المحكمة الابتدائية بالسجن ثلاث سنوات حبسا نافذا على المحامي محمد زيان، مع غرامة مالية، بعد توجيه إحدى عشر تهمة في حقه، وجلها تهم أخلاقية، تبدأ بـ"إهانة رجال القضاء وموظفين عموميين"، مرورا بتهمة "بث ادعاءات ووقائع كاذبة قصد التشهير بالأشخاص عن طريق الأنظمة المعلوماتية، والتحريض على خرق تدابير الطوارئ الصحية"، وصولا إلى "المشاركة في الخيانة الزوجية، والمشاركة في إعطاء القدوة السيئة للأطفال نتيجة سوء السلوك، وتهريب مجرم من البحث ومساعدته على الهرب، والتحرش الجنسي". 

مبعث الإثارة في الحكم على محمد زيان، هو زيان نفسه، إنه شخصة إشكالية مثيرة للجدل. ولا إجماع حول سيرته ومساره المتقلب كشخص غير عادٍ على أكثر من صعيد. أولها عمره المتقدم، (قبل أيام قليلة احتفل زيان بعيد ميلاده التاسع والسبعين واقفا أمام المحكمة). وكونه كان وزيرا سابقا لحقوق الإنسان، ونقيبا سابقا لهيأة المحامين بالرباط، وأمينا عاما لحزب سياسي.  

في التسعينيات الماضية اشتهر بلقب "محامي الدولة"، عندما واجه لوحده عشرات المحامين المؤازين للزعيم النقابي اليساري محمد نوبير الأموي، الذي تابعته الحكومة المغربية على خلفية حوار صحفي أدلى به ليومية "الباييس" الإسبانية، ووصف فيه وزراء الحكومة بأنهم "لصوص".  

ومن مكر التاريخ، أن محامين  كانوا واجهوا "محامي الدولة" محمد زيان في سنة 1992، تحولوا اليوم هم "محامو الدولة"، وترافعوا باسمها ضده. وعلى رأس هؤلاء ابراهيم الراشيدي وعبد الكبير طبيح، المنتسبان إلى حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية بقيادة إدريس لشكر، إذ لم يعد الزمن هو الزمن، بعد أن مُسخ الحزب المشار إليه، من حزب يساري راديكالي معارض، يحظى بشعبية وثقة جماهيرية واسعة، إلى حزب صغير يزايد على أحزاب الموالاة التقليدية، حتى بعد أن تم ركنه خارج تشكيلة الحكومة الحالية، عكس إرادة كاتبه الأول الطامع في الاستوزار بأي ثمن. 

شراسة صوتية 

محمد زيان، القادم من بطانة "مخزنية"، ومن أجواء الطبقات العليا، كان صهرا للمستشار الملكي أحمد رضا غديرة (متزوجا من ابنته الصحفية الفرنكفونية المرحومة زبيدة غديرة قبل انفصالهما). يحبذ تعريفه بـ"المناضل اللبيرالي الوحيد". اعتاد الناس منذ استقالته من منصبه وزيرا لحقوق الإنسان، على خرجاته الإعلامية وشراسته الانتقادية، وألفوا انتقاداته للأوضاع السياسية. فهو مثلا لم يتردد بالقول إن "المغرب تحكمه فرنسا"، ووصف حكومة "التناوب" برئاسة الاشتراكي عبد الرحمان اليوسفي في 1998، بحكومة "تناوب ممنوح". وأنها "حكومة غير مجدية، مثل ذبابة اعتلت ذيل حمار". وأن كل ما فعلته حكومة اليوسفي هو "تهميش صريح للمبادئ وللقيم لفائدة أفراد من الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية".  

كما تجرأ زيان ووجه نقدا لاذعا إلى صديقه وزير الداخلية إدريس البصري، واصفا إياه بكونه "حالة مارقة" في المشهد السياسي المغرب، وأن هذا المشهد ليس سوى"رقعة شطرنج عفا عليها الزمن ومحكوم عليها بالفشل"، لأن الأحزاب السياسة القائمة هي مجرد "مخلوقات أوجدها النظام المغربي وفرضتها قوى أجنبية". ثم سدد سهامه إلى حزب الاتحاد الدستوري الذي انتمى إليه قبل أن يغادره، كونه "ليس حزبا ليبراليا كما يدعي. وهو حزب غير  قادر على الدفاع عن الليبرالية والمبادرة الخاصة لضمان مستقبل المغاربة". 

