مصلون في مسجد
"القرآن الكريم تكلم عن عدة مفاهيم لكلمة "الصلاة" وليس عن مفهوم واحد كما يظن البعض".

لم يزل الحديث عن موضوع "المعراج" يلقي بظلاله على ساحات العقل والفكر عند الكثير من المسلمين. 

وكانت بداية الصراع حينما أشار الأستاذ الكاتب إبراهيم عيسى إلى الاختلافات في قصص المعراج بين كتب التراث المختلفة. وثارت ثائرة كثيرين ضد إبراهيم عيسى بسبب ما قاله. ولكن، وكما يقولون "تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن" للذين هاجموا إبراهيم عيسى، فقد أكد كلام إبراهيم عيسى من اختلاف الروايات في قصة المعراج العديد من الشيوخ ورجال الدين مثل الرائع سعد الدين الهلالي وغيره من شيوخ الأزهر المعروفين والذين أكدوا أن منكر المعراج ليس كافرا بالإسلام. 

ومع اختلاف روايات قصة المعراج يأتي دئما الحديث عن فرضية الصلاة فيها. وهذا  الأمر له منطقه حيث أن الصلاة كما تعارف المسلمون عليها هي "عماد الدين" بناء على الحديث الشريف "الصلاة عماد الدين من أقامها أقام الدين ومن هدمها هدم الدين". وجدير بالذكر في هذا السياق أن نتطرق إلى أن القرآن الكريم تكلم عن عدة مفاهيم لكلمة "الصلاة" وليس عن مفهوم واحد كما يظن البعض.

وقد وردت المفاهيم التالية فى القرآن الكريم لتوضح المعانى المختلفة لكلمة الصلاة : 

المفهوم الأول: أنها وسيلة هدفها الرئيسي هو ذكر الله. ويتضح ذلك من لحظة اللقاء الإلهي مع سيدنا موسى حينما كلمه الله فقال له { إِنَّنِىٓ أَنَا ٱللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّآ أَنَا۠ فَٱعْبُدْنِي وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ لِذِكْرِي} سورة طه آية 14. وباطبع كانت صلاة موسى حينذاك باللغة العبرية وليس بالعربية ولم يكن بها قرآن أو حتى توراة فلم تكن التوراة قد أنزلت بعد على موسى في هذه اللحظة التاريخية.

المفهوم الثانى : هو أن الصلاة هي وسيلة من خلال تبتل إلى الخالق لتطهير النفس البشرية لتمنعها من فعل الشر كما ذكر الله تعالى فى قوله {وَأَقِمِ الصَّلَاةَ ۖ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَي عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ }. ولذا فإن الله قد أوحى لكل رسله وأنبيائه بالصلاة وبلغات مختلفة كما جاء في قوله عن إبراهيم وإسحق ويعقوب" وَجَعَلْنَٰهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِمْ فِعْلَ ٱلْخَيْرَٰتِ وَإِقَامَ ٱلصَّلَوٰةِ وَإِيتَآءَ ٱلزَّكَوٰةِ ۖ وَكَانُواْ لَنَا عَٰبِدِينَ" سورة الأنبياء آية 73. ولم يتطرق القرآن بوضوح إلى كلمات معينة أو حركات بعينها لإقامة تلك الصلوات. ومن الأقوال المأثورة عن الرسول عليه السلام والتي تتفق مع معنى الآية السابقة أنه قال "من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر فلا صلاة له". أي أن الأمر ليس مجرد حركات وكلمات وطقوس بل أن الصلاة هي وجود صلة بين الإنسان وربه في كل وقت وكل حين تمنعه من فعل الشر ومن ظلم الآخرين.   

