مراسل سي بي إس أوكرانيا
مراسل قناة سي بي إس الأميركية، شارلي داغاتا، أدلى بتعليقات مثيرة للجدل حول أوكرانيا. الصورة من موقع تويتر.

منذ الحملة الانتخابية للرئيس الأميركي السابق، دونالد ترامب، في 2016 وحتى بعد تسلمه الرئاسة، هاجمته وسائل الإعلام الغربية بكل شراسة، واتهمته بالعنصرية racist وبالإسلاموفوبيا Islamophobic وبالرهاب من الأجانب xenophobic.

لكن حسب ما نشاهده الآن في حرب أوكرانيا، فإن أقنعة العاملين في وسائل الإعلام الرئيسية mainstream media قد سقطت، والفارق الوحيد بين هؤلاء الإعلاميين – وأغلبهم يساريون أو كما يُطلق عليهم تقدميون progressives – وبين دونالد ترامب، هو النفاق في الطرح وازدواجية المعايير. فهم من جهة ينادون بـ "المساواة" و"حقوق الإنسان" لكن الحقيقة وزيف ادعاءاتهم تتضح من أول امتحان.

لم تمر تعليقات الإعلاميين الغربيين في القنوات المختلفة، مثل CBS وNBC الأميركية وBBC البريطانية وأيضا قناة الجزيرة الإنجليزية أثناء تغطيتهم الحرب في أوكرانيا مرور الكرام عند الإعلام العربي، ورواد مواقع التواصل الاجتماعي، فقد وصفت تلك التعليقات بـ "العنصرية" وافتقادها لـ "الإنسانية". 

ومن الأمثلة على ذلك تعليق أدلى به شارلي داغاتا الموفد الخاص لقناة CBS الأميركية إلى أوكرانيا، إذ قال في رسالة مباشرة: "مع خالص احترامي فإن هذا ليس مكاناً مثل العراق وأفغانستان اللذين عرفا عقوداً من الحروب. إنها مدينة متحضّرة أوروبية حيث لا ننتظر حصول أمر مماثل". أما مراسلة NBC الأميركية فقد ذكرت: "بصراحة هؤلاء لاجئون ليسوا من سوريا، هؤلاء لاجئون من أوكرانيا المجاورة. هؤلاء مسيحيون وبيض مشابهون جداً للأشخاص الذين يعيشون في بولندا. أما مراسل BBC فقد علق: "اعذروني إنه أمر مؤثر بالنسبة لي لأنني أرى أوربيين ذوي شعر أشقر وعيونهم زرقاء، يقتلون كل يوم بصواريخ بوتين" وكل ما أمكن للمذيع قوله للرد عليه كان:"أتفهم مشاعرك بالطبع وأحترمها".

لا نعلم ما هي المشاعر التي يتفهمها ويحترمها المذيع بالضبط، فهل هي "العنصرية" أو "استعلاء البيض" White supremacy؟ فعندما ذكرت مراسلة NBC "هؤلاء مسيحيون وبيض مشابهون جدا" وعلق مراسل CBS "هذا ليس مكاناً مثل العراق وأفغانستان إنها مدينة متحضّرة أوروبية" ألا يعتبر ذلك "رهاباً من الأجانب" و "عنصرية" و"استعلاء البيض" التي اتهمت بها هذه القنوات ترامب؟ إذاً لماذا كان كل هذا الهجوم ضده؟ لو كان ترامب ينتمي لنفس أيديولوجيتهم السياسية اليسارية لتمت التغطية عليه أو لتمت الإشادة به أيضا؟ إذاً ذلك الهجوم لم يكن بسبب "العنصرية" كما ادعوا، بل بسبب اختلاف التيارات السياسية، ولإقناع الشعوب بالهجوم ضده يُغلف ذلك الصراع السياسي على أنه بسبب محاربة عنصرية ترامب. أليس هذا عنوان الكذب والنفاق؟

الشيء الذي يثير التعجب أنه حتى قناة الجزيرة الإنجليزية، المحسوبة على أنها قناة عربية ناطقة باللغة الإنجليزية أيضا، تحابت مع نفس الخطاب الإعلامي الغربي العنصري، فقد ذكر مراسل الجزيرة:"ما يثير القهر أن هؤلاء ليسوا أشخاصاً يهربون من الشرق الأوسط أو أفريقيا، إنهم مثلنا، مثل أي عائلة أوروبية".

