إسرائيليون يتظاهرون دعما لأوكرانيا في القدس
إسرائيليون يتظاهرون دعما لأوكرانيا في القدس

في الليلة التي باشر فيها الجيش الروسي غزو أوكرانيا، أغارت طائرات حربية إسرائيلية على دمشق! كانت مصادفة طبعاً، وهي ليست مصادفة غريبة، ذاك أن الطائرات الإسرائيلية دأبت على هذا الفعل منذ سنوات، والنظام في دمشق دأب على تأجيل الرد إلى "زمان ومكان مناسبين". لكن تزامن مباشرة غزو أوكرانيا مع الغارة على دمشق يؤشر إلى أن المعادلة التي أرستها كل من تل أبيب وموسكو ستواصل اشتغالها على رغم اهتزاز الكوكب على وقع قرار فلاديمير بوتين بمحو كيان سياسي وقانوني وجغرافي وقومي يقع في قلب أوروبا.  

لكن إسرائيل تلعثمت بفعل الغزو، فهي تعتبر نفسها جزءاً من العالم الغربي الذي هب لمواجهة بوتين، وهي في الوقت نفسه ترتبط بعلاقات استثنائية مع النظام في موسكو، ذاك أن الأخير يؤمن لها ضبطاً للطموحات الإيرانية في سوريا، وغطاء جوياً لطائراتها التي تواظب على نحو شبه يومي على قصف مواقع في سوريا. لا يمكن لتل أبيب ان لا تكون جزءاً من الموقف العالمي من خطوة بوتين، إلا أنه يمكنها ان لا تكون في طليعة الموقف وفي واجهته. 

موقع طهران أيضاً مشابه، وان جاءها التلعثم من ضرورة وقوفها إلى جانب موسكو، فالأخيرة أيضاً ترتبط معها بتحالف في سوريا وبعلاقات اقتصادية موازية، إلا أنها غير مستعدة للابتعاد عن العالم في هذه اللحظة التي تقترب فيها من عقد اتفاق مع هذا العالم في فيينا. ستوقع اتفاق فيينا وستبقي على تحالفها مع موسكو في سوريا، وستتولى تصريحات غير منسجمة توزيع المواقف بين موسكو والغرب. 

والحال أنه وبعيداً عن جوقات الانحياز الشعبوي لموسكو في بلادنا، وبعيداً أيضاً الدفاع الذي تبديه نخب أخرى عن حق أوكرانيا في السيادة على أرضها، كشفت الغارة الإسرائيلية وما ترافق معها من أراجيز الدعم لـ"أبو على بوتين" أننا في هذا المشرق البائس لسنا أكثر من مسرح لتصريف مصالح غيرنا. في اللحظة التي تلوح فيها مصالح طهران مع واشنطن نصبح بوقاً فارغاً إلا من خطب لا معنى لها، وفي اللحظة التي تغير فيها الطائرة الإسرائيلية على دمشق، نشيح بوجوهنا نحو الحدود الروسية الأوكرانية ونضرب تحية للغزاة. 

حين يذهب بشار الأسد وأركان نظامه إلى حد الابتذال في تقييمه المشهد الأوكراني، فهذا ليس مستغرباً، ذاك أن نظام دمشق لا يملك سوى الهزال ليخاطب به نفسه وجماعاته، لكن أن تدأب آلة أيديولوجية وحزبية، من المفترض أنها تملك مشروعاً، على التغزل بغزو وبقرار بإنهاء بلد وباحتلاله، فهذا ما لا تفعله قوة تملك مشروعاً تريد أن تخاطب عبره العالم. بوتين ليس بصدد احتلال أوكرانيا، بل بصدد محوها عن الخريطة. هي بحسبه خطأ يجب تصحيحه. الانحياز إليه يعطي مشروعية لقرار سبقه بعقود طويلة يتمثل في اعتبار فلسطين خطأ يجب تصحيحه! 