المفهوم الثالث : تأتي الصلاة أيضاً بمعنى الدعاء للشخص ومباركته كما في الآيات: 

{وَصَلِّ عَلَيْهِمْ ۖ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ } ، وهنا  أمر الله تعالى نبيه عليه السلام بالصلاة على المؤمنين أي بالدعاء لهم ، ونرى نفس المعنى فى قوله تعالى: 

{هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ۚ } ( أي يبارك الله عملهم الصالح). بالإضافة إلى { إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا }. 

المفهوم الرابع: قد تأتي الصلاة أيضاً بمعنى التسبيح كما في قوله تعالى: 

{أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ ۖ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ }. و تبعاً لهذه الآية فإن تسبيح الله و ذكر أسمه و التأمل فى ملكوته هو أحد أنواع الصلاة.  

المفهوم الخامس: هو أن الصلاة واحدة من العبادات لها مواقيت معينة تهدف إلى التقرب إلى الله كما في { وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ ۚ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ۚ ذَٰلِكَ ذِكْرَىٰ لِلذَّاكِرِينَ } و { أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَىٰ غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ ۖ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا - وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ عَسَىٰ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا }. 

ومن الملاحظ في هذه الآيات وفي غيرها من آيات القرآن أن القرآن لم يتطرق إلى كيفية معينة لأداء الصلاة لأن وجود صلة مع الخالق قد تكون عملية مستمرة في كل لحظة من حياة الإنسان كما جاء في قوله تعالى "اٱلَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلَاتِهِمْ دَآئِمُونَ" سورة المعارج آية 23. 

والآن وبعد ماحدث في موضوع المعراج هل سنرى تساؤلات أكثر وأكثر من الناس عن أمور مثل موضوع فرض الصلوات الخمس في قصة المعراج – والمختلفة في رواياتها! 

وما طرحته (بضم التاء) هو تساؤلات قد يسألها كثيرون في العالم الإسلامي في الفترة القادمة! 

وللحديث بقية! 

المسار الحالي للصراع يسير بشكل أفضل بالنسبة لأوكرانيا منه بالنسبة لروسيا
المسار الحالي للصراع يسير بشكل أفضل بالنسبة لأوكرانيا منه بالنسبة لروسيا

يصادف الجمعة (24 فبراير) مرور عام كامل على الحرب الروسية ضد أوكرانيا. ولمن يريد التذكّر فقد كان هدف هذه الحرب التي أمر الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، بشنها وسماها عملية عسكرية خاصة، كان هو إخضاع أوكرانيا عبر احتلال عاصمتها كييف ومدنها الكبرى، وإسقاط حكومتها، وتنصيب أخرى موالية لموسكو، ونزع سلاح الجيش الأوكراني، واعتقال المئات وربما الآلاف من القوميين الأوكرانيين المناوئين لروسيا وقتلهم أو محاكمتهم. 

وللتذكير أيضا فإن أيا من هذه الأهداف لم يتحقق. والفضل في ذلك يعود إلى جملة من العوامل أهمها صمود الأوكرانيين والأداء السيء للجيش الروسي، ومسارعة حكومات الدول الأوروبية والولايات المتحدة إلى تقديم العون والمساعدة للحكومة الأوكرانية.

بعبارة أخرى هذه الحرب لم تفشل فقط في تحقيق أي من أهدافها، ولكنها كانت كارثية على روسيا بجميع المعايير. 

لنتذكر أن مبرر موسكو لخوض هذه الحرب كان هو الخشية من انضمام أوكرانيا إلى حلف الناتو، وبالتالي وصول الحلف إلى حدودها الغربية مباشرة.

ولكن بعد عام من الحرب فإن دولتين أصبحتا قاب قوسين أو أدني من عضوية الناتو، وهما فنلندا والسويد، والأولى تجمعها حدود مباشرة مع روسيا. فهذه الحرب التي أرادت روسيا أن تبعد من خلالها الناتو عن حدودها، هي التي جلبت في الواقع الحلف إليها، في حين أن انضمام أوكرانيا لم يكن أمرا محتما.

