تشير تطورات الأحداث على الأرض إلى أن الأمور لا تسير على ما يرام مع روسيا
تشير تطورات الأحداث على الأرض إلى أن الأمور لا تسير على ما يرام مع روسيا

قبل قرنين تماما قال المنظّر العسكري البروسي كارل كلاوزفيتز: "الحرب هي استمرار للسياسة لكن بوسائل أخرى"، أي أن للحرب أهداف سياسية محددة إذا لم تتحقق فإن هذا يعني خسارة الحرب مهما كان توازن القوى العسكرية على الأرض، وتأكيدا على ذلك فقد منيت دول عظمى بخسائر مدوية كما حدث مع الولايات المتحدة في فيتنام وأفغانستان وكما حدث مع الإتحاد السوفييتي في أفغانستان حيث لعبت هزيمته هناك دورا في انهياره، واليوم في أوكرانيا عند النظر إلى ميزان القوى العسكري يبدو أن هناك تفوق كاسح للجيش الروسي على الجيش النظامي الأوكراني، وكأن المعركة محسومة سلفا لمصلحة روسيا، ولكن هل يسمح فارق القوة هذا لروسيا بتحقيق الأهداف السياسية التي أعلنت عنها عند بداية غزوها لأوكرانيا؟.

 فإذا تمكّن الجيش الروسي من إلحاق هزيمة بالجيش الأوكراني فهل لديه الإمكانية لاحتلال بلد كبير مثل أوكرانيا فيه أكثر من 40 مليون إنسان أغلبيتهم الساحقة معادية بشدة لروسيا وللرئيس بوتين بشكل خاص، لأن تحقيق ذلك يحتاج لتواجد عسكري روسي طويل الأمد وما يقوله الإعلام عن تنصيب حكومة موالية لموسكو ثم انسحاب القوات الروسية ليس ممكنا في الظروف الحالية، إذ لن يكون لمثل هذه الحكومة شرعية دولية أو شعبية في الداخل الأوكراني وسيبقى وجودها مرهونا ببقاء جيش الاحتلال.

وحتى الآن تشير تطورات الأحداث على الأرض إلى أن الأمور لا تسير على ما يرام مع روسيا وأن كثيرا من الحسابات التي بنى عليها بوتين مخططاته كانت خاطئة، فمن الجانب العسكري كانت توقعات القيادة الروسية والتي كانت ترددها البروباغندا الروسية ومعها قسم كبير من الإعلام الغربي والعربي أن الجيش الأوكراني سينهار مع بداية الهجوم الروسي بل قال بعض الخبراء العسكريين أن هذا الانهيار سيحدث عند أول غارة جوية أو هجمة صاروخية، حتى أن مصادر عسكرية أميركية كانت تقدّر الوقت المتبقّي لسقوط العاصمة كييف بيد الروس بالساعات.

ولكن ما حدث على أرض الواقع كان مختلفا، فقد مضت عدة أيام على الغزو الروسي والجيش الأوكراني مازال قويا ومتماسكا ويواجه بشجاعة القوات الروسية، بل إن الصور التي تأتي من هناك تظهر أرتالا من الدبابات والعربات الروسية المدمرة مع معلومات تتحدث عن خسائر بشرية غير قليلة في الجانب الروسي ترافقت مع تقارير استخباراتية قالت أن الهجوم الروسي قد فقد زخمه، وربما كان هذا هو الخطأ الأول في حسابات بوتين، والذي ترافق مع مبالغة في تقدير قوّة الجيش الروسي، حيث أظهرت بعض التقارير الصحفية وجود خلل في عمل منظومة تموين الجيش مثل توقف بعض الآليات لنقص الوقود أو عدم وصول الطعام للجنود، وكانت النقطة الأهم تخلّف السلاح الروسي مقارنة مع السلاح الغربي خاصة من ناحية مضادات الدبابات والطائرات المسيّرة، كما بدت الأسلحة الروسية غير دقيقة رغم قوتها التدميرية الكبيرة.

