U.S. President Donald Trump meets with Russian President Vladimir Putin during their bilateral meeting at the G20 summit in…
ترامب وصف بوتين بالذكي

عندما بدأ الغزو الروسي لأوكرانيا سارع الرئيس السابق، دونالد ترامب، والجناح المتطرف في الحزب الجمهوري والجماعات التي تؤمن بتفوق العنصر الأبيض إلى كيل المديح لفلاديمير بوتين، والسخرية من الرئيس بايدن ورد فعل حلف الناتو، متجاهلين كليا المضاعفات الكارثية لأول غزو من هذا النوع منذ الحرب العالمية الثانية على الشعب الأوكراني والأمن الأوروبي والسلم العالمي.

ترامب لم يخجل من وصف بوتين "بالعبقري" والإعجاب بقدرته على الحسم في حماية حدود بلاده، على حد زعمه، وواصل الثناء على "ذكاء" بوتين (بعد أن وصفه الرئيس بايدن "بالطاغي")، حتى بعد بروز المقاومة الأوكرانية الشجاعة التي أرغمته على إبداء التعاطف العلني مع محنة الأوكرانيين.

وزير الخارجية السابق مايك بومبيو  وصف بوتين"بالداهية" وبأنه "موهوب للغاية"  و "رجل دولة.. يستحق الاحترام". خلال سنوات ترامب في البيت الأبيض وثنائه السخي والمستمر على بوتين، رفع من شعبية ورصيد الرئيس الروسي في أوساط اليمين الأميركي إلى مستويات غير معهودة ولم يحدث أن حظي بها زعيم أجنبي في أوساط اليمين الأميركي من قبل. 

شخصيات إعلامية يمينية تطل على الأميركيين من شبكة التلفزيون فوكس، وتحظى بشعبية في أوساط الناخبين الجمهوريين، عكست موقفا مماثلاً لترامب، ودعت إلى عدم التورط في النزاع، وركزت على انتقاد أداء الرئيس بايدن في التعامل مع الأزمة واتهامه بالضعف.

وخلال مؤتمر هام للمحافظين الجمهوريين تحدث فيه ترامب وغيره من السياسيين الطامحين للرئاسة، تعرضت سياسة الرئيس بايدن تجاه اجتياح أوكرانيا إلى انتقادات لاذعة على خلفية هتافات الحضور الحماسية لاسم "بوتين، بوتين". 

بعض أقطاب الجناح التقليدي في الحزب الجمهوري، مثل زعيم الأقلية في مجلس الشيوخ السناتور، ميتش ماكونال، والسناتور ليندزي غراهام، وزعيم الأقلية في مجلس النواب كيفين ماكارثي ارتأوا المزايدة على بايدن مثل مطالبته بفرض عقوبات أقسى ضد روسيا، أو ركزوا على انتقاد أدائه الضعيف الذي أدى حسب ادعائهم إلى تشجيع روسيا على غزو أوكرانيا.

السناتور الجمهوري جوشوا هولي، دعا الرئيس بايدن للإعلان عن رفض واشنطن لعضوية أوكرانيا في حلف الناتو. والمرشح الجمهوري اليميني لعضوية مجلس الشيوخ عن ولاية أوهايو، جي دي فانس، لم يتردد في القول " من السخافة أن نركز على حدود أوكرانيا. بصراحة لا يهمني أبداً ما الذي سيحدث لأوكرانيا.." 

حتى قبل بروز ظاهرة ترامب في 2015، وحملته الرئاسية في 2016، حقق بوتين اختراقات هامة في أوساط المحافظين في الحزب الجمهوري واليمين الأميركي المتشدد تزامنت مع ارتفاع رصيد الرئيس الروسي في أوسط اليمين الاوروبي وقادته الذين دعمتهم روسيا في الانتخابات، مثل ماري لوبين في فرنسا وماتيو  سالفيني في ايطاليا، اضافة إلى تعاطف زعماء أوروبيين مع بوتين مثل رئيس وزراء هنغاريا فيكتور أوربان، ومستشار النمسا سباستيان كورتز. ويصف تيموثي سنايدر، المؤرخ لبروز الحركات المتطرفة المناوئة للديموقراطية الليبرالية في العالم، يصف بوتين بأنه "أيقونة" اليمين في أوروبا. 