فبدل أن تكون قناة الجزيرة الإنجليزية صوت العرب في العالم الغربي، فهي تردد نفس العبارات العنصرية والتحريض على الكراهية الذي شاهدناه في القنوات الغربية. لا نعلم أين ذهب كل ذلك الهجوم ضد ترامب بسبب عنصريته، وتباكي القناة على وضع العرب والمسلمين في ظل حكم رئيس عنصري؟   

الازدواجية الأخرى التي يقوم بها الغرب، الذي طالما كان يدعو لحرية التعبير، هو حظر وسائل الإعلام الروسية المدعومة من الدولة، مثل روسيا اليوم RT وسبوتنيك والشركات التابعة لها "حتى لا تكون قادرة على نشر أكاذيبها لتبرير حرب بوتين" حسب ما ذكرته رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين. وقد غرد الكاتب البحريني، سعيد الحمد، على حسابه: "صدعنا الغرب وأميركا في محاضراتهم عن حرية التعبير، وفي أول امتحان يمنعون القنوات والشبكات والمواقع الروسية".

أما حساب الدرع الإماراتي، فقد وضح المفارقة عندما طالبت الرباعية، المقاطعة لقطر آنذاك، بغلق الجزيرة بسبب دعمها للإرهاب، منعت من قبل الدول الغربية بسبب حرية التعبير والآن يفعلون العكس تماما: "عندما طالبنا بإغلاق الجزيرة بسبب تدخلها في شؤون الدول وكونها منصة ميليشيات الإرهاب والتطرف، تبجح البعض بذرائع حرية الرأي والإعلام والصحافة، واليوم هناك أنباء عن حظر الاتحاد الأوروبي "روسيا اليوم" و"سبوتنيك" ووسائل إعلام روسية كونها تمثل وجهة النظر الروسية، إنها التناقضات من أوسع ابوابها".

أما بعض الإعلاميين الأميركيين، فقد ذهبوا إلى أبعد من ذلك بزعمهم أنه إذا تم إيقاف وسائل الإعلام الروسية من قبل الأوروبيين، فلم لا يتم إيقاف القنوات الإخبارية الأميركية المحافظة مثل Fox News وOne America News Network المختلفة في خطها التحريري مع وسائل الإعلام الرئيسية اليسارية، وهذا ما علق عليه الأكاديمي السعودي، الدكتور أحمد الفراج، على حسابه في تويتر: "الإعلامي الاميركي أندرو وورتمان بين زمنين. في 2018: ربما يتوجب إعادة قراءة الدستور، الذي ينص على حرية الصحافة وحرية الحديث. يوم أمس: إذا كان الاتحاد الأوروبي أوقف بث المنصات الروسية، فلماذا لا نوقف هنا في أميركا بث قناة فوكس وقناة أون".

إن حظر حرية التعبير لم يقتصر على وسائل الإعلام التقليدية فقط، ولكن أيضاً على الإعلام الجديد، فقد قام كل من YouTube وMeta بتقييد الوصول إلى المنافذ الروسية التي تديرها الدولة في أوكرانيا، كما ذكرت شركة Meta الأم لــ Facebook، أنها ستمنع مؤقتاً بعض القنوات الروسية، بما في ذلك روسيا اليوم، من جني أرباح الإعلانات من محتواها. أما شركة تويتر، فقد أعلنت أنها ستضع علامة خاصة على المحتوى الذي تنشره وسائل الإعلام والمواقع المرتبطة بالحكومة الروسية، وهو عمل مشابه لما قامت به الشركة ضد دونالد ترامب. وقد دفع ذلك بعض الصحفيين العرب إلى استنكار تقييد الحريات على وسائل التواصل الاجتماعي، فقد غرد الصحفي الإماراتي، محمود العوضي:"فيسبوك وإنستغرام أبناء "ميتا" ينحازون لمعسكر الغرب وغوغل يتعاطف مع أوكرانيا.. فهل ينضم تيك توك الصيني لروسيا؟ في النهاية كنا نعتقد أن السوشال ميديا مِلك لنا ولكن في المعارك الكبرى هناك من يديرها ويوجهها ونحن مجرد زبائن".