وكان الخطأ الآخر والأكثر أهمية في حسابات بوتين هو توقّعه انهيار الحكومة الأوكرانية عند انطلاق العملية العسكرية اعتقادا منه أن نسبة كبيرة من الشعب الأوكراني ستحمّلها مسؤولية هذه الحرب، وأن ثورة شعبية أو تمرّد عسكري سيحدث ويعزل هذه الحكومة، ولكن الذي حدث كان معاكسا تماما، فقد التفت أغلبية واسعة من الشعب الأوكراني حول قيادتها المنتخبة ديموقراطيا خصوصا حول الرئيس زيلينسكي الذي أصبح بطلا ورمزا داخل أوكرانيا وخارجها نتيجة إصراره على البقاء مع شعبه في كييف وتجوّله في الشوارع رغم خطر الاستهداف من طرف الروس بالإضافة إلى نجاحه في مخاطبة العالم وحشد التأييد لقضيته سياسيا واقتصاديا وعسكريا، بينما في المقابل انعكست هذه الحرب سلبا على الشارع الروسي نفسه فقد تظاهر الآلاف في المدن الرئيسية ضد هذه الحرب وتم اعتقال أكثر من ثلاثة آلاف شخص خلال أول يومين فقط كما اعترض بعض المليارديرات الروس علنا على الغزو الروسي وهذه أمور غير مألوفة في هذا البلد.

كما بنى بوتين خططه لغزو أوكرانيا معتمدا على صعوبة بناء موقف أوروبي موحّد لمواجهته، نتيجة علاقته الاقتصادية القوية مع ألمانيا التي تزودها روسيا بنسبة كبيرة من حاجتها من الغاز، وكذلك من خلال قراءته للموقف الفرنسي الميّال للمهادنة والحلول الوسط في سنة انتخابية حساسة عند الرئيس ماكرون، بالإضافة إلى نفوذ الشعبويين الكبير في إيطاليا والذين يميلون لعلاقات مقبولة مع روسيا، ولكن الذي حدث أن أوروبا اتحدت بالكامل خلف أوكرانيا وتسابقت جميع دولها في إرسال الأسلحة لها، وفرضت عقوبات غير مسبوقة على روسيا ومنعت طائراتها من العبور فوق أوروبا، حتى قيل لقد أيقظ بوتين المارد الأوروبي.

ولم يتوقف الموقف الأوروبي عند ذلك، بل طرأت تغييرات إستراتيجية على السياسات الأوروبية أساسه كيفية مواجهة روسيا وسياساتها العدوانية، فدول مثل السويد وفنلندا التي كانت حريصة على حيادها بدأت في التفكير بالانضمام إلى حلف الناتو وهذا ما يبحثه البرلمان الفنلندي حاليا، ولكن التغيير الأهم كان في ألمانيا التي أعادت النظر في سياستها الدفاعية وخصصت 100 مليار يورو مع 2 في المائة من ناتجها الوطني سنويا لبناء جيش قوي قادر على حماية البلاد وحماية أوروبا بالكامل.

كما فشلت مراهنة بوتين على ضعف مواقف الإدارة الأميركية الحالية نتيجة نفوذ يسار الحزب الديمقراطي فيها، لكن الموقف الأوروبي القوي وصمود الجيش والشعب الأوكراني لم تترك أمام الولايات المتحدة من خيار سوى اتخاذ موقف ينسجم مع الرأي العام الأميركي والعالمي، فأرسلت لأوكرانيا مساعدات عسكرية وفرضت عقوبات غير مسبوقة على روسيا وعلى بوتين شخصيا، ولم يتمكن اليسار الأميركي من الدفاع عن سياسة بوتين العدوانية والمتهورة، وبذلك عادت وحدة حلف شمال الأطلسي متينة بشكل لم يحدث منذ عقود.

ونتيجة مراهنة بوتين على تحقيق نصر سريع يجعله بطلا قوميا بعيون الروس والعالم فقد أكّد خلال التحضيرات لهذه الحرب بأنها حربه الشخصية، فجمع قادة الدولة الروسية في استعراض أمام الإعلام قام فيه بدور مدير المدرسة الذي يمتحن طلّابه ولم يمانع في جعل رئيس مخابراته يتلعثم وهو يبالغ في إحراجه، ليؤكد أنه صاحب القرار الأول والأخير وأن هذه الحرب هي حربه الشخصية وهو يتحمل مسؤوليتها بالكامل، وربما لذلك شملته شخصيا عقوبات دولية وضعته في قائمة واحدة مع شخصيات منبوذة مثل كيم أون وبشار أسد.