لكن رسم هذه المعادلة هي تطلب في غير مكانه. ليس لدى المصطفين العرب خلف بوتين مشروعاً يعوزهم الدفاع عنه، أو قيماً لا يستوي انحيازهم لغازٍ مع حملهم لها. هم مجرد أدوات يستعين بها مشغليهم، ويتم تعطيل عملها حين تعقد التسويات. فهم لم يسبق لهم أن أقاموا وزناً لعلاقة روسيا بإسرائيل، والأهم بالنسبة إليهم هو أن يؤمن بوتين حماية لوجودهم في سوريا. أما أن قضية عادلة وراء خطابهم اسمها القضية الفلسطينية، ويقتضي حملها الدفاع عن كل القضايا العادلة في العالم، فهذا تضامن "أممي" بائد يجب تجاوزه.  

المسألة الأوكرانية أعقد من تلخيصها بحق مطلق وباطل مطلق، إلا أنها في هذه اللحظة حق مطلق، ذاك أن غازِ على أبواب كييف قال إن أوكرانيا خطأ، وأنها لم تكن موجودة قبل أن يعترف لينين بها. الذهاب مع بوتين في هذا الادعاء ينطوي على مخاطرات موازية لا سيما في الشرق الأوسط، فـ"خطأ" لينين سبق أن ارتُكب في منطقتنا عشرات المرات، ومن الممكن أن يُستَحضَر في كل مناسبة. صدام حسين سبق أن اعتبر أن الكويت "خطأ"، و"داعش" قالت أن الحدود بين سوريا والعراق خطأ، وإسرائيل تقول أن فلسطين خطأ، ولبنان كان يمكن أن يكون خطأ جميلاً لولا المحاولات البشعة والدموية لتصويبه. 

أما "الصواب" في عرف أهله في هذا المشرق، فهو أن تواصل موسكو حماية النظام في سوريا، وأن تواصل إسرائيل غاراتها الصامتة على دمشق، وأن نواصل شقاقنا حول حق أوكرانيا في أن تكون أو لا تكون.           

المسار الحالي للصراع يسير بشكل أفضل بالنسبة لأوكرانيا منه بالنسبة لروسيا
المسار الحالي للصراع يسير بشكل أفضل بالنسبة لأوكرانيا منه بالنسبة لروسيا

يصادف الجمعة (24 فبراير) مرور عام كامل على الحرب الروسية ضد أوكرانيا. ولمن يريد التذكّر فقد كان هدف هذه الحرب التي أمر الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، بشنها وسماها عملية عسكرية خاصة، كان هو إخضاع أوكرانيا عبر احتلال عاصمتها كييف ومدنها الكبرى، وإسقاط حكومتها، وتنصيب أخرى موالية لموسكو، ونزع سلاح الجيش الأوكراني، واعتقال المئات وربما الآلاف من القوميين الأوكرانيين المناوئين لروسيا وقتلهم أو محاكمتهم. 

وللتذكير أيضا فإن أيا من هذه الأهداف لم يتحقق. والفضل في ذلك يعود إلى جملة من العوامل أهمها صمود الأوكرانيين والأداء السيء للجيش الروسي، ومسارعة حكومات الدول الأوروبية والولايات المتحدة إلى تقديم العون والمساعدة للحكومة الأوكرانية.

بعبارة أخرى هذه الحرب لم تفشل فقط في تحقيق أي من أهدافها، ولكنها كانت كارثية على روسيا بجميع المعايير. 

لنتذكر أن مبرر موسكو لخوض هذه الحرب كان هو الخشية من انضمام أوكرانيا إلى حلف الناتو، وبالتالي وصول الحلف إلى حدودها الغربية مباشرة.

ولكن بعد عام من الحرب فإن دولتين أصبحتا قاب قوسين أو أدني من عضوية الناتو، وهما فنلندا والسويد، والأولى تجمعها حدود مباشرة مع روسيا. فهذه الحرب التي أرادت روسيا أن تبعد من خلالها الناتو عن حدودها، هي التي جلبت في الواقع الحلف إليها، في حين أن انضمام أوكرانيا لم يكن أمرا محتما.