وبعد كل هذه الازدواجية في المعايير يتساءل الغرب عن سر إعجاب بعض رواد مواقع التواصل العرب بشخصية الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين. في الواقع هو ليس إعجاباً بشخصه بقدر ما هو الاتفاق معه في تعرية النفاق الغربي، خاصة عندما وصف الغرب في اجتماعه الاقتصادي بأنه "إمبراطورية الأكاذيب"، وقد تفاعل مع وصفه الكثير من المغردين العرب لأنه يطابق ما يشاهدونه في الإعلام الغربي وعلى أرض الواقع أيضاً.

بهذه المعايير المزدوجة سيفقد الغرب كل حليف له لصالح خصومه، وهذا الانشقاق لن يكون فقط على المستوى الخارجي بل أيضا في الداخل، فقد شاهدنا كيف قسمت هيمنة وسائل الإعلام الرئيسية الداخل الأميركي بين محافظ وتقدمي يساري، فأنصار ترامب مقاطعون لوسائل الإعلام تلك، لأنها فقدت مصداقيتها بالنسبة لهم، وهذا ما دفع ترامب لإطلاق منصته للتواصل الاجتماعي، التي ستكون جاهزة بالكامل في نهاية شهر مارس، فإلى متى ستستمر وسائل الإعلام بالهيمنة والازدواجية وماذا ستكون نهاية ذلك؟

استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا
استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا

حلت في الرابع والعشرين من فبراير الجاري، الذكرى السنوية الأولى للحرب الروسية على أوكرانيا مثقلة بأحمالها من عدد القتلى والمنكوبين والدمار الشاسع، ومثقلة بالمثل بالتحالفات والتجاذبات حولها وكل ما أفضت إليه من تداعيات سياسية واقتصادية وأمنية عالمية. حرب تمنى، بل سعى عدد من عقلاء العالم لإنهائها قبل أن تنهي عامها الأول، لكن رحاها العنيفة التي ما زالت تدور على الأرض مدفوعة بمنطق التعنت والتحدي الروسي، لا تبشر باحتماليات تسوية قريبة أو توقفها في الأفق القريب وحفظ من ظل حياً أو مابقي قائماً على الأرض.

باستثناء مصانع السلاح وشركات المقاولات وتجار الحروب، لم يخرج أحد يوماً من أي حرب إلا وهو خاسر بالمطلق حتى ولو انتشى بالنصر. ولم ينج أحد من الندبات العميقة التي تخلفها الحرب في ملامح أربعة أو خمسة أجيال قادمة في أقل تقدير. وحرب روسيا القائمة لم تظلم أوكرانيا وحدها، بل ظلمت الشعب الروسي أيضاً، وظلمت العالم برمته وكبدته أثماناً باهظة كان يمكن تجنبها ببعض الحكمة.

إذ، وبحسب تقرير صدر عن البنك الدولي في 4 أكتوبر الفائت حول أحدث مستجدات الأداء الاقتصادي في منطقة أوروبا وآسيا الوسطى، فإن هذه الحرب "قد أضعفت آفاق التعافي الاقتصادي بعد الجائحة لاقتصادات الأسواق الصاعدة والنامية في المنطقة، وأن النشاط الاقتصادي سيبقى منخفضاً للغاية خلال العام المقبل". وأضاف التقرير أن" الاقتصاد العالمي لا يزال يعاني من الضعف بسبب الحرب من خلال الاضطرابات الكبيرة في التجارة وصدمات أسعار الغذاء والوقود، وكلها عوامل تسهم في ارتفاع معدلات التضخم ومايليها من تشديد في أوضاع التمويل العالمية".

حول التشديد في أوضاع التمويل العالمية، وهو بيت القصيد، يمكن فهم هذه المصطلحات الاقتصادية بما ترجم عملياً على الأرض في الأشهر الأخيرة، ويتعلق باتساع الفجوة بين احتياجات التمويل في معظم وكالات الأمم المتحدة من جهة، وبين الأموال التي تتلقاها هذه الوكالات من الجهات المانحة، والتي تعرضت ميزانياتها بدورها إلى ضغوط شديدة أفضت إلى هذه التخفيضات الخطيرة في تمويل الأولويات الإنسانية وفي مقدمها مساعدات الصحة والغذاء التي تغطي احتياجات الملايين عبر العالم، والتي لم تصل حتى إلى نصف الرقم المطلوب الذي قدر في نهاية العام الفائت ب51.7 مليار دولار.