كما أضاف بوتين إلى حساباته الخاطئة تصرّفات لا تليق برئيس دولة عظمى عندما أجرى مناورات نووية قبل ساعات من غزو أوكرانيا وأرفقها بتهديدات فظّة: "كل من يحاول عرقلة عملنا أو خلق تهديدات لبلادنا يجب أن يعرف أن الرد سيكون فوريا ويؤدي إلى عواقب لم يسبق لها مثيل في التاريخ"، وبعد فشل قواته في تحقيق تقدّم ذو قيمة على الأرض أعلن عن وضع قوات الردع الإستراتيجي الروسية في حالة تأهب وهو تلويح آخر باستخدام الأسلحة النووية، وقد اعتبر أغلب السياسيين في العالم هذا التلويح بأنه غير عقلاني ومتهور، حتى وصفت صحيفة بريطانية كبيرة بوتين بالمجنون الذي يهدد بالنووي.

والآن كيف ستتطور الأحداث خلال الأيام والأسابيع القادمة؟، هل سيحاول بوتين العثور على مخرج مشرّف يستطيع تسويقه كانتصار مثل الاعتراف بالأقاليم الشرقية ككيانات شبه مستقلة أو بضم شبه جزيرة القرم لروسيا مع تأجيل انضمام أوكرانيا للناتو دون التدخل في مصير الحكومة الأوكرانية، أم هل سيستمر في مغامرته العسكرية وما سيترتب عليها من نتائج كارثية على روسيا وأوكرانيا والعالم هذا ما ستكشفه الفترة المقبلة، وإذا استمر الإخفاق الروسي فلن نستغرب إذا خرج علينا محللون سياسيون عرب بنظرية أن كل ما حدث لم يكن سوى فخ أعدته الولايات المتحدة بعناية للقضاء على بوتين!.

معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية
معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية

السائد تقليدياً، التعامل مع الفقر كموضوع للإحسان من منظار ديني. لأن الدين يعتبر جزءا مهما من تكوين الهويات الجماعية، فهو يمنح قاعدة للتضامن الاجتماعي والحشد السياسي. لكن الفقر أصبح موضوعا سوسيولوجيا للدراسة في مطلع القرن الماضي. ويعتبر الفقر الآن أحد اشكال العنف التي يتعرض لها الانسان.

تاريخياً الفقراء هم البشر غير المرئيين، شخوص خرساء، إنهم الذين "لا صوت لهم" إلا كآثار عابرة تركوها عنهم من لا يعانون الفقر. التاريخ لم يعرف للفقراء حضورا أو صوتا. فالتاريخ لم يكن ينقل لنا سوى سِير وحكايات الملوك والأمراء والحكام وأبطال المعارك العسكرية، سواء في لهوهم او في عنفهم. لم يُذكر الفقراء إلا في معرض الشفقة وطلب الإحسان.

انتظر الفقراء بتواضع على عتبة التاريخ حتى مطالع القرن الماضي، قبل أن يتم التعرف عليهم، لكن بشروط.

لكن ما هو الفقر؟

في الفرنسية نسقط في الفقر كما في حفرة ونهوي في ظلمات العوز. في العربية أيضاً، فَقَرَ حفرة أي حفرها، فقُر الرجل: أي كسر فقار ظهره. فقر الخرز أي ثقبه. وفي الحالين نجد معنى السقوط والتدهور والانحلال وانكسار الظهر. وغالباً ما يكون الفقر مسؤولية صاحبه أو قدره. يصبح عندها كعاهة لا يمكن الاعتراض على وجودها!

وهذا ما يتوجب معالجته، إبطال فكرة الاستسلام أمام حالة الفقر. إنها مسؤولية الدولة وسياساتها والمجتمع والحروب والمجاعات والكوارث الطبيعية والأزمات الاقتصادية المنتجة الأساسية له.

حالة الفقر وضعية يخضع لها الفقير. تظل آنية أو تصبح دائمة. حالة ضعف وتبعية وتواضع، تتسم بالحرمان من الموارد وحرمان من المال والسلطة والنفوذ والعلم وشرف المحتد، أو من القوة الجسدية أو القدرات العقلية أوالحرية. وذلك بحسب الحقب والمجتمعات. الفقر مهين للكرامة الشخصية ويضم كل المستبعدين من المجتمع السوي.

تغيرت في القرن الحادي والعشرين معايير قياس الفقر عموماً، وبحسب تقرير التنمية البشرية لـ2019 حصل تقدم ملحوظ في الحد من أشكال الحرمان الشديد، فقد أفلت من براثن الجوع والمرض والفقر في أنحاء العالم عدد غير مسبوق من الناس الذين قفزوا فوق الحد الأدنى لمعيشة الكفاف.

