لافروف يسير خلف بوتين
"بوتين يُدرك أنه يملك قوة ردع نووية، ولهذا لا يعبأ كثيرا بالتهديدات الدولية".

كتبت قبل أيام على صفحتي على الفيسبوك وتويتر "لا يمكن أن أصفق للحرب على أوكرانيا مهما كانت الحجج والمبررات، وسأظل ضد الحروب، فهي تجر ويلات على الشعوب، ويسقط الناس ضحاياها، وسأبقى مع حق الشعوب في تقرير مصيرها، وسأقف ضد أي تدخلات في شؤونها". 

وقلت أيضا "لن أنشغل في تأييد روسيا، أو الانحياز للموقف الأميركي والأوروبي، وما يُقلقني سقوط الضحايا الأبرياء، وهذا ما يجب أن نرفع أصواتنا من أجله". 

كتبت ما أؤمن به، ولم أنتظر تأييدا أو معارضة، فمواقفي تستند إلى رفض العدوان والاحتلال، وضد الحروب، ومع حماية حقوق البشر بحياة آمنة، ولفتني شعار أطلقته منظمة العفو الدولية "أمنستي" حياة بلا عنف حق من حقوق الإنسان. 

بعد ما كتبت لم أسلم من الاتهامات، والتجريح، والشتم، وبمراجعة التعليقات التي وردتني، وبمتابعة السجالات والمواقف على منصات التواصل الاجتماعي، يتضح بجلاء مرة أخرى انقسام العرب، وتحزبهم لفريقين الأول مع روسيا، والآخر مع أوكرانيا ومن يحالفها من الأميركان والأوروبيين. والأكثر طرافة أنهم أكثر رديكالية، وتطرفا في مواقفهم ممن يخوضون الصراع على الأرض. وطفحت السوشيال ميديا بلمح البصر بالخبراء الحربيين، والجيوستراتيجيين، وكلهم ينظّرون للنظام العالمي الجديد الذي سيرى النور بعد الحرب الروسية على أوكرانيا. 

الذين يقفون مع روسيا ولا تُهمهم الحرب أو الضحايا، يرون، وكلهم ثقة أن روسيا ستُعيد التوازن في العالم، وستُنهي حالة التفرد الأميركية التي سادت، وشاعت بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، وسيعود العالم أقطابا وليس قطبا واحدا. 

كثيرون يصفقون لروسيا "نكاية" وكراهية بأميركا، وكثير من العرب حالمون، وربما واهمون، أن روسيا ستعيد لهم حقوقهم في فلسطين، وستتدخل بعد "لجم" أميركا وتابعها أوروبا في أوكرانيا لحماية مصالحهم. 

الهتافات التي أقرأها عبر منصات التواصل الاجتماعي ذكرتني بسيرة وتاريخ اليسار العربي الذي لا زال يعيش على أمجاد الاتحاد السوفيتي، ولاحت ببالي النكتة التي كانت تروج عنهم "حين تمطر في موسكو يحملون الشماسي في العواصم العربية". 

في المقابل، كثير ممن يُساند أوكرانيا يفعل ذلك "نكاية" أيضا بروسيا، وخاصة الإسلاميين ممن لا يزالون يُعادونها باعتبارها معقل الشيوعية، وينسون أن روسيا بوتين ما عادت اشتراكية أبدا. 

وسط كل هذا الزحام في الصراع والاستقطاب العربي في الفضاء الافتراضي تغيب الرؤية الحقوقية التي ترفض الحروب، وتدافع عن حق الشعوب في تقرير مصيرها، وترى في الحروب دمارا، وضحايا، وسفكا للدماء، وإهدارا للتنمية. 

رغم أن العرب أكثر من دفع - من محيطه إلى خليجه -  ثمنا للحروب والعدوان، فإنهم لا يتعظون، ولا يُقدمون خطابا يوظفونه في إدانة آخر احتلال على وجه الأرض وتمثله إسرائيل، ولا يُعيدون إلى أذهان العالم وهو يتسابق للبكاء على ما يحدث في أوكرانيا المظالم التي تعرضوا لها بسبب العدوان على فلسطين، وفي العراق، وليبيا، ولبنان، وسوريا، وكل بقعة وصلها العدوان، والتدخل العسكري مهما كانت مبرراته ودوافعه. 

لأول مرة منذ عقود، العالم العربي ليس هو ساحة العدوان، وليس معمل التجارب للحروب، وهي فرصة لينأى بنفسه خارج الاستقطاب، فهو ليس مُطالبا أن يكون على ظهر دبابة روسية لـ "يحرر" كييف، ويستطيع أ لا يكون في مقدمة صفوف المتظاهرين دفاعا عن أوكرانيا، والأسلم أن يكتفي بالمطالبة بالحوار والحلول الدبلوماسية كما فعلت معظم الدول العربية. 

الحروب كاشفة للأكاذيب، وللانتهازيين، وللعنصريين، وللأبطال أيضا، وربما هذا أكثر ما يمكن أن نراه في الأيام الماضية منذ أن دقت طبول الحرب. 

