قبضة بوتين على السلطة أصبحت أكثر هشاشة
التقدم العسكري في أوكرانيا لن يعني أن روسيا انتصرت في الحرب

مع مواصلة الجيش الروسي الغرق في الرمال الأوكرانية، فإنه يكون قد خسر الحرب فعليا، حتى ولو تمكن من السيطرة على البلاد بأكملها، وهو أمر مستبعد حتى الآن.

فقد تنجح روسيا في إبعاد حلف الناتو عن حدودها مئات وربما آلاف الأميال، لكن بالمقابل فقد أصبحت دولة مارقة ومنبوذة، وتم عزلها عن باقي العالم وأخرجت من النظام المالي الدولي، وطالت العقوبات الغربية لأول مرة في التاريخ مسؤوليها ابتداء من الرئيس وحتى أعضاء الحكومة ونزولا إلى باقي الموظفين.  

في الواقع أن وضع روسيا اليوم هو أسوء من وضع دول مثل كوريا الشمالية أو إيران أو كوبا أو فنزويلا. وهي لن تتمكن من العودة من جديد إلى الوضع الطبيعي قبل مضي زمن طويل وقبل إجراء تغيير كامل في الحكومة الحالية.
الدول الغربية ولا سيما الولايات المتحدة كانت بالطبع تتمنى إضعاف النظام الروسي وإيقاع أكبر ضرر به حتى من دون هذه الأزمة، لكنها لم تسع إلى هذه النتيجة ولم تخطط لها ولم تدفع روسيا إلى الدخول في فخها، من فعل ذلك وببراعة شديدة هو الرئيس الروسي فلاديمير بوتين نفسه.

المخاوف الروسية من تمدد حلف الناتو ربما وجدت آذانا صاغية في بعض العواصم الأوروبية وربما لدى بعض الأوساط السياسية الأميركية، لكن اجتياح أوكرانيا كان خطا أحمر، وحد معه الجميع وأجبر حتى أولئك الذين يتفهمون القلق الروسي التقليدي على تأييد الإجراءات الأوروبية والأميركية ضد موسكو.
المشكلة بالنسبة للغزو الروسي لأوكرانيا أنه يحمل معه جميع بصمات الحروب والنزاعات البغيضة في أوروبا ولا سيما الحرب العالمية الثانية والتي لا يريد أحد أن يعود إليها.  

وإضافة إلى ضربه عرض الحائط بالقانون الدولي وانتهاك سيادة بلد مستقل وهو أوكرانيا، فإن الغزو الروسي تميز بالآتي:

- دولة كبيرة وقوية عسكريا تسعى إلى سحق دولة صغيرة إلى جوارها وتغيير نظامها ونزع سلاحها بالقوة بسبب ذرائع لم تثبت صحتها.

-الادعاء الروسي يقوم على أساس أن أوكرانيا لم تكن دولة بحدودها الحالية إلا منذ الثورة البلشفية عام 1917 والسنوات التي تلتها حيث أضيفت إليها بعض الأراضي مثل شبه جزيرة القرم. وبالتالي فإن هذا الادعاء يرتكز على محاولة تغيير الحدود بالقوة من خلال العودة إلى التاريخ.

-الأمر الثالث هو الاستخدام الكثيف وعلى أعلى المستويات لآلة الدعاية التي تسعى إلى تشويه الخصم، وفي حالتنا الحديث الروسي المستمر عن وجود نازيين وفاشيين وقوميين وإرهابيين في مواقع السلطة في أوكرانيا بهدف تبرير التصفية الجسدية لهم.  

الواقع أن جميع هذه المواصفات تنطبق بصورة كلية على السلوك الذي مارسه نظام هتلر في أوروبا، ابتداء من استخدام ذريعة السلب غير المشروع لأراض ألمانية بسبب الحرب العالمية الأولى والمعاهدات التي فرضت على ألمانيا واعتبرت ظالمة، إلى الحق في اجتياح الدول وتغيير أنظمتها بالقوة، وبالطبع الدعاية التي صاحبت كل ذلك.