سبق لزيان تبوؤ مناصب مهمة بالدواليب الوزارية (مابين 1965 و 1968)، وفي نهاية الستينيات جرى تكليفه بإنشاء حزب إداري سرعان ما اختفى وغاب، يدعو إلى ما أسماه بـ"الاشتراكية الملكية". وفي 1984 ولج البرلمان باسم حزب "الاتحاد الدستوري" بزعامة المعطي بوعبيد، وعين عضوا بالمجلس الاستشاري لحقوق الإنسان. كما انتخب نقيبا لهيأة المحامين بالعاصمة. 

وكان زيان أول وزير مغربي حمل حقيبة "حقوق الإنسان" في التسعينيات، قبل أن يقدم استقالته احتجاجا على ما سمي بــ"حملة التطهير" التي نفذها وزير الداخلية إدريس البصري في صفوف رجال الأعمال. 

بعدها شاهدناه يضع يده في يد رجل الأعمال ناجم أباعقيل صاحب "حزب العمل"، ويتقدم مرشحا باسم هذا الحزب، قبل أن يغادره أيضا ويؤسس حزبه الخاص "الحزب الليبرالي المغربي في 2001، الذي أصبح اسمه "الحزب المغربي الحر". 

ورغم أن حزب زيان حاول الظهور بمنأى عن أساليب الأحزاب التقليدية، والنهل من قاموس ليبرالي يميني محافظ، والزعم أنه حزب مستقل، إلا أن صحفيين، ممن سافروا في آخر أبريل 2001، إلى مدينة الناضور على متن حافلات تعود لشركة نقل في ملكية محمد زيان، من أجل حضور أعمال المؤتمر التأسيسي للحزب الليبرالي، نقلوا أن المؤتمر عقد تحت إشراف عناصر من جهاز المخابرات المغربية بشكل مكشوف تقريبا. 

من مدلل إلى منبوذ 

لكن ما الذي حدث حتى انتقل زيان من وزير و"محامي الدولة" إلى عدو للسلطات؟  

هل يعود الأمر للسانه السليط وشراسته عند كلامه عن مآل الثروة الوطنية، التي تساءل ملك البلاد عنها مرة أمام البرلمان: "أين الثروة؟"، وقد أصبح زيان بكل مناسبة ومن دونها يسأل بدوره متهما: أين ثروات المغرب السمكية بالبحار، وأين معادن الذهب والفضة والنحاس المستخرجة من مناجم المغرب؟ وأين هي أموال الفوسفاط الذي يعد المغرب المنتج الأول له في العالم؟ 

وكانت سنة 2018 شهدت متابعة الصحفي توفيق بوعشرين قضائيا، فخرج محاميه زيان ليتهم المخابرات بتدبير وفبركة ملف فارغ. ورغم كون زيان رجل قانون فإنه لا يحرص على وزن كلماته، ما أوقعه في مواجهة مع القضاء واستدعائه للتحقيق مرات. 

وفي السنتين الأخيرتين تولى زيان ملف الدفاع عن ضابطة شرطة تم فصلها بعد اتهامها لرئيسها المباشر بالتحرش. وبعد مغادرتها المغرب برفقة ابنتها الصغيرة متسللة عبر مدخل مدينة سبتة المحتلة، ومنها إلى الولايات المتحدة الأمريكية حيث يقيم زوجها اليمني الجنسية، انضمت إلى أصحاب القنوات الرقمية المعارضة، وشرعت في بث فيديوهات تكيل فيها جملة من الاتهامات ضد إدارة البوليس المغربي. 

 فجأة، تم تسريب فيديو على موقع مغربي يظهر فيه محمد زيان عاريا كما ولدته أمه، وتبدو الضابطة المذكورة تجفف جسمه. فيديو قال عنه زيان أنه مفبرك من طرف أجهزة البوليس، وزاد من ثورته ضد مدير الأمن والمخابرات عبد اللطيف الحموشي، وضد وزير الداخلية عبد الكبير لفتيت، وأكثر من الظهور عبر وسائل التواصل الاجتماعي حيث كانت تتسارع القنوات الباحثة عن رفع عدد المشاهدات لنشر تصريحاته. 

وكان أحد أبنائه حكم عليه بالسجن، في بداية انتشار وباء كورونا بتهمة ترويج أقنعة غير مرخص بها. لكن زيان لم يصمت. 

ومن الطرف التي قام بها زيان، ليلة جلب فيها حفظة القرآن، افترش الأرض معهم أمام مبنى البرلمان لتلاوة المصحف كاملا على طريقة القراءة المغربية.  

وقبل اقل من شهرين صدر حكم قضائي بإفراغ النقيب السابق للمحامين من مكتبه بشارع محمد الخامس والذي يشغله منذ سنوات. 