كما أعاد زلزال 6 فبراير الجاري الذي ضرب مناطق شاسعة في تركيا وسوريا أزمة انخفاض التمويل العالمي إلى واجهة الحدث وأبرز تداعياتها الفاقعة المتعلقة بمقياس الاستجابة الأممية لتلبية احتياجات متضرري الزلزال في سوريا بشكل خاص. والحديث هنا ليس عن مساعدات الإغاثة التي تم إرسالها بمبادرات فردية ومجتمعية محلية نبيلة ومن دول وجهات سورية وإقليمية وعربية ودولية، بل عن شبح الاحتياجات القادمة طويلة الأمد التي يصعب تقدير أرقامها الحقيقية قياساً بكارثية ماخلفه الزلزال بضربة واحدة من دمار يعادل حجم الدمار الذي حل بأوكرانيا خلال عام.

في الثالث عشر من فبراير الجاري، أطلق من سوريا المدير العام لمنظمة الصحة العالمية نداءً إنسانياً لجمع 43 مليون دولار لدعم جهود الاستجابة لمصابي الزلزال، وهو رقم أيضاً سيغطي احتياجات صحية آنية، لكنه لن يتمكن من سد الاحتياجات الصحية المتوقعة في الأشهر القادمة، وبخاصة مع تنامي المخاوف من احتمالية انتشار الأوبئة في المناطق المنكوبة بسبب تلوث العديد من مصادر المياه النظيفة المتاحة ودمار البنية التحتية والصرف الصحي، وفي مقدمها الكوليرا والأمراض الجلدية.

ثلاثة وأربعون مليون دولار يمكن أن تنقذ مئات الآلاف من الأرواح، وهو رقم يشكل نقطة متناهية في صغرها في ميزانيات الحروب، وثمناً لبضع صناديق من الأسلحة شديدة الفتك. كما أن مثل هذا الرقم، وكما يقول مثل شعبي دارج (من طرف الجيبة) لبعض المؤسسات الدولية الضخمة وبعض الزعماء الأثرياء. ولو كان هذا العالم بخير، لما اضطر مدير منظمة الصحة العالمية لإطلاق مناشدته للمطالبة بمثل هذا الرقم الهزيل، ولما شاهدنا مئات الأطفال من ضحايا الزلزال مازالوا يفترشون الأرض في العراء وأهاليهم يستجدون خيمة فقط.

ملايين المتضررين من الزلزال ليسوا وحدهم من يعاني اليوم وإن كانوا الأحدث في مشهدية الفواجع، بل تصطف إلى جانبهم سلاسل بشرية طويلة من المبتلين بنكبات مختلفة عبر العالم، كان يمكن التخفيف من وطأة وإذلال إحتياجاتهم نسبياً لو لم نشهد مثل هذا الانكماش الاقتصادي والضيق والعسر الذي يمر به العالم وتسبب في شح المساعدات الإنسانية. إذ بدت احتماليات تعافي العالم ممكنة نسبياً إلى ماقبل عام من اليوم لو لم تندلع حرب روسيا على أوكرانيا، والتي كلفت خلال عام واحد أموالاً يصعب تعدادها، كان يمكن أن تنفق على تحسين شروط العيش، وليس على صناديق الموت.

وللتذكير في السياق، كانت جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة (روسيا ضمناً كعضو أصيل) قد اعتمدت عام 2015 أهداف التنمية المستدامة التي تعرف باسم الأهداف العالمية "باعتبارها دعوة عالمية للعمل على إنهاء الفقر وحماية الكوكب وضمان تمتع جميع الناس بالسلام والازدهار بحلول عام 2030". والتزمت هذه البلدان "بتسريع التقدم لأولئك الذين في الخلف بعد".

لكن نظرة سريعة إلى العالم خلال السنوات الثمانية الفائتة التي أعقبت هذه الدعوة الأممية "الطوباوية"، لا تؤكد ازدياد معدلات الفقر وتضرر الكوكب وعدم توفر السلام والازدهار لدى معظم شعوب الأرض فقط، بل تشمل في خيباتها أولئك الموعودين بالتقدم "الذين في الخلف"، والذين باتوا في الخلف الخلف أكثر، أو تحت أنقاض الوعود.

وحرب روسيا على أوكرانيا التي تنهي عامها المأساوي الأول وتدمر البشر والحجر بإرادة إنسانية، ومازالت تستنزف جميع اقتصادات العالم وستظل تستنزفها إلى وقت طويل، ليست سوى خراب مضاعف ومضاف يفاقم من خراب هذا العالم البائس الذي يبهت الرجاء في تعافيه من ابتلائه كل حين بأحد صنّاع الخراب.