أول ما يُلفت الانتباه، رئيس أوكرانيا الذي لم يُغادر بلاده كما فعل الرئيس الأفغاني قبل شهور حين سيطرت عليها حركة طالبان، وما زال يدعو الناس من وسط العاصمة إلى الدفاع عن بلاده، والصمود بوجه القوة العسكرية الروسية. 

القاعدة الذهبية التي كرستها الحرب أن من يتوقع أن تحمي بلاده قوة أخرى فهو واهم، وكانت خيبة أمل الأوكرانيين كبيرة وهم يرون أميركا، والأوروبيين يخذلونهم، ويتفرجون عليهم والدبابات الروسية تخترق حدودهم، ولهذا كانت صرخة الرئيس الأوكراني "يا وحدنا" مؤلمة، ولكنها تفتح الجروح، والذاكرة حين تُرك الفلسطينيون وحدهم، ولا بواكي لهم، والاستنتاج والحكمة التي راجت بعد ما حدث "المتغطي بالأميركان بردان"، وهذا صحيح، وما ينطبق على أميركا يمكن القول بالمثل "المتغطي بالروس بردان" كذلك. 

أخر الخطايا التي كشفتها الحرب هي النظرة العنصرية لبعض مراسلي وسائل إعلام عالمية، يتعاطفون مع أوكرانيا لأنهم من عرق أوروبي، وشعرهم أشقر، وعيونهم زرقاء. 

رصد سقطات الإعلام وتصريحات السياسيين الكارثية، تُظهر حجم العنصرية والعداء، وتحديدا للعرب والمسلمين، والنظرة النمطية على أنهم إرهابيون، وليسوا متعلمين، أو متحضرين، ويؤكد بما لا يدع مجالا للشك أن كلام الديمقراطية، وحقوق الإنسان فقاعات في الهواء، فاللاجئون الأوكرانيون مرحب بهم عند رئيس وزراء بلغاريا، في حين أن اللاجئين السوريين لا يستحقون فرصة للحماية والحياة. 

تتجلى ازدواجية المعايير في هذه الحرب، والسوشيال ميديا تضعها على السطح ليلتقطها ويرصدها الناس، وتبدأ المفارقات والمقاربات، فالصور تُظهر سكان أوكرانيا يُعدون المولوتوف لمقاومة الغزو الروسي، وهذا حقهم المشروع، أما ما يفعله الفلسطينيون لمواجهة الاحتلال الإسرائيلي فهو إرهاب مُدان.

ما زالت الحرب مستمرة، وحتى الآن هناك 520 ألف لاجئ أوكراني في دول الجوار، والتقديرات أن يصلو إلى 4 ملايين إن استمرت الحرب حسب تقديرات المفوض السامي للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين. 

المحادثات بين روسيا وأوكرانيا انطلقت في بيلاروسيا، ولعبة عض الأصابع بدأت، والرئيس الأوكراني يقول للروس "لا تضيعوا وقتكم، لن نرضخ"، ويذهب في مغامرة لتوقيع طلب الانضمام للناتو، و"القيصر" بوتين يضع شروطه على الطاولة، ويحلم أن يُعيد صناعة القصة التي قيلت - ولم تؤكد -، أن الزعيم الماركسي خروتشوف وضع حذاءه على منصة الأمم المتحدة حين غضب، واحتج على تدخلات وانتقادات لسياسات بلاده، وهو ما يفعله بوتين فعليا حين يُدير ظهره للعالم، ويقول له "أريد اعترافا بسيادة روسيا على شبه جزيرة القرم، وضمان حياد أوكرانيا، والأخذ بمصالح روسيا المشروعة"، وهذا يعني عدم انضمامها إلى حلف الناتو. 

بوتين يُدرك أنه يملك قوة ردع نووية، ولهذا لا يعبأ كثيرا بالتهديدات الدولية، ويُريد أن يفرض بالقوة واقعا جديدا، ولا يسمح للناتو أن يلوي ذراعه. 

الأزمة لا تزال في بداياتها فمن يُفلت في لعبة عض الأصابع؟ 

المسار الحالي للصراع يسير بشكل أفضل بالنسبة لأوكرانيا منه بالنسبة لروسيا
المسار الحالي للصراع يسير بشكل أفضل بالنسبة لأوكرانيا منه بالنسبة لروسيا

يصادف الجمعة (24 فبراير) مرور عام كامل على الحرب الروسية ضد أوكرانيا. ولمن يريد التذكّر فقد كان هدف هذه الحرب التي أمر الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، بشنها وسماها عملية عسكرية خاصة، كان هو إخضاع أوكرانيا عبر احتلال عاصمتها كييف ومدنها الكبرى، وإسقاط حكومتها، وتنصيب أخرى موالية لموسكو، ونزع سلاح الجيش الأوكراني، واعتقال المئات وربما الآلاف من القوميين الأوكرانيين المناوئين لروسيا وقتلهم أو محاكمتهم. 