نقطة فوق ريان 

وخلال أطوار محاكمته وقعت حادثة سقوط الطفل ريان في البئر التي هزت العالم، ولما شاهد صورة والدة الطفل الضحية على شاشة التلفزيون، وهي تتلقى هاتفيا تعزية الملك، هلل زيان مستبشرا باسم والدة ريان: وسيمة خرشيش، المتطابق مع لقب موكلته الضابطة الأمنية (وهيبة خرشيش)، وصرح أنه يتفاءل بهذه المصادفة، ناسيا أن لقبه لا يختلف عن الطفل الغريق سوى بنقطة واحدة فوق حرف "الراء"، وأنه مثله ذاهب صوب الغرق.  

إثر الحكم على زيان، عمّت موجة من التعاطف مع محنة رجل عجوز، ولم يعتد المغاربة محاكمة وسجن الوزراء الممارسين أو السابقين، والاستثناء حصل في سبعينيات  القرن الماضي، عندما اعتقل وزراء بتهمة الفساد، حظوا بالعفو لاحقا. 

وتضامن آخرون مع زيان لما تابعوا تصريحه: "في الثمانين من عمري لم يعد لدي ما أخسره، وأنه "لم يبق لدي ما أعمله في هذه الدنيا لأني صرت أبحث عن الآخرة". 

لكن الرجل المسن، ربما لا يتذكر أنه اختار لحزبه شعار "الأسد"، وانتقى  صورة أسد مشهور في المغرب، مرسوم على علبة أعواد ثقاب، وعوض الانتباه لهيبة الأسد، فإن ما بقي عالقا بأذهان الناس هو عود الثقاب. والسؤال هنا لا يخص شكل أسد افتراضي مهزوم، أو فصيلته الأطلسية المنقرضة، بقدر ما تهم حالة أعواد الثقاب، وقد تأكد أن بها بلل، وأن لا ضرر يخشى منها لو مست كومة حطب، بينما الخوف الأكبر يكمن في الحطب المثقل بسوائل قابلة للاشتعال، في ظل احتقان يسود واقعا مأزوما، مهيئا للانفجار في أي آن.  

معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية
معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية

السائد تقليدياً، التعامل مع الفقر كموضوع للإحسان من منظار ديني. لأن الدين يعتبر جزءا مهما من تكوين الهويات الجماعية، فهو يمنح قاعدة للتضامن الاجتماعي والحشد السياسي. لكن الفقر أصبح موضوعا سوسيولوجيا للدراسة في مطلع القرن الماضي. ويعتبر الفقر الآن أحد اشكال العنف التي يتعرض لها الانسان.

تاريخياً الفقراء هم البشر غير المرئيين، شخوص خرساء، إنهم الذين "لا صوت لهم" إلا كآثار عابرة تركوها عنهم من لا يعانون الفقر. التاريخ لم يعرف للفقراء حضورا أو صوتا. فالتاريخ لم يكن ينقل لنا سوى سِير وحكايات الملوك والأمراء والحكام وأبطال المعارك العسكرية، سواء في لهوهم او في عنفهم. لم يُذكر الفقراء إلا في معرض الشفقة وطلب الإحسان.

انتظر الفقراء بتواضع على عتبة التاريخ حتى مطالع القرن الماضي، قبل أن يتم التعرف عليهم، لكن بشروط.

لكن ما هو الفقر؟

في الفرنسية نسقط في الفقر كما في حفرة ونهوي في ظلمات العوز. في العربية أيضاً، فَقَرَ حفرة أي حفرها، فقُر الرجل: أي كسر فقار ظهره. فقر الخرز أي ثقبه. وفي الحالين نجد معنى السقوط والتدهور والانحلال وانكسار الظهر. وغالباً ما يكون الفقر مسؤولية صاحبه أو قدره. يصبح عندها كعاهة لا يمكن الاعتراض على وجودها!

وهذا ما يتوجب معالجته، إبطال فكرة الاستسلام أمام حالة الفقر. إنها مسؤولية الدولة وسياساتها والمجتمع والحروب والمجاعات والكوارث الطبيعية والأزمات الاقتصادية المنتجة الأساسية له.

حالة الفقر وضعية يخضع لها الفقير. تظل آنية أو تصبح دائمة. حالة ضعف وتبعية وتواضع، تتسم بالحرمان من الموارد وحرمان من المال والسلطة والنفوذ والعلم وشرف المحتد، أو من القوة الجسدية أو القدرات العقلية أوالحرية. وذلك بحسب الحقب والمجتمعات. الفقر مهين للكرامة الشخصية ويضم كل المستبعدين من المجتمع السوي.