يظل بالطبع "الإنجاز" الأكبر للحرب على أوكرانيا هو في تغيير نظرة الأوروبيين لأمنهم وأيضا لعلاقتهم بروسيا. 

هناك من المحللين من يبدي استغرابا من المواقف الأوروبية الحازمة تجاه روسيا ويتصورون خطأ أنها تأتي انصياعا للإرادة الأميركية، ولكن الحقيقة هي أن الغزو الروسي لأوكرانيا شكل تهديدا هو الأبرز من نوعه للقارة الأوروبية منذ الحرب العالمية الثانية. 

وتشعر العديد من الدول الأوروبية بانكشاف أمني بسبب هذه الحرب وتداعيتها. 

وجاء في تقرير أمني سنوي للاستخبارات العسكرية السويدية أن "المخاطر الأمنية على السويد زادت وأصبحت التهديدات للسويد أوسع وأكثر تعقيدا".

كما اعتبرت أن الوضع الأمني حاليا في أوروبا وفي المنطقة السويدية المحاذية "الأسوأ منذ بداية الثمانينيات على الأقلّ".

لكن أجهزة الأمن والاستخبارات العسكرية السويدية اعتبرت في تقريرها أن الوضع "ازداد أماناً" في السويد منذ إرسال طلب انضمامها إلى حلف شمال الأطلسي، وتلقيها ضمانات ثنائية بشأن الأمن من عدة دول، بانتظار العضوية.

الواقع أن الغزو الروسي أحدث حالة من الصدمة العنيفة التي ستظل تؤرق الأوروبيين إلى فترة طويلة قادمة. 

ولذلك لم يكن صدفة أن يخصص مؤتمر ميونيخ للأمن الحيز الأكبر من تركيزه على هذه الحرب. 

وفي هذا المؤتمر قال المستشار الألماني، أولاف شولتز، إنه يجب أن يدرك الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، أن أوروبا الآن موحدة أكثر من أي وقت مضى. في حين قال الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، إن الحلفاء الغربيين جاهزون لنزاع طويل الأمد في أوكرانيا، وإن "الوقت الآن ليس للحوار أو التفاوض، فقد اختارت روسيا الحرب ويجب مواجهتها".

والتشدد الأوروبي تجاه روسيا ليس منفصلا عن الموقف الأميركي الحازم من غزو أوكرانيا.

وتدرك الإدارة الأميركية أن الغزو الروسي ليس مجرد نزاع على الأراضي، ولكنه في العمق منه تهديد وجودي لأوروبا ومحاولة إخضاعها من جهة ومن جهة أخرى إرساء قواعد دولية جديدة يمكن فيها للدول الكبيرة والقوية أن تعبث بالخرائط والحدود كيفما شاءت.  

لذلك اختارت الولايات المتحدة الوقوف مع أوكرانيا حتى النهاية. ولعل الزيارة التي قام بها الرئيس بايدن لكييف هي إشارة قوية ولافتة على المدى الذي يمكن أن تذهب إليه الإدارة الأميركية في التصدي للغزو الروسي.

يبقى القول بأن النهاية العسكرية لهذه الحرب قد لا تكون قريبة، وإن حدوث تغيير سياسي داخل روسيا ربما يظل الخيار الأكثر ملائمة والأقل كلفة، لكن إذا كان ثمة أمل في حدوث مثل هذا التغيير، فهو لن يتم عبر التفاوض مع موسكو أو الضغط على الحكومة الأوكرانية للقبول بالوضع الراهن، وإنما على العكس من ذلك تماما، هو سيتم عبر التمسك بالسياسة الحالية والمتمثلة في تزويد أوكرانيا بما تحتاجه من معدات عسكرية ودعم سياسي ودولي وفي الوقت نفسه فرض المزيد من العقوبات على روسيا وإحكام عزلها. هذه السياسة هي التي ستنضج في الأخير نهاية مقبولة لهذه الحرب.