لكن جائحة كوفيد، والحرب الدائرة في أوكرانيا، والعنف المستمر في العالم وفي العالم العربي، والزلزال في تركيا وسوريا مؤخراً، تسببت بإفقار الكثير من الدول العربية ومن دول العالم النامي.

منذ ما قبل هذه الأزمة كان عدم المساواة مستشرياً. فرغم التقارب النسبي في الإمكانات الأساسية لدى الكثير من الدول، أي غذاء وتعليم وصحة، لدينا تفاوت كبير علىى صعيد الإمكانات المعززة والنوعية التي تطال الحصول على الخدمات الصحية الجيدة أو خدمات التعليم الجيدة والحصول على التكنولوجيات، مما يوفر المناعة تجاه الصدمات الجديدة غير المعروفة.

في العالم العربي لا يزال الفقر المدقع من أعلى المستويات. انظر: "الفقر في العالم العربي.. أرقام صادمة"، الحرة 16 ديسمبر 2018.

تميز القرن العشرين بالنصوص العالمية المتعلقة بحماية حقوق الإنسان. من بينها الحق بتكوين أسرة والحق بحماية الحياة الأسرية. لكن هذا التطور لم يعبر عن نفسه على مستوى الواقع بشكل أتوماتيكي. ظلت الأسر الفقيرة منبوذة على هامش المجتمع ومعتبرة غير مؤهلة. لكن تطور النظرة إلى الحقوق الأساسية للإنسان أدّى الى ولادة اليوم العالمي للقضاء على الفقر في 17 أكتوبر 1987.

وقد أعلنوا أن الفقر يُشكل انتهاكا لحقوق الإنسان وأكدوا الحاجة إلى التضامن بغية كفالة احترام تلك الحقوق. 

لا يمكن الحديث عن الكرامة الانسانية في ظل الحروب والعنف العسكري والاجتماعي. 

الحديث عن كرامة في غياب المساواة ضرب من الخيال. والثقافة التقليدية تساهم في جعل اللامساواة مبررة ومقبولة واعتبارها أقرب إلى الصفات الوراثية.

ومع أن هناك إجماع على الاعتراف بحقوق المرأة، وبالمساواة بينها وبين الرجل، في أكثرية دساتير البلدان العربية. غير أن مجرد وجود ضمانات دستورية تكفل حق المرأة ولا يتجسد بالضرورة واقعا تحقق فيه المرأة كامل حقوقها المدنية والقانونية والسياسية.

تتسم أوضاع النساء العربيات عموماً بالهشاشة، خصوصاً في البلدان التي تعاني من سوء التنمية او الحروب؛ مما يزيد عدد الأرامل، وبالتالي الأسر التي تديرها المرأة بمفردها. وهذا أحد أهم مسببات الفقر المستدام، لأنهن عندما يدخلن دائرة الفقر فهن معرضات للبقاء فيها. 

من هنا بروز مفهوم تأنيث الفقر، وتصفه اليونيفيم (UNIFEM)  بأنه "عبء الفقر الذي تتحمله المرأة، خاصة في الدول النامية"، فتعاني من مستوى معيشي منخفض لا يكفي لتغطية الاحتياجات المادية والمعنوية مما يؤثر سلبا على الاحترام الذاتي للفرد أو للمجموعة.

 وهو ليس نتيجة لضعف الدخل فقط، بل أيضا نتيجة للحرمان من الإمكانيات والتحيزات الجنسانية الموجودة في كل من المجتمعات والحكومات. وهذا يشمل فقر الخيارات والفرص، مثل التمكن من عيش حياة طويلة وصحية وخلاقة، والتمتع بالحقوق الأساسية وبالحرية والاحترام والكرامة.

ويرتبط هذا المفهوم بمستوى المعيشة العام داخل المجتمع، كما يرتبط بكيفية توزيع الثروة ومكانة الفرد في مجتمعه، وبتوقعاته الاجتماعية والاقتصادية.

ونتائج الفجوات بين الجنسين في التوظيف، وأنشطة الأعمال، والحصول على التمويل، لا تكبل الأفراد فقط بل الاقتصاد برمته. ما يؤخر نمو وتقدم المجتمع. 