تغيرت في القرن الحادي والعشرين معايير قياس الفقر عموماً، وبحسب تقرير التنمية البشرية لـ2019 حصل تقدم ملحوظ في الحد من أشكال الحرمان الشديد، فقد أفلت من براثن الجوع والمرض والفقر في أنحاء العالم عدد غير مسبوق من الناس الذين قفزوا فوق الحد الأدنى لمعيشة الكفاف.

لكن جائحة كوفيد، والحرب الدائرة في أوكرانيا، والعنف المستمر في العالم وفي العالم العربي، والزلزال في تركيا وسوريا مؤخراً، تسببت بإفقار الكثير من الدول العربية ومن دول العالم النامي.

منذ ما قبل هذه الأزمة كان عدم المساواة مستشرياً. فرغم التقارب النسبي في الإمكانات الأساسية لدى الكثير من الدول، أي غذاء وتعليم وصحة، لدينا تفاوت كبير علىى صعيد الإمكانات المعززة والنوعية التي تطال الحصول على الخدمات الصحية الجيدة أو خدمات التعليم الجيدة والحصول على التكنولوجيات، مما يوفر المناعة تجاه الصدمات الجديدة غير المعروفة.

في العالم العربي لا يزال الفقر المدقع من أعلى المستويات. انظر: "الفقر في العالم العربي.. أرقام صادمة"، الحرة 16 ديسمبر 2018.

تميز القرن العشرين بالنصوص العالمية المتعلقة بحماية حقوق الإنسان. من بينها الحق بتكوين أسرة والحق بحماية الحياة الأسرية. لكن هذا التطور لم يعبر عن نفسه على مستوى الواقع بشكل أتوماتيكي. ظلت الأسر الفقيرة منبوذة على هامش المجتمع ومعتبرة غير مؤهلة. لكن تطور النظرة إلى الحقوق الأساسية للإنسان أدّى الى ولادة اليوم العالمي للقضاء على الفقر في 17 أكتوبر 1987.

وقد أعلنوا أن الفقر يُشكل انتهاكا لحقوق الإنسان وأكدوا الحاجة إلى التضامن بغية كفالة احترام تلك الحقوق. 

لا يمكن الحديث عن الكرامة الانسانية في ظل الحروب والعنف العسكري والاجتماعي. 

الحديث عن كرامة في غياب المساواة ضرب من الخيال. والثقافة التقليدية تساهم في جعل اللامساواة مبررة ومقبولة واعتبارها أقرب إلى الصفات الوراثية.

ومع أن هناك إجماع على الاعتراف بحقوق المرأة، وبالمساواة بينها وبين الرجل، في أكثرية دساتير البلدان العربية. غير أن مجرد وجود ضمانات دستورية تكفل حق المرأة ولا يتجسد بالضرورة واقعا تحقق فيه المرأة كامل حقوقها المدنية والقانونية والسياسية.

تتسم أوضاع النساء العربيات عموماً بالهشاشة، خصوصاً في البلدان التي تعاني من سوء التنمية او الحروب؛ مما يزيد عدد الأرامل، وبالتالي الأسر التي تديرها المرأة بمفردها. وهذا أحد أهم مسببات الفقر المستدام، لأنهن عندما يدخلن دائرة الفقر فهن معرضات للبقاء فيها. 

من هنا بروز مفهوم تأنيث الفقر، وتصفه اليونيفيم (UNIFEM)  بأنه "عبء الفقر الذي تتحمله المرأة، خاصة في الدول النامية"، فتعاني من مستوى معيشي منخفض لا يكفي لتغطية الاحتياجات المادية والمعنوية مما يؤثر سلبا على الاحترام الذاتي للفرد أو للمجموعة.

 وهو ليس نتيجة لضعف الدخل فقط، بل أيضا نتيجة للحرمان من الإمكانيات والتحيزات الجنسانية الموجودة في كل من المجتمعات والحكومات. وهذا يشمل فقر الخيارات والفرص، مثل التمكن من عيش حياة طويلة وصحية وخلاقة، والتمتع بالحقوق الأساسية وبالحرية والاحترام والكرامة.

ويرتبط هذا المفهوم بمستوى المعيشة العام داخل المجتمع، كما يرتبط بكيفية توزيع الثروة ومكانة الفرد في مجتمعه، وبتوقعاته الاجتماعية والاقتصادية.

ونتائج الفجوات بين الجنسين في التوظيف، وأنشطة الأعمال، والحصول على التمويل، لا تكبل الأفراد فقط بل الاقتصاد برمته. ما يؤخر نمو وتقدم المجتمع. 