التحالف القوي بين بوتين، القومي الروسي والسلافي والكنيسة الأرثوذوكسية الروسية رفع من رصيده في أوساط المسيحيين الإنجيليين المتشددين في الولايات المتحدة الذين وثقوا علاقاتهم ببوتين خلال ولاية ترامب. القس الإنجيلي المتشدد، فرانكلين غراهام، التقى ببوتين في موسكو وأعلن بعدها أن بوتين هو شريك قوي في حماية الأقليات المسيحية، وخاصة في الدول ذات الأكثريات المسلمة. حتى بعض الشخصيات الكاثوليكية نظرت إيجابيا إلى بوتين بسبب موقفه السلبي من حق المرأة بالإجهاض، وعدم تعاطفه مع حقوق المثليين. اليمين الأوروبي وكذلك الأميركي المتشدد مسيحيا، والذي يميل إلى اعتماد السياسات الانعزالية، ورفض الهجرة وخاصة من الدول الافريقية والآسيوية، يرى في فلاديمير بوتين، آخر زعيم مسيحي أبيض وقوي يدافع عن الحضارة المسيحية-الغربية التي تهددها موجات المهاجرين السمر من غير المسيحيين أو البيض.

هؤلاء يتحدثون بإعجاب عن انجازات بوتين الميدانية ضد المسلمين في الشيشان وسوريا. ويلتقي هؤلاء مع بوتين، في رفضهم وعدائهم للكوزموبوليتانية الليبرالية التي تمثلها النخب السياسية والثقافية المهيمنة على الحياة السياسية والثقافية في الدول الغربية.  

وهذه هي النخب التي يقول اليمين الأميركي الانعزالي أنها ورطت الولايات المتحدة في نزاعات وحروب خارجية "لا نهاية لها"، كما يقول ترامب، ومكلفة مثل حربي أفغانستان والعراق. وهي النخب ذاتها التي يرفضها بوتين، ويحتقرها ترامب. 

اليمين الأميركي الذي كان يبحث عن زعيم قوي، قبل أن يدّعي أنه وجده في شخص دونالد ترامب، تعلّق بفلاديمير بوتين، لأنه يتصرف بحزم في تعامله مع خصومه في الداخل، إن كانوا من معارضيه السياسيين أو من المفكرين والإعلاميين الذي يصرون على حرياتهم، كما يتصرف دون ليونة وبقسوة مع أعدائه في الخارج، ودون أن يبالي بالأعراف الدولية، للدفاع عن مصالح روسيا كما يتبين من غزوه لجورجيا في 2008، وغزوه الأول لأوكرانيا في 2014، وضمه لشبه جزيرة القرم، وبعدها تدخله العسكري في سوريا وليبيا. خلال السجال الراهن حول غزو بوتين لأوكرانيا، قال ترامب وغيره من الجمهوريين، أنه بدلاً من أن ينشغل الرئيس بايدن بالدفاع عن حدود أوكرانيا، عليه أن ينشغل في الدفاع عن حدود الولايات المتحدة مع المكسيك.  

هذه "الشعبوية" الأميركية التي نمت بشكل غير مسبوق خلال سنوات ترامب في البيت الأبيض، والتي ترى في بوتين حليفا روحيا وسياسيا وثقافيا، هي أوتوقراطية في جوهرها ومعادية لمفاهيم وتقاليد الليبرالية الديمقراطية الأميركية. هذه الشعبوية الأميركية تتوق إلى بوتين حقيقي أميركي.

الرئيس السابق ترامب يفتقر إلى انضباط وصبر بوتين ونفسه الطويل، وهذا كان لسوء حظ  اليمين الأميركي الأوتوقراطي والعنصري. ولكن افتقار ترامب لهذه المزايا كان لحسن حظ الولايات المتحدة...على الأقل في المدى المنظور.   

المسار الحالي للصراع يسير بشكل أفضل بالنسبة لأوكرانيا منه بالنسبة لروسيا
المسار الحالي للصراع يسير بشكل أفضل بالنسبة لأوكرانيا منه بالنسبة لروسيا

يصادف الجمعة (24 فبراير) مرور عام كامل على الحرب الروسية ضد أوكرانيا. ولمن يريد التذكّر فقد كان هدف هذه الحرب التي أمر الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، بشنها وسماها عملية عسكرية خاصة، كان هو إخضاع أوكرانيا عبر احتلال عاصمتها كييف ومدنها الكبرى، وإسقاط حكومتها، وتنصيب أخرى موالية لموسكو، ونزع سلاح الجيش الأوكراني، واعتقال المئات وربما الآلاف من القوميين الأوكرانيين المناوئين لروسيا وقتلهم أو محاكمتهم. 

وللتذكير أيضا فإن أيا من هذه الأهداف لم يتحقق. والفضل في ذلك يعود إلى جملة من العوامل أهمها صمود الأوكرانيين والأداء السيء للجيش الروسي، ومسارعة حكومات الدول الأوروبية والولايات المتحدة إلى تقديم العون والمساعدة للحكومة الأوكرانية.