وللتذكير أيضا فإن أيا من هذه الأهداف لم يتحقق. والفضل في ذلك يعود إلى جملة من العوامل أهمها صمود الأوكرانيين والأداء السيء للجيش الروسي، ومسارعة حكومات الدول الأوروبية والولايات المتحدة إلى تقديم العون والمساعدة للحكومة الأوكرانية.

بعبارة أخرى هذه الحرب لم تفشل فقط في تحقيق أي من أهدافها، ولكنها كانت كارثية على روسيا بجميع المعايير. 

لنتذكر أن مبرر موسكو لخوض هذه الحرب كان هو الخشية من انضمام أوكرانيا إلى حلف الناتو، وبالتالي وصول الحلف إلى حدودها الغربية مباشرة.

ولكن بعد عام من الحرب فإن دولتين أصبحتا قاب قوسين أو أدني من عضوية الناتو، وهما فنلندا والسويد، والأولى تجمعها حدود مباشرة مع روسيا. فهذه الحرب التي أرادت روسيا أن تبعد من خلالها الناتو عن حدودها، هي التي جلبت في الواقع الحلف إليها، في حين أن انضمام أوكرانيا لم يكن أمرا محتما.

يظل بالطبع "الإنجاز" الأكبر للحرب على أوكرانيا هو في تغيير نظرة الأوروبيين لأمنهم وأيضا لعلاقتهم بروسيا. 

هناك من المحللين من يبدي استغرابا من المواقف الأوروبية الحازمة تجاه روسيا ويتصورون خطأ أنها تأتي انصياعا للإرادة الأميركية، ولكن الحقيقة هي أن الغزو الروسي لأوكرانيا شكل تهديدا هو الأبرز من نوعه للقارة الأوروبية منذ الحرب العالمية الثانية. 

وتشعر العديد من الدول الأوروبية بانكشاف أمني بسبب هذه الحرب وتداعيتها. 

وجاء في تقرير أمني سنوي للاستخبارات العسكرية السويدية أن "المخاطر الأمنية على السويد زادت وأصبحت التهديدات للسويد أوسع وأكثر تعقيدا".

كما اعتبرت أن الوضع الأمني حاليا في أوروبا وفي المنطقة السويدية المحاذية "الأسوأ منذ بداية الثمانينيات على الأقلّ".

لكن أجهزة الأمن والاستخبارات العسكرية السويدية اعتبرت في تقريرها أن الوضع "ازداد أماناً" في السويد منذ إرسال طلب انضمامها إلى حلف شمال الأطلسي، وتلقيها ضمانات ثنائية بشأن الأمن من عدة دول، بانتظار العضوية.

الواقع أن الغزو الروسي أحدث حالة من الصدمة العنيفة التي ستظل تؤرق الأوروبيين إلى فترة طويلة قادمة. 

ولذلك لم يكن صدفة أن يخصص مؤتمر ميونيخ للأمن الحيز الأكبر من تركيزه على هذه الحرب. 

وفي هذا المؤتمر قال المستشار الألماني، أولاف شولتز، إنه يجب أن يدرك الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، أن أوروبا الآن موحدة أكثر من أي وقت مضى. في حين قال الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، إن الحلفاء الغربيين جاهزون لنزاع طويل الأمد في أوكرانيا، وإن "الوقت الآن ليس للحوار أو التفاوض، فقد اختارت روسيا الحرب ويجب مواجهتها".

والتشدد الأوروبي تجاه روسيا ليس منفصلا عن الموقف الأميركي الحازم من غزو أوكرانيا.

وتدرك الإدارة الأميركية أن الغزو الروسي ليس مجرد نزاع على الأراضي، ولكنه في العمق منه تهديد وجودي لأوروبا ومحاولة إخضاعها من جهة ومن جهة أخرى إرساء قواعد دولية جديدة يمكن فيها للدول الكبيرة والقوية أن تعبث بالخرائط والحدود كيفما شاءت.  

لذلك اختارت الولايات المتحدة الوقوف مع أوكرانيا حتى النهاية. ولعل الزيارة التي قام بها الرئيس بايدن لكييف هي إشارة قوية ولافتة على المدى الذي يمكن أن تذهب إليه الإدارة الأميركية في التصدي للغزو الروسي.

يبقى القول بأن النهاية العسكرية لهذه الحرب قد لا تكون قريبة، وإن حدوث تغيير سياسي داخل روسيا ربما يظل الخيار الأكثر ملائمة والأقل كلفة، لكن إذا كان ثمة أمل في حدوث مثل هذا التغيير، فهو لن يتم عبر التفاوض مع موسكو أو الضغط على الحكومة الأوكرانية للقبول بالوضع الراهن، وإنما على العكس من ذلك تماما، هو سيتم عبر التمسك بالسياسة الحالية والمتمثلة في تزويد أوكرانيا بما تحتاجه من معدات عسكرية ودعم سياسي ودولي وفي الوقت نفسه فرض المزيد من العقوبات على روسيا وإحكام عزلها. هذه السياسة هي التي ستنضج في الأخير نهاية مقبولة لهذه الحرب.