لهذا وجدت الدول الأوروبية نفسها في الأزمة الحالية وجها لوجه ليس أمام استحقاقات الحاضر فحسب وإنما أشباح الماضي أيضا. ولم يكن بوسعها أن تتصرف على نحو مختلف. الخيار العسكري لم يكن ممكنا لاعتبارات كثيرة، مع أن هذه الدول تعهدت أيضا بمساعدة أوكرانيا عسكريا عبر تزويدها بأسلحة دفاعية تساعدها على الصمود في وجه الآلة العسكرية الروسية، لكن الرد الاقتصادي والسياسي كان ساحقا وقد تجلى بالرفض القاطع للغزو الروسي والتصميم الأوروبي على عزل روسيا ومعاقبتها بشدة. وكان لافتا أن أوروبا توحدت في هذه الأزمة على نحو غير مسبوق. 

باختصار فإن روسيا سوف تدفع ثمنا باهظا وربما غير متصور لغزوها أوكرانيا (تدمير الاقتصاد الروسي)، وهي لن تتمكن حتى من حماية النظام الذي سوف تنصبه في البلاد إذا استطاعت تحقيق هذا الهدف، لأنها لن تتمكن من مساعدته اقتصاديا، فهي نفسها سوف تكون بحاجة إلى المساعدة. 

وهناك العديد من المحللين، وكاتب هذه السطور من بينهم، يعتبرون أن روسيا وقعت في فخ صنعته هي بنفسها في أوكرانيا، وهي لن تتمكن من الخروج من مستنقعه سليمة بأية حال من الأحوال. ومن بين السيناريوهات أن نشهد حربا باردة كتلك التي كانت سائدة بعد الحرب العالمية الثانية، لكن الفارق أن روسيا تبدو وحيدة فيها وكذلك معزولة عن باقي دول العالم. ونتيجتها لن تختلف عن تلك التي واجهت الاتحاد السوفييتي السابق، أي سقوط النظام وربما نشهد هذه المرة تفكك الاتحاد الروسي نفسه.  

المسار الحالي للصراع يسير بشكل أفضل بالنسبة لأوكرانيا منه بالنسبة لروسيا
المسار الحالي للصراع يسير بشكل أفضل بالنسبة لأوكرانيا منه بالنسبة لروسيا

يصادف الجمعة (24 فبراير) مرور عام كامل على الحرب الروسية ضد أوكرانيا. ولمن يريد التذكّر فقد كان هدف هذه الحرب التي أمر الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، بشنها وسماها عملية عسكرية خاصة، كان هو إخضاع أوكرانيا عبر احتلال عاصمتها كييف ومدنها الكبرى، وإسقاط حكومتها، وتنصيب أخرى موالية لموسكو، ونزع سلاح الجيش الأوكراني، واعتقال المئات وربما الآلاف من القوميين الأوكرانيين المناوئين لروسيا وقتلهم أو محاكمتهم. 

وللتذكير أيضا فإن أيا من هذه الأهداف لم يتحقق. والفضل في ذلك يعود إلى جملة من العوامل أهمها صمود الأوكرانيين والأداء السيء للجيش الروسي، ومسارعة حكومات الدول الأوروبية والولايات المتحدة إلى تقديم العون والمساعدة للحكومة الأوكرانية.

بعبارة أخرى هذه الحرب لم تفشل فقط في تحقيق أي من أهدافها، ولكنها كانت كارثية على روسيا بجميع المعايير. 

لنتذكر أن مبرر موسكو لخوض هذه الحرب كان هو الخشية من انضمام أوكرانيا إلى حلف الناتو، وبالتالي وصول الحلف إلى حدودها الغربية مباشرة.

ولكن بعد عام من الحرب فإن دولتين أصبحتا قاب قوسين أو أدني من عضوية الناتو، وهما فنلندا والسويد، والأولى تجمعها حدود مباشرة مع روسيا. فهذه الحرب التي أرادت روسيا أن تبعد من خلالها الناتو عن حدودها، هي التي جلبت في الواقع الحلف إليها، في حين أن انضمام أوكرانيا لم يكن أمرا محتما.