بعبارة أخرى هذه الحرب لم تفشل فقط في تحقيق أي من أهدافها، ولكنها كانت كارثية على روسيا بجميع المعايير. 

لنتذكر أن مبرر موسكو لخوض هذه الحرب كان هو الخشية من انضمام أوكرانيا إلى حلف الناتو، وبالتالي وصول الحلف إلى حدودها الغربية مباشرة.

ولكن بعد عام من الحرب فإن دولتين أصبحتا قاب قوسين أو أدني من عضوية الناتو، وهما فنلندا والسويد، والأولى تجمعها حدود مباشرة مع روسيا. فهذه الحرب التي أرادت روسيا أن تبعد من خلالها الناتو عن حدودها، هي التي جلبت في الواقع الحلف إليها، في حين أن انضمام أوكرانيا لم يكن أمرا محتما.

يظل بالطبع "الإنجاز" الأكبر للحرب على أوكرانيا هو في تغيير نظرة الأوروبيين لأمنهم وأيضا لعلاقتهم بروسيا. 

هناك من المحللين من يبدي استغرابا من المواقف الأوروبية الحازمة تجاه روسيا ويتصورون خطأ أنها تأتي انصياعا للإرادة الأميركية، ولكن الحقيقة هي أن الغزو الروسي لأوكرانيا شكل تهديدا هو الأبرز من نوعه للقارة الأوروبية منذ الحرب العالمية الثانية. 

وتشعر العديد من الدول الأوروبية بانكشاف أمني بسبب هذه الحرب وتداعيتها. 

وجاء في تقرير أمني سنوي للاستخبارات العسكرية السويدية أن "المخاطر الأمنية على السويد زادت وأصبحت التهديدات للسويد أوسع وأكثر تعقيدا".

كما اعتبرت أن الوضع الأمني حاليا في أوروبا وفي المنطقة السويدية المحاذية "الأسوأ منذ بداية الثمانينيات على الأقلّ".

لكن أجهزة الأمن والاستخبارات العسكرية السويدية اعتبرت في تقريرها أن الوضع "ازداد أماناً" في السويد منذ إرسال طلب انضمامها إلى حلف شمال الأطلسي، وتلقيها ضمانات ثنائية بشأن الأمن من عدة دول، بانتظار العضوية.

الواقع أن الغزو الروسي أحدث حالة من الصدمة العنيفة التي ستظل تؤرق الأوروبيين إلى فترة طويلة قادمة. 

ولذلك لم يكن صدفة أن يخصص مؤتمر ميونيخ للأمن الحيز الأكبر من تركيزه على هذه الحرب. 

وفي هذا المؤتمر قال المستشار الألماني، أولاف شولتز، إنه يجب أن يدرك الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، أن أوروبا الآن موحدة أكثر من أي وقت مضى. في حين قال الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، إن الحلفاء الغربيين جاهزون لنزاع طويل الأمد في أوكرانيا، وإن "الوقت الآن ليس للحوار أو التفاوض، فقد اختارت روسيا الحرب ويجب مواجهتها".

والتشدد الأوروبي تجاه روسيا ليس منفصلا عن الموقف الأميركي الحازم من غزو أوكرانيا.

وتدرك الإدارة الأميركية أن الغزو الروسي ليس مجرد نزاع على الأراضي، ولكنه في العمق منه تهديد وجودي لأوروبا ومحاولة إخضاعها من جهة ومن جهة أخرى إرساء قواعد دولية جديدة يمكن فيها للدول الكبيرة والقوية أن تعبث بالخرائط والحدود كيفما شاءت.  

لذلك اختارت الولايات المتحدة الوقوف مع أوكرانيا حتى النهاية. ولعل الزيارة التي قام بها الرئيس بايدن لكييف هي إشارة قوية ولافتة على المدى الذي يمكن أن تذهب إليه الإدارة الأميركية في التصدي للغزو الروسي.

يبقى القول بأن النهاية العسكرية لهذه الحرب قد لا تكون قريبة، وإن حدوث تغيير سياسي داخل روسيا ربما يظل الخيار الأكثر ملائمة والأقل كلفة، لكن إذا كان ثمة أمل في حدوث مثل هذا التغيير، فهو لن يتم عبر التفاوض مع موسكو أو الضغط على الحكومة الأوكرانية للقبول بالوضع الراهن، وإنما على العكس من ذلك تماما، هو سيتم عبر التمسك بالسياسة الحالية والمتمثلة في تزويد أوكرانيا بما تحتاجه من معدات عسكرية ودعم سياسي ودولي وفي الوقت نفسه فرض المزيد من العقوبات على روسيا وإحكام عزلها. هذه السياسة هي التي ستنضج في الأخير نهاية مقبولة لهذه الحرب.