الناشطة الألمانية أسست حركة طلابية ضد النازية
الناشطة الألمانية أسست حركة طلابية ضد النازية

"لن تكمم أفواهنا. نحن صوت الضمير، والوردة البيضاء لن تترككم في سلام". 

لأجل هذه الكلمات، نفذ في مثل هذه الأيام من شهر فبراير سنة 1943 حكم الإعدام بحق الطالبة الألمانية صوفي مجدولين شول، أحد أشهر رموز المعارضة لحكم الرايخ الثالث في ألمانيا النازية، الشابة الملهمة لشعبها ولأحرار العالم لثمانية أجيال متعاقبة. 

توفرت للنازيين بدائل أخرى لتنفيذ أحكام الاعدام بتهم الخيانة العظمى، كالإعدام شنقاً أو رمياً بالرصاص أو غرف الغاز المروعة التي استخدمت لإبادة المتخلفين عقلياً واليهود. لكنهم في قضية صوفي شول ورفاقها، أو ماعرف بقضية مجموعة الوردة البيضاء، تعمدوا استعمال المقصلة كرسالة ترهيبية واسعة النطاق، لبث رعب أكبر وإخماد أي صوت معارض، وبخاصة المعارضة السلمية التي بدأت تتفاعل في الظل وخلف جدران الخوف. 

تشكلت مجموعة الوردة البيضاء المؤثرة عام 1942، وضمت طلاباً من جامعة ميونيخ في مقدمهم صوفي شول وشقيقها هانز، والعديد من المثقفين ومفكري تلك المرحلة، جمعتهم "مشاعر الغضب والازدراء تجاه النازيين الذين ورطوا ألمانيا في حرب ستخسرها لامحالة"، وترجموا هذه المناهضة بأدوات سلمية مثل توزيع المناشير في الجامعات والأماكن العامة ووسائل النقل، أو عبر البريد والكتابة على الجدران. 

"سيدمر اسم ألمانيا إلى الأبد إذا لم ينهض الشباب الألماني وينتقم، ويغير الوضع الحالي، ويسحق الطغاة، وينشىء أوروبا روحانية جديدة". أفكار انطلقت منها المجموعة وشكلت نواة عملها وتوجهها للمقاومة السلمية لأجل "حرية التعبير وحرية الدين وحماية المواطن الفرد من العمل التعسفي للدول الدكتاتورية المجرمة"، وهي المبادىء والمفاهيم العريضة المشابهة لتلك التي أسست عليها أوروبا الحديثة بعد الحرب العالمية الثانية.  

تسعة وسبعون عاماً بالتمام والكمال مضت، ومازال أحرار العالم يحيون وينحنون لذكرى إعدام صوفي شول ورفاقها، بكثير من الوفاء والتقدير، كأنموذج مشرف يحتذى به للعمل باستمرار على دعم مفهوم الدور الشبابي والطلابي وتأثيرهم في مجتمعاتهم أينما وجدوا. بحيث بات إحياء هذه الذكرى أشبه بحاجة معنوية أممية، تكتسب مع كل استرجاع لها زخماً مضافاً، وتشكل حافزاً لإعادة شحن شجاعة قد تفتر، أو تنعش آمالاً قد تتضاءل. 

تكريم صوفي شول ورفاقها كرموز للمقاومة السلمية ترجم لاحقاً بالعديد من النصب التذكارية وتسمية شوارع ومدارس وقاعات جامعية بأسمائهم، كما ألهموا عدداً كبيراً من الأعمال الأدبية والفنية والثقافية، كان من أبرزها الفيلم الألماني الذي حمل اسم "صوفي شول- الأيام الأخيرةSophie Scholl-The Final Days " وحصد في حينه عدداً من أرفع جوائز المهرجانات العالمية، كما رشح للأوسكار كأفضل فيلم أجنبي 2006. 

استند الفيلم إلى معلومات ووثائق تاريخية سمح بتداولها، أسهبت في الإضاءة على تفاصيل جديدة تتعلق بصوفي شول وباقي أفراد مجموعة الوردة البيضاء. وأعاد في سردية محكمة محاكاة الأيام الخمس الأخيرة من حياة صوفي التي اعتقلت مع شقيقها هانز في 18 فبراير، وانتهت بإعدامهما مع رفيقهما الكسندر عصر يوم 22 فبراير 1943.  

كما ارتكز كبنية سينمائية عامة على قاعدة حوار عميق دار في غرف التحقيق أوغرف الرعب، وظل متماسكاً كعصب مشدود، لم يرتخ إخراجياً أو على مستوى الأداء الملفت لأبطاله، أو يجنح نحو إغراءات سينمائية بصرية لامكان أو مبرر لها في معالجة قضية شديدة الحساسية والدقة لنفس بشرية تواجه تهديد إنهاء حياتها، هادفاً إلى تكريس مثل هذه الحوارات في ذاكرة ووجدان  المشاهد الذي يشارك تصاعدها الدرامي بتصاعد أنفاسه بتأثر وتفاعل شديدين.  