يظل بالطبع "الإنجاز" الأكبر للحرب على أوكرانيا هو في تغيير نظرة الأوروبيين لأمنهم وأيضا لعلاقتهم بروسيا. 

هناك من المحللين من يبدي استغرابا من المواقف الأوروبية الحازمة تجاه روسيا ويتصورون خطأ أنها تأتي انصياعا للإرادة الأميركية، ولكن الحقيقة هي أن الغزو الروسي لأوكرانيا شكل تهديدا هو الأبرز من نوعه للقارة الأوروبية منذ الحرب العالمية الثانية. 

وتشعر العديد من الدول الأوروبية بانكشاف أمني بسبب هذه الحرب وتداعيتها. 

وجاء في تقرير أمني سنوي للاستخبارات العسكرية السويدية أن "المخاطر الأمنية على السويد زادت وأصبحت التهديدات للسويد أوسع وأكثر تعقيدا".

كما اعتبرت أن الوضع الأمني حاليا في أوروبا وفي المنطقة السويدية المحاذية "الأسوأ منذ بداية الثمانينيات على الأقلّ".

لكن أجهزة الأمن والاستخبارات العسكرية السويدية اعتبرت في تقريرها أن الوضع "ازداد أماناً" في السويد منذ إرسال طلب انضمامها إلى حلف شمال الأطلسي، وتلقيها ضمانات ثنائية بشأن الأمن من عدة دول، بانتظار العضوية.

الواقع أن الغزو الروسي أحدث حالة من الصدمة العنيفة التي ستظل تؤرق الأوروبيين إلى فترة طويلة قادمة. 

ولذلك لم يكن صدفة أن يخصص مؤتمر ميونيخ للأمن الحيز الأكبر من تركيزه على هذه الحرب. 

وفي هذا المؤتمر قال المستشار الألماني، أولاف شولتز، إنه يجب أن يدرك الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، أن أوروبا الآن موحدة أكثر من أي وقت مضى. في حين قال الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، إن الحلفاء الغربيين جاهزون لنزاع طويل الأمد في أوكرانيا، وإن "الوقت الآن ليس للحوار أو التفاوض، فقد اختارت روسيا الحرب ويجب مواجهتها".

والتشدد الأوروبي تجاه روسيا ليس منفصلا عن الموقف الأميركي الحازم من غزو أوكرانيا.

وتدرك الإدارة الأميركية أن الغزو الروسي ليس مجرد نزاع على الأراضي، ولكنه في العمق منه تهديد وجودي لأوروبا ومحاولة إخضاعها من جهة ومن جهة أخرى إرساء قواعد دولية جديدة يمكن فيها للدول الكبيرة والقوية أن تعبث بالخرائط والحدود كيفما شاءت.  

لذلك اختارت الولايات المتحدة الوقوف مع أوكرانيا حتى النهاية. ولعل الزيارة التي قام بها الرئيس بايدن لكييف هي إشارة قوية ولافتة على المدى الذي يمكن أن تذهب إليه الإدارة الأميركية في التصدي للغزو الروسي.

يبقى القول بأن النهاية العسكرية لهذه الحرب قد لا تكون قريبة، وإن حدوث تغيير سياسي داخل روسيا ربما يظل الخيار الأكثر ملائمة والأقل كلفة، لكن إذا كان ثمة أمل في حدوث مثل هذا التغيير، فهو لن يتم عبر التفاوض مع موسكو أو الضغط على الحكومة الأوكرانية للقبول بالوضع الراهن، وإنما على العكس من ذلك تماما، هو سيتم عبر التمسك بالسياسة الحالية والمتمثلة في تزويد أوكرانيا بما تحتاجه من معدات عسكرية ودعم سياسي ودولي وفي الوقت نفسه فرض المزيد من العقوبات على روسيا وإحكام عزلها. هذه السياسة هي التي ستنضج في الأخير نهاية مقبولة لهذه الحرب.