A view shows a school building destroyed by shelling, as Russia's invasion of Ukraine continues, in Zhytomyr, Ukraine March 4,…
بوتين أدرك أن الغرب يندد كثيرا دون تحركات جادة

لم يتوقف الرئيس الأميركي جو بايدن، منذ اكتشفت المخابرات الغربية، خطة نظيره الروسي فلاديمير بوتين الخاصة  بغزو أوكرانيا، عن إنهاء كلماته وخطاباته،بهذا الشعار الأخّاذ: "الحرية سوف تنتصر على الطغيان".

بطبيعة الحال، هو ينسب قيمة الحرية إلى دولته وحلفائها، ًولعنة الطغيان إلى فلادمير بوتين ومؤيّديه، ولكنّه،وهنا مكمن المعضلة، يترك فعل "الانتصار" رهناً  بالمستقبل.

من يدقّق في الخطوات الدبلوماسية والعقابية المتلاحقة التي تتخّذها واشنطن وحلفاؤها ضد موسكو، لا يمكنه أن يشكّك بجدية الرئيس بايدن، وهو يكرّر شعاره، ولكن من يعدْ إلى تجارب العقود القليلة السابقة لا يمكنه أن يجزم بأنّ المستقبل سيكون على موعد حتمي مع انتصار الحرية على الطغيان.

وقد تكون الخلاصات التي انتهى إليها بوتين من تعامله المباشر أو غير المباشر مع هذه التجارب هي التي شجّعته على تجاوز كل التحذيرات والتهديدات، إنْ هو أمر جيشه الجرّار  بتجاوز الحدود الروسية-الاوكرانية.

ولم يكن فلاديمير بوتين يحتاج ألى أن يكون عبقرياً في علم الاستراتيجيا ليكتشف نقاط الضعف الأميركية والغربية والأوروبية ومدى تشتّت مصالح هذه الدول وتضارب خططها، ممّا يجعلها تندّد كثيراً وتتحرك قليلاً، وتساوم في ما بينها على الخطوات التي سوف تقدم عليها، قبل أن يفوت زمن تنفيذها.

آخر ما راقبه فلاديمير بوتين لم يكن الانسحاب الفوضوي من أفغانستان الذي نال من سمعة واشنطن العسكرية والسياسية والدبلوماسية حتى بين الدول الأكثر التصاقاً بها، ولا التضارب الدبلوماسي الذي جعل باريس في مواجهة واشنطن ولندن في موضوع إلغاء صفقة الغواصات الأسترالية، ولا جذب بلاده لعدد من دول الاتحاد الأوروبي إلى فلكه، كالمجر، مثلاً، ولا رفض عدد من الدول الاوروبية توسيع مهام "حلف شمال الاطلسي" ليكون جزءاً من أيّ مواجهة ممكنة في "بحر الصين".

لا، كل ذلك وغيره، لم يكن بالنسبة لبوتين سوى تأكيد للخلاصات التي استخرجها منذ وصوله الى السلطة، بدءاً بسحق الشيشان، مروراً بحرب الأيّام الخمسة "الظافرة"  في جورجيا وضمّ القرم ودعم "متمرّدي" إقليم دونباس الأوكراني، وصولاً إلى سوريا التي عزّز ذهابه العسكري إليها نفوذه في الشرق الأوسط وأوجد مسرحاً لتدريب حيّ لجنوده وتجربة خططه العسكرية وأسلحته الجديدة، على حساب المدن المدمّرة والشعب المذبوح ومصالح حلفاء الولايات المتحدة الاميركية.

لم يتوقف الغرب، منذ بدأ فلادمير بوتين يعتلي الدبّابة، عن التهديد بالعقوبات التي "لا تبقي ولا تذر"، ولكنّه طالما اكتفى بتدابير لا تقدّم ولا تؤخّر، الأمر الذي جعل بوتين الثابت في مناصبه يسخر من هؤلاء الذين جلس ينتظرهم على حافة نهر صناديق الاقتراع ومبدأ تداول السلطة.

إنّ شعار الرئيس جو بايدن، حتى هذا اليوم، لم يظهر إلّا عكسه، فطالما هزم الطغيان الحرية، ليس لأنّ الحرية كانت ضعيفة، بل لأنّها كانت تائهة ومنقسمة ومتضاربة وخائفة، في مواجهة طغيان متراص ومدرك أهدافه الخبيثة.

