الرئيس الروسي فلاديمير بوتين
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين

بين الجدار الأحمر الذي يحيط بقلعة الكرملين وجدار برلين الذي أحاط بنصف القارة الأوروبية مساحة وزمانا، يرفض الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مغادرتهما. هو الساكن خلف الأول في عزلة اختيارية تركت أثرها على طبيعته وعلى شخصيته حسب ما يروّج أعداؤه، ومسكون بالثاني الذي يتعامل معه كخطيئة لا يمكن أن يسامح نفسه عليها أو يتجاوزها. وخارج الجدارين تكونت انطباعات متناقضة، عن كولونيل مغمور أمسك بالسلطة في بلاد اعتادت أن تحكمها أُسر امبراطورية أو حزبية، استمدت شرعيتها من طروحات روحية تارة وأيديولوجية تارة أخرى، انطباعات أغلبها خارجية أخطأت في تقديراتها لكولونيل يخفي هويته، ترقى وظيفيا في زمن الفوضى فأدهشها كيف تمكن من أن يصبح رئيسا قابضا على الدولة، وصدمها عندما تصرف كقيصر يطمح للقبض على الجغرافيا.

خلف الجدار الأول لم يعد ممكنا التمييز بين الرئيس والقيصر، صمت المستشارون وصفق المؤيدون كأنه استنساخ من بلاد البعث، حيث يختزل مصير البلاد والعباد بما يقرره السيد الرئيس القائد المهيب، فلا مكان للرأي الآخر أو المعارض ولا حاجة لصناديق الاقتراع أو تداول السلطة، ولا ثقة بطبقة سياسية أو حزبية ولو كانت مدجنة، فقد اختزل الكولونيل، الرئيس، القيصر، تداولاته برفاق دربه المخبرين، الذين ساعدوه على عزل نفسه خلف الجدار، وساهموا في رسم صورة يرغب فيها عن نفسه، تعكس طموحاته وتلبي رغباتهم، ونجحوا في إخضاع الداخل وترهيب الخارج، وفي لحظة صعود اتسع فيها ظله خارج الجدار الأول، وأغراه ما استعاده من قوة، فتحرك لاستعادة المساحة الجيوسياسية الفاصلة بين الجدارين.

سنة 1989 أرسل الكولونيل في (كي جي بي) فلاديمير بوتين برقية عاجلة إلى قيادته عن تمرد في برلين سيكون أسوأ هزيمة جيوسياسية لبلاده في القرن الماضي. وفي 2022 أرسل أوامره إلى قواته المسلحة بتصحيح هذا الخطأ عبر البوابة الأوكرانية، بعدما أعطى فعلته مبررات تاريخية مفتعلة تتنكر لتاريخ حفظه أباطرة روسيا السوفياتية والقيصرية. فقد كشفت الحرب على أوكرانيا مأزق الكولونيل الرئيس القيصر، بأنه مثقل بطموحات أو أوهام أثقلت كاهله وكاهل من سبقه، وكانت سببا في دفع روسيا أثمانا باهظة بالأرواح والثروات والجغرافيا، حيث تحولت الأخيرة إلى لعنة تسببت بمعاناة دائمة امتدت لعدة قرون، أغرت كل الراغبين في الصعود وكانت أيضا سببا في سقوطهم.

لم يلتفت فلاديمير بوتين إلى حجم الخسائر الجانبية لمقامرته مهما تكن قاسية، فالتضحية من أجل الجغرافيا ضرورية عندما يقترب العدو من الحدود، أو تعصف رياح التغيير الملونة باستقرار جواره المطيع، وتقترب من جدار قلعته الحمراء. فالرجل الذي أرسل طائراته إلى دمشق لن يتردد لحظة في إرسال دباباته إلى كييف، لكن ما غاب عن باله أنه عندما حرّك آلته العسكرية أيقظ ذاكرة الشعوب التي سكنت داخل الجدار الثاني، وأثار مخاوف سكان الجهة الأخرى من الجدار. ففي اللحظة التي أراد فيها فلاديمير بوتين إعادة عقارب الساعة إلى الوراء انتفضت شعوب أوروبا الشرقية وأعلنت عن استعدادها للتضحية حتى لا تعود إلى مرحلة ما بعد 1945، فيما احتشدت دول أوروبا الغربية حتى لا تكرر مأساة ماقبل 1945.

منذ سنوات يرى فلاديمير بوتين العالم يتغير، لكنه يرفض أن يتغير، يرفض الاعتراف بأن الزمن يسير باتجاه واحد، ويصرّ على إعادته إلى الوراء، منذ احتلال القرم يسيطر عليه وهم توسعي، تصرف كأن المسافة ما بين الجدارين باتت قريبة وأنه بخطوة صغيرة يستعيد امتلاكها، وتحرك مدفوعا برغبة اخضاع كل من تمرد أو تجرأ على عظمة بلاده، عظمة لا يمكن استعادتها فقط عن طريق القوة، فما لم يدركه الضباط الذين جاءوا إلى السلطة، وأفرغوا الحياة السياسية والحزبية والفكرية الثقافية الروسية من مضمونها، أنه ليس بالقوة وحدها تستعيد روسيا عظمتها، وأن الكولونيل المقيم خلف جدارين لا يمكن أن يصبح قيصر.