بحيث يمكن أن يقال إنه فيلم عالمي خالص، يمكن لأي صاحب قضية مشابهة تناهض نظاماً استبدادياً حول العالم، أن يجرده من "ألمانيته" ويسبغ عليه صفات ومفردات هويته المحلية، ليبدو لبوساً يناسب الجميع، مؤكداً من جديد تشابه أنظمة الاستبداد ولغاتها ومفرداتها ورجالها وأدواتها في كل مكان وزمان.  

عند هذه النقطة تحديداً، تكتسب بعض الأعمال المميزة التي تحاكي قضايا الحرية ومحاربة الاستبداد أهميتها وديمومتها وسعة أفقها، عبر مقدرتها المستمرة على إثارة وتحريض كل نفس بشرية تواقة للانعتاق من نير الاستبداد.  

لماذا هذه الحرب؟ ولأجل من تزهق كل هذه الأرواح؟ ولماذا يقاد الجنود للحروب وتسلب حيواتهم التي كان بإمكانهم أن يمضوا بها بأمان وسلام وسعادة؟ ومن سيسدد ديون جرحى ومعاقي الحروب ويعيد إعمار المنازل التي كانت عامرة ويرمم الأنفس المهشمة؟ ومن سيطيب خاطر الأراضي المحترقة ويعيد العافية للأرزاق ويعوض عن كل هذا الدمار والخسائر؟. 

أسئلة دارت في كل زمان ومكان، ودارت بأسى في أذهان صوفي شول ورفاقها عن حرب عبثية قادها طاغية، وستظل تدور كل حين مع كل طاغية جديد، وكل حرب جديدة وتشابه الظروف والمعطيات.   

تستعاد ذكرى صوفي شول اليوم، ويعاد طرح مثل هذه الأسئلة مجدداً فيما الحرب على أوكرانيا في مثل هذه اللحظات تعصف بالأمن والسلام الروحي لكل نفس بشرية، تزعزع أمن وسلام العالم واقتصادياته وموارده، وتعد بأزمات لاحقة وشحّ أكبر جديد يضاف للشح والضيق القائم، وترمي بضحايا جدد لشبان وحيوات مشردة وأراض محروقة. 

تستعاد ذكرى صوفي شول كرمز للمقاومة السلمية ضد الطغاة، والتاريخ يكرر نفسه بمصادفة زمنية غريبة، وكمّ الأفواه والاعتقالات التعسفية والمحاكمات الصورية لمعارضي هذه الحرب الجديدة من الشباب الروسي ونشطاء السلام في ذروته. 

تستعاد مع الإدراك المؤلم أن أي مقاومة سلمية تخسر في الغالب وتداس بين أقدام العسس وغطرسة الاستبداد، لكنها لاتتوقف عن المحاولة لإيمانها أن الطغاة سيرحلون، وهي التي تنتصر وينصفها التاريخ في النهاية.    

صبيحة يوم إعدامها في الثاني والعشرين من فبراير، قالت صوفي شول:" ياله من يوم مشمس جميل، وأنا عليّ الرحيل، ماذا يهم موتي إذا كنا قد أحدثنا صحوة لدى الآلاف وتحفزوا للتحرك؟". 

المسار الحالي للصراع يسير بشكل أفضل بالنسبة لأوكرانيا منه بالنسبة لروسيا
المسار الحالي للصراع يسير بشكل أفضل بالنسبة لأوكرانيا منه بالنسبة لروسيا

يصادف الجمعة (24 فبراير) مرور عام كامل على الحرب الروسية ضد أوكرانيا. ولمن يريد التذكّر فقد كان هدف هذه الحرب التي أمر الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، بشنها وسماها عملية عسكرية خاصة، كان هو إخضاع أوكرانيا عبر احتلال عاصمتها كييف ومدنها الكبرى، وإسقاط حكومتها، وتنصيب أخرى موالية لموسكو، ونزع سلاح الجيش الأوكراني، واعتقال المئات وربما الآلاف من القوميين الأوكرانيين المناوئين لروسيا وقتلهم أو محاكمتهم. 

وللتذكير أيضا فإن أيا من هذه الأهداف لم يتحقق. والفضل في ذلك يعود إلى جملة من العوامل أهمها صمود الأوكرانيين والأداء السيء للجيش الروسي، ومسارعة حكومات الدول الأوروبية والولايات المتحدة إلى تقديم العون والمساعدة للحكومة الأوكرانية.