نظرة سريعة الى الإنفاق العسكري تظهر ذلك: ميزانية روسيا العسكرية تصل إلى اثنين وستين مليار دولار أميركي، في حين إنّ ميزانية الولايات المتحدة الاميركية هي سبعمئة وإثنان وسبعون مليار دولار أميركي وميزانية الاتحاد الاوروبي ثلاثمائة وثمانية وسبعين مليار دولار اميركي.

إنّ الدبلوماسية التي تقودها الولايات المتحدة الأميركية وحلفاؤها، حتى الآن، في المسألة الأوكرانية، توحي بأنّ الخلاصات التي كان قد توصّل إليها بوتين اقتنع بها القادة الذين أعلنوا عداءهم لهم، وقرّروا أن يتصرّفوا على أساسها ويصحّحوا أخطاءهم التاريخية المتراكمة.

صحيح أنّ الغرب، في ما يقدم عليه من خطوات،  لا ينوي الدخول في مواجهة عسكرية مع روسيا، ولكنّ الصحيح أيضاً أنّه لن يسمح لفلاديمير بوتين أن ينتصر في اوكرانيا، حتى لو أنجز اجتياحها، عسكرياً.

وقد بدأ قادة عدد من الدول الاوروبية يهيّئون الرأي العام في بلادهم لتضحيات ممكنة، على خلفية المواجهة التي قرّروا فتحها ضد القيادة الروسية وداعميها، وهذا يعني أنّ القرار المتخّذ،حتى تاريخه، لا يلحظ دعم مقاومة اوكرانية شرسة للاحتلال الروسي وللسلطة الموالية له التي يحلم بإقامتها، فحسب بل يهدف إلى رفع وتيرة العقوبات ضد موسكو وطبقتها الحاكمة والقوى المستفيدة منها الى مستويات مؤلمة للغاية، أيضاً.

إنّ الخطة الغربية إذا ما جرى التدقيق بها، فهي، لأوّل مرّة، تأخذ، في عين الاعتبار، وجوب الذهاب إلى الحد الأقصى من الضغط لزعزعة استقرار سلطة بوتين نفسه.

"الحرية سوف تنتصر على الطغيان" شعار لا يمكن أن يكون واقعياً، إذا تحوّل، غداً، إلى "الحرية مضطرّة إلى التعايش مع الطغيان": السوريون والعراقيون واليمنيون والإيرانيون واللبنانيون والفنزويليون والجورجيون والأوكرانيون وغيرهم الكثيرون شهود على ذلك.

المسار الحالي للصراع يسير بشكل أفضل بالنسبة لأوكرانيا منه بالنسبة لروسيا
المسار الحالي للصراع يسير بشكل أفضل بالنسبة لأوكرانيا منه بالنسبة لروسيا

يصادف الجمعة (24 فبراير) مرور عام كامل على الحرب الروسية ضد أوكرانيا. ولمن يريد التذكّر فقد كان هدف هذه الحرب التي أمر الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، بشنها وسماها عملية عسكرية خاصة، كان هو إخضاع أوكرانيا عبر احتلال عاصمتها كييف ومدنها الكبرى، وإسقاط حكومتها، وتنصيب أخرى موالية لموسكو، ونزع سلاح الجيش الأوكراني، واعتقال المئات وربما الآلاف من القوميين الأوكرانيين المناوئين لروسيا وقتلهم أو محاكمتهم. 

وللتذكير أيضا فإن أيا من هذه الأهداف لم يتحقق. والفضل في ذلك يعود إلى جملة من العوامل أهمها صمود الأوكرانيين والأداء السيء للجيش الروسي، ومسارعة حكومات الدول الأوروبية والولايات المتحدة إلى تقديم العون والمساعدة للحكومة الأوكرانية.

بعبارة أخرى هذه الحرب لم تفشل فقط في تحقيق أي من أهدافها، ولكنها كانت كارثية على روسيا بجميع المعايير. 

لنتذكر أن مبرر موسكو لخوض هذه الحرب كان هو الخشية من انضمام أوكرانيا إلى حلف الناتو، وبالتالي وصول الحلف إلى حدودها الغربية مباشرة.