لذا هناك اهتمام كبير الآن بتعزيز روح التضامن العالمي، بالتركيز على حاجات الفئات الأضعف والأشد فقرا. كما  يجب الاعتراف وتشجيع الدور الذي يضطلع به القطاع الخاص المتنوع، ابتداء من المؤسسات المتناهية الصغر ومرورا بالتعاونيات وانتهاء بالشركات الكبرى؛ إضافة الى الدور الذي تضطلع به منظمات المجتمع المدني والمنظمات الخيرية في تنفيذ الأعمال المطلوبة.

للعمل الخيري القدرة على رفع آثار الأضرار المترتبة عن الأزمات الإنسانية، كما أن له القدرة على دعم الخدمات العامة في مجالات الرعاية الطبية والتعليم والإسكان وحماية الأطفال. والعمل الخيري فاعل جدا في تحسين الثقافة والعلوم والرياضة وحماية الموروثات الثقافية، فضلا عن تعزيزه لحقوق المهمشين والمحرومين ونشر الرسالة الإنسانية في حالات الصراع.

من المعلوم أن المجتمع المدني أقوى من الدولة في التجربة اللبنانية، فلقد اضطلع دائما بالجوانب التي تقصر بها الدولة، وبرز دوره خصوصاً في السنوات الأخيرة. فمنذ جريمة انفجار المرفأ في 4 آب عام 2020، تكفل المجتمع المدني والجمعيات الخيرية الاضطلاع بمسؤولية كافة المهام التي خلفها الانفجار، وقام مقام الدولة في ظل غيابها التام. فمن إسعاف المرضى إلى رفع الأنقاض والترميم إلى تدبير مساكن ومساعدات عينية لمن فقدوا منازلهم وهم بالآلاف. كل ذلك تكفلت به الجمعيات الخيرية والجمعيات المدنية. 

لكن، إذا كان العمل الخيري ضروري ويقوم بخدمات جليلة للمجتمع وللأفراد، ينبغي الحذر من أن يخلق مشكلة الاتكالية عند تلقي المساعدات بشكل دائم. فيتحول الفرد إلى كسول مفتقد لروح العمل يعتاش على الصدقات ومشاريع الإغاثة، فيتجذر الفقر. ونكون بهذا نتسبب بالضرر للمجتمع عندما نحول أفراده الضعفاء إلى معتاشين دائمين.

من هنا أهمية وضع برامج تهتم، إلى جانب المساعدة، بتوعية المستفيدين مع التدريب على برامج تنموية وإكساب معارف وتقنيات تساهم في تمكينهم  كي يستقلوا ويصبح باستطاعتهم تلبية حاجاتهم وحاجات أسرهم.

مشكلتنا ليست في الفقر فقط، فهو يوجد في أغنى الدول وأكثرها ترفا، ولكن في عدم قدرتنا على اجتثاث مسبباته والأخذ بيد الفقراء حتى يعتمدوا على أنفسهم، بل أيضاً في تفعيل عمل المؤسسات الرسمية والوزارات والقدرة على مواجهة الأزمات وتحويلها إلى فرص.

**ألقيت هذه الكلمة في جلسة افتتاح "القمة العالمية للمرأة"، التي أقيمت في أبوظبي بين 21-22 فبراير 2023، برعاية سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك، وشاركت فيه سيدات فاعلات من مختلف أنحاء العالم.

هذه الورقة ستكون آخر مساهمة لي في صفحة "من زاوية أخرى"، التي رافقت همومنا وتطلعاتنا، لأن الموقع قرر إغلاق هذه الصفحة، من ضمن الاتجاه العام في التحول من الصحافة الورقية المكتوبة إلى الرقمية، ثم إلى – البصرية.

وسوف نفتقد بحسرة هذه المساحة الحرة التي ضمت نخبة من الاقلام العربية التي كتبت فيها بحرية تامة (مفتقدة في معظم الإعلام العربي، إذا لم يكن كله) ومن دون قيود أو رقابة من أي نوع، وحتى في نقد سياسات مرجعيات الحرة نفسها؛ شرط احترام الدقة والموضوعية والاستناد إلى مصادر موثوقة. والأسف على إغلاقها يعود لحاجتنا الماسة لهذه الأقلام الحرة في هذه اللحظات المصيرية التي تواجهها المجتمعات العربية.

لكن ما باليد حيلة، فالسياسات والحاجات، مهما كان مصدرها، لا تتماشى بالضرورة مع مصالح الشعوب. فوداعاً.