لذا هناك اهتمام كبير الآن بتعزيز روح التضامن العالمي، بالتركيز على حاجات الفئات الأضعف والأشد فقرا. كما  يجب الاعتراف وتشجيع الدور الذي يضطلع به القطاع الخاص المتنوع، ابتداء من المؤسسات المتناهية الصغر ومرورا بالتعاونيات وانتهاء بالشركات الكبرى؛ إضافة الى الدور الذي تضطلع به منظمات المجتمع المدني والمنظمات الخيرية في تنفيذ الأعمال المطلوبة.

للعمل الخيري القدرة على رفع آثار الأضرار المترتبة عن الأزمات الإنسانية، كما أن له القدرة على دعم الخدمات العامة في مجالات الرعاية الطبية والتعليم والإسكان وحماية الأطفال. والعمل الخيري فاعل جدا في تحسين الثقافة والعلوم والرياضة وحماية الموروثات الثقافية، فضلا عن تعزيزه لحقوق المهمشين والمحرومين ونشر الرسالة الإنسانية في حالات الصراع.

من المعلوم أن المجتمع المدني أقوى من الدولة في التجربة اللبنانية، فلقد اضطلع دائما بالجوانب التي تقصر بها الدولة، وبرز دوره خصوصاً في السنوات الأخيرة. فمنذ جريمة انفجار المرفأ في 4 آب عام 2020، تكفل المجتمع المدني والجمعيات الخيرية الاضطلاع بمسؤولية كافة المهام التي خلفها الانفجار، وقام مقام الدولة في ظل غيابها التام. فمن إسعاف المرضى إلى رفع الأنقاض والترميم إلى تدبير مساكن ومساعدات عينية لمن فقدوا منازلهم وهم بالآلاف. كل ذلك تكفلت به الجمعيات الخيرية والجمعيات المدنية. 

لكن، إذا كان العمل الخيري ضروري ويقوم بخدمات جليلة للمجتمع وللأفراد، ينبغي الحذر من أن يخلق مشكلة الاتكالية عند تلقي المساعدات بشكل دائم. فيتحول الفرد إلى كسول مفتقد لروح العمل يعتاش على الصدقات ومشاريع الإغاثة، فيتجذر الفقر. ونكون بهذا نتسبب بالضرر للمجتمع عندما نحول أفراده الضعفاء إلى معتاشين دائمين.

من هنا أهمية وضع برامج تهتم، إلى جانب المساعدة، بتوعية المستفيدين مع التدريب على برامج تنموية وإكساب معارف وتقنيات تساهم في تمكينهم  كي يستقلوا ويصبح باستطاعتهم تلبية حاجاتهم وحاجات أسرهم.

مشكلتنا ليست في الفقر فقط، فهو يوجد في أغنى الدول وأكثرها ترفا، ولكن في عدم قدرتنا على اجتثاث مسبباته والأخذ بيد الفقراء حتى يعتمدوا على أنفسهم، بل أيضاً في تفعيل عمل المؤسسات الرسمية والوزارات والقدرة على مواجهة الأزمات وتحويلها إلى فرص.

**ألقيت هذه الكلمة في جلسة افتتاح "القمة العالمية للمرأة"، التي أقيمت في أبوظبي بين 21-22 فبراير 2023، برعاية سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك، وشاركت فيه سيدات فاعلات من مختلف أنحاء العالم.

هذه الورقة ستكون آخر مساهمة لي في صفحة "من زاوية أخرى"، التي رافقت همومنا وتطلعاتنا، لأن الموقع قرر إغلاق هذه الصفحة، من ضمن الاتجاه العام في التحول من الصحافة الورقية المكتوبة إلى الرقمية، ثم إلى – البصرية.

وسوف نفتقد بحسرة هذه المساحة الحرة التي ضمت نخبة من الاقلام العربية التي كتبت فيها بحرية تامة (مفتقدة في معظم الإعلام العربي، إذا لم يكن كله) ومن دون قيود أو رقابة من أي نوع، وحتى في نقد سياسات مرجعيات الحرة نفسها؛ شرط احترام الدقة والموضوعية والاستناد إلى مصادر موثوقة. والأسف على إغلاقها يعود لحاجتنا الماسة لهذه الأقلام الحرة في هذه اللحظات المصيرية التي تواجهها المجتمعات العربية.

لكن ما باليد حيلة، فالسياسات والحاجات، مهما كان مصدرها، لا تتماشى بالضرورة مع مصالح الشعوب. فوداعاً.