ولكن بعد عام من الحرب فإن دولتين أصبحتا قاب قوسين أو أدني من عضوية الناتو، وهما فنلندا والسويد، والأولى تجمعها حدود مباشرة مع روسيا. فهذه الحرب التي أرادت روسيا أن تبعد من خلالها الناتو عن حدودها، هي التي جلبت في الواقع الحلف إليها، في حين أن انضمام أوكرانيا لم يكن أمرا محتما.

يظل بالطبع "الإنجاز" الأكبر للحرب على أوكرانيا هو في تغيير نظرة الأوروبيين لأمنهم وأيضا لعلاقتهم بروسيا. 

هناك من المحللين من يبدي استغرابا من المواقف الأوروبية الحازمة تجاه روسيا ويتصورون خطأ أنها تأتي انصياعا للإرادة الأميركية، ولكن الحقيقة هي أن الغزو الروسي لأوكرانيا شكل تهديدا هو الأبرز من نوعه للقارة الأوروبية منذ الحرب العالمية الثانية. 

وتشعر العديد من الدول الأوروبية بانكشاف أمني بسبب هذه الحرب وتداعيتها. 

وجاء في تقرير أمني سنوي للاستخبارات العسكرية السويدية أن "المخاطر الأمنية على السويد زادت وأصبحت التهديدات للسويد أوسع وأكثر تعقيدا".

كما اعتبرت أن الوضع الأمني حاليا في أوروبا وفي المنطقة السويدية المحاذية "الأسوأ منذ بداية الثمانينيات على الأقلّ".

لكن أجهزة الأمن والاستخبارات العسكرية السويدية اعتبرت في تقريرها أن الوضع "ازداد أماناً" في السويد منذ إرسال طلب انضمامها إلى حلف شمال الأطلسي، وتلقيها ضمانات ثنائية بشأن الأمن من عدة دول، بانتظار العضوية.

الواقع أن الغزو الروسي أحدث حالة من الصدمة العنيفة التي ستظل تؤرق الأوروبيين إلى فترة طويلة قادمة. 

ولذلك لم يكن صدفة أن يخصص مؤتمر ميونيخ للأمن الحيز الأكبر من تركيزه على هذه الحرب. 

وفي هذا المؤتمر قال المستشار الألماني، أولاف شولتز، إنه يجب أن يدرك الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، أن أوروبا الآن موحدة أكثر من أي وقت مضى. في حين قال الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، إن الحلفاء الغربيين جاهزون لنزاع طويل الأمد في أوكرانيا، وإن "الوقت الآن ليس للحوار أو التفاوض، فقد اختارت روسيا الحرب ويجب مواجهتها".

والتشدد الأوروبي تجاه روسيا ليس منفصلا عن الموقف الأميركي الحازم من غزو أوكرانيا.

وتدرك الإدارة الأميركية أن الغزو الروسي ليس مجرد نزاع على الأراضي، ولكنه في العمق منه تهديد وجودي لأوروبا ومحاولة إخضاعها من جهة ومن جهة أخرى إرساء قواعد دولية جديدة يمكن فيها للدول الكبيرة والقوية أن تعبث بالخرائط والحدود كيفما شاءت.  

لذلك اختارت الولايات المتحدة الوقوف مع أوكرانيا حتى النهاية. ولعل الزيارة التي قام بها الرئيس بايدن لكييف هي إشارة قوية ولافتة على المدى الذي يمكن أن تذهب إليه الإدارة الأميركية في التصدي للغزو الروسي.

يبقى القول بأن النهاية العسكرية لهذه الحرب قد لا تكون قريبة، وإن حدوث تغيير سياسي داخل روسيا ربما يظل الخيار الأكثر ملائمة والأقل كلفة، لكن إذا كان ثمة أمل في حدوث مثل هذا التغيير، فهو لن يتم عبر التفاوض مع موسكو أو الضغط على الحكومة الأوكرانية للقبول بالوضع الراهن، وإنما على العكس من ذلك تماما، هو سيتم عبر التمسك بالسياسة الحالية والمتمثلة في تزويد أوكرانيا بما تحتاجه من معدات عسكرية ودعم سياسي ودولي وفي الوقت نفسه فرض المزيد من العقوبات على روسيا وإحكام عزلها. هذه السياسة هي التي ستنضج في الأخير نهاية مقبولة لهذه الحرب.