بعبارة أخرى هذه الحرب لم تفشل فقط في تحقيق أي من أهدافها، ولكنها كانت كارثية على روسيا بجميع المعايير. 

لنتذكر أن مبرر موسكو لخوض هذه الحرب كان هو الخشية من انضمام أوكرانيا إلى حلف الناتو، وبالتالي وصول الحلف إلى حدودها الغربية مباشرة.

ولكن بعد عام من الحرب فإن دولتين أصبحتا قاب قوسين أو أدني من عضوية الناتو، وهما فنلندا والسويد، والأولى تجمعها حدود مباشرة مع روسيا. فهذه الحرب التي أرادت روسيا أن تبعد من خلالها الناتو عن حدودها، هي التي جلبت في الواقع الحلف إليها، في حين أن انضمام أوكرانيا لم يكن أمرا محتما.

يظل بالطبع "الإنجاز" الأكبر للحرب على أوكرانيا هو في تغيير نظرة الأوروبيين لأمنهم وأيضا لعلاقتهم بروسيا. 

هناك من المحللين من يبدي استغرابا من المواقف الأوروبية الحازمة تجاه روسيا ويتصورون خطأ أنها تأتي انصياعا للإرادة الأميركية، ولكن الحقيقة هي أن الغزو الروسي لأوكرانيا شكل تهديدا هو الأبرز من نوعه للقارة الأوروبية منذ الحرب العالمية الثانية. 

وتشعر العديد من الدول الأوروبية بانكشاف أمني بسبب هذه الحرب وتداعيتها. 

وجاء في تقرير أمني سنوي للاستخبارات العسكرية السويدية أن "المخاطر الأمنية على السويد زادت وأصبحت التهديدات للسويد أوسع وأكثر تعقيدا".

كما اعتبرت أن الوضع الأمني حاليا في أوروبا وفي المنطقة السويدية المحاذية "الأسوأ منذ بداية الثمانينيات على الأقلّ".

لكن أجهزة الأمن والاستخبارات العسكرية السويدية اعتبرت في تقريرها أن الوضع "ازداد أماناً" في السويد منذ إرسال طلب انضمامها إلى حلف شمال الأطلسي، وتلقيها ضمانات ثنائية بشأن الأمن من عدة دول، بانتظار العضوية.

الواقع أن الغزو الروسي أحدث حالة من الصدمة العنيفة التي ستظل تؤرق الأوروبيين إلى فترة طويلة قادمة. 

ولذلك لم يكن صدفة أن يخصص مؤتمر ميونيخ للأمن الحيز الأكبر من تركيزه على هذه الحرب. 

وفي هذا المؤتمر قال المستشار الألماني، أولاف شولتز، إنه يجب أن يدرك الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، أن أوروبا الآن موحدة أكثر من أي وقت مضى. في حين قال الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، إن الحلفاء الغربيين جاهزون لنزاع طويل الأمد في أوكرانيا، وإن "الوقت الآن ليس للحوار أو التفاوض، فقد اختارت روسيا الحرب ويجب مواجهتها".

والتشدد الأوروبي تجاه روسيا ليس منفصلا عن الموقف الأميركي الحازم من غزو أوكرانيا.

وتدرك الإدارة الأميركية أن الغزو الروسي ليس مجرد نزاع على الأراضي، ولكنه في العمق منه تهديد وجودي لأوروبا ومحاولة إخضاعها من جهة ومن جهة أخرى إرساء قواعد دولية جديدة يمكن فيها للدول الكبيرة والقوية أن تعبث بالخرائط والحدود كيفما شاءت.  

لذلك اختارت الولايات المتحدة الوقوف مع أوكرانيا حتى النهاية. ولعل الزيارة التي قام بها الرئيس بايدن لكييف هي إشارة قوية ولافتة على المدى الذي يمكن أن تذهب إليه الإدارة الأميركية في التصدي للغزو الروسي.

يبقى القول بأن النهاية العسكرية لهذه الحرب قد لا تكون قريبة، وإن حدوث تغيير سياسي داخل روسيا ربما يظل الخيار الأكثر ملائمة والأقل كلفة، لكن إذا كان ثمة أمل في حدوث مثل هذا التغيير، فهو لن يتم عبر التفاوض مع موسكو أو الضغط على الحكومة الأوكرانية للقبول بالوضع الراهن، وإنما على العكس من ذلك تماما، هو سيتم عبر التمسك بالسياسة الحالية والمتمثلة في تزويد أوكرانيا بما تحتاجه من معدات عسكرية ودعم سياسي ودولي وفي الوقت نفسه فرض المزيد من العقوبات على روسيا وإحكام عزلها. هذه السياسة هي التي ستنضج في الأخير نهاية مقبولة لهذه الحرب.