يظل بالطبع "الإنجاز" الأكبر للحرب على أوكرانيا هو في تغيير نظرة الأوروبيين لأمنهم وأيضا لعلاقتهم بروسيا. 

هناك من المحللين من يبدي استغرابا من المواقف الأوروبية الحازمة تجاه روسيا ويتصورون خطأ أنها تأتي انصياعا للإرادة الأميركية، ولكن الحقيقة هي أن الغزو الروسي لأوكرانيا شكل تهديدا هو الأبرز من نوعه للقارة الأوروبية منذ الحرب العالمية الثانية. 

وتشعر العديد من الدول الأوروبية بانكشاف أمني بسبب هذه الحرب وتداعيتها. 

وجاء في تقرير أمني سنوي للاستخبارات العسكرية السويدية أن "المخاطر الأمنية على السويد زادت وأصبحت التهديدات للسويد أوسع وأكثر تعقيدا".

كما اعتبرت أن الوضع الأمني حاليا في أوروبا وفي المنطقة السويدية المحاذية "الأسوأ منذ بداية الثمانينيات على الأقلّ".

لكن أجهزة الأمن والاستخبارات العسكرية السويدية اعتبرت في تقريرها أن الوضع "ازداد أماناً" في السويد منذ إرسال طلب انضمامها إلى حلف شمال الأطلسي، وتلقيها ضمانات ثنائية بشأن الأمن من عدة دول، بانتظار العضوية.

الواقع أن الغزو الروسي أحدث حالة من الصدمة العنيفة التي ستظل تؤرق الأوروبيين إلى فترة طويلة قادمة. 

ولذلك لم يكن صدفة أن يخصص مؤتمر ميونيخ للأمن الحيز الأكبر من تركيزه على هذه الحرب. 

وفي هذا المؤتمر قال المستشار الألماني، أولاف شولتز، إنه يجب أن يدرك الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، أن أوروبا الآن موحدة أكثر من أي وقت مضى. في حين قال الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، إن الحلفاء الغربيين جاهزون لنزاع طويل الأمد في أوكرانيا، وإن "الوقت الآن ليس للحوار أو التفاوض، فقد اختارت روسيا الحرب ويجب مواجهتها".

والتشدد الأوروبي تجاه روسيا ليس منفصلا عن الموقف الأميركي الحازم من غزو أوكرانيا.

وتدرك الإدارة الأميركية أن الغزو الروسي ليس مجرد نزاع على الأراضي، ولكنه في العمق منه تهديد وجودي لأوروبا ومحاولة إخضاعها من جهة ومن جهة أخرى إرساء قواعد دولية جديدة يمكن فيها للدول الكبيرة والقوية أن تعبث بالخرائط والحدود كيفما شاءت.  

لذلك اختارت الولايات المتحدة الوقوف مع أوكرانيا حتى النهاية. ولعل الزيارة التي قام بها الرئيس بايدن لكييف هي إشارة قوية ولافتة على المدى الذي يمكن أن تذهب إليه الإدارة الأميركية في التصدي للغزو الروسي.

يبقى القول بأن النهاية العسكرية لهذه الحرب قد لا تكون قريبة، وإن حدوث تغيير سياسي داخل روسيا ربما يظل الخيار الأكثر ملائمة والأقل كلفة، لكن إذا كان ثمة أمل في حدوث مثل هذا التغيير، فهو لن يتم عبر التفاوض مع موسكو أو الضغط على الحكومة الأوكرانية للقبول بالوضع الراهن، وإنما على العكس من ذلك تماما، هو سيتم عبر التمسك بالسياسة الحالية والمتمثلة في تزويد أوكرانيا بما تحتاجه من معدات عسكرية ودعم سياسي ودولي وفي الوقت نفسه فرض المزيد من العقوبات على روسيا وإحكام عزلها. هذه السياسة هي التي ستنضج في الأخير نهاية مقبولة لهذه الحرب.