المسار الحالي للصراع يسير بشكل أفضل بالنسبة لأوكرانيا منه بالنسبة لروسيا
المسار الحالي للصراع يسير بشكل أفضل بالنسبة لأوكرانيا منه بالنسبة لروسيا

يصادف الجمعة (24 فبراير) مرور عام كامل على الحرب الروسية ضد أوكرانيا. ولمن يريد التذكّر فقد كان هدف هذه الحرب التي أمر الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، بشنها وسماها عملية عسكرية خاصة، كان هو إخضاع أوكرانيا عبر احتلال عاصمتها كييف ومدنها الكبرى، وإسقاط حكومتها، وتنصيب أخرى موالية لموسكو، ونزع سلاح الجيش الأوكراني، واعتقال المئات وربما الآلاف من القوميين الأوكرانيين المناوئين لروسيا وقتلهم أو محاكمتهم. 

وللتذكير أيضا فإن أيا من هذه الأهداف لم يتحقق. والفضل في ذلك يعود إلى جملة من العوامل أهمها صمود الأوكرانيين والأداء السيء للجيش الروسي، ومسارعة حكومات الدول الأوروبية والولايات المتحدة إلى تقديم العون والمساعدة للحكومة الأوكرانية.

بعبارة أخرى هذه الحرب لم تفشل فقط في تحقيق أي من أهدافها، ولكنها كانت كارثية على روسيا بجميع المعايير. 

لنتذكر أن مبرر موسكو لخوض هذه الحرب كان هو الخشية من انضمام أوكرانيا إلى حلف الناتو، وبالتالي وصول الحلف إلى حدودها الغربية مباشرة.

ولكن بعد عام من الحرب فإن دولتين أصبحتا قاب قوسين أو أدني من عضوية الناتو، وهما فنلندا والسويد، والأولى تجمعها حدود مباشرة مع روسيا. فهذه الحرب التي أرادت روسيا أن تبعد من خلالها الناتو عن حدودها، هي التي جلبت في الواقع الحلف إليها، في حين أن انضمام أوكرانيا لم يكن أمرا محتما.

يظل بالطبع "الإنجاز" الأكبر للحرب على أوكرانيا هو في تغيير نظرة الأوروبيين لأمنهم وأيضا لعلاقتهم بروسيا. 

هناك من المحللين من يبدي استغرابا من المواقف الأوروبية الحازمة تجاه روسيا ويتصورون خطأ أنها تأتي انصياعا للإرادة الأميركية، ولكن الحقيقة هي أن الغزو الروسي لأوكرانيا شكل تهديدا هو الأبرز من نوعه للقارة الأوروبية منذ الحرب العالمية الثانية. 

وتشعر العديد من الدول الأوروبية بانكشاف أمني بسبب هذه الحرب وتداعيتها. 

وجاء في تقرير أمني سنوي للاستخبارات العسكرية السويدية أن "المخاطر الأمنية على السويد زادت وأصبحت التهديدات للسويد أوسع وأكثر تعقيدا".

كما اعتبرت أن الوضع الأمني حاليا في أوروبا وفي المنطقة السويدية المحاذية "الأسوأ منذ بداية الثمانينيات على الأقلّ".

لكن أجهزة الأمن والاستخبارات العسكرية السويدية اعتبرت في تقريرها أن الوضع "ازداد أماناً" في السويد منذ إرسال طلب انضمامها إلى حلف شمال الأطلسي، وتلقيها ضمانات ثنائية بشأن الأمن من عدة دول، بانتظار العضوية.

الواقع أن الغزو الروسي أحدث حالة من الصدمة العنيفة التي ستظل تؤرق الأوروبيين إلى فترة طويلة قادمة. 

ولذلك لم يكن صدفة أن يخصص مؤتمر ميونيخ للأمن الحيز الأكبر من تركيزه على هذه الحرب. 

وفي هذا المؤتمر قال المستشار الألماني، أولاف شولتز، إنه يجب أن يدرك الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، أن أوروبا الآن موحدة أكثر من أي وقت مضى. في حين قال الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، إن الحلفاء الغربيين جاهزون لنزاع طويل الأمد في أوكرانيا، وإن "الوقت الآن ليس للحوار أو التفاوض، فقد اختارت روسيا الحرب ويجب مواجهتها".

والتشدد الأوروبي تجاه روسيا ليس منفصلا عن الموقف الأميركي الحازم من غزو أوكرانيا.

وتدرك الإدارة الأميركية أن الغزو الروسي ليس مجرد نزاع على الأراضي، ولكنه في العمق منه تهديد وجودي لأوروبا ومحاولة إخضاعها من جهة ومن جهة أخرى إرساء قواعد دولية جديدة يمكن فيها للدول الكبيرة والقوية أن تعبث بالخرائط والحدود كيفما شاءت.  

لذلك اختارت الولايات المتحدة الوقوف مع أوكرانيا حتى النهاية. ولعل الزيارة التي قام بها الرئيس بايدن لكييف هي إشارة قوية ولافتة على المدى الذي يمكن أن تذهب إليه الإدارة الأميركية في التصدي للغزو الروسي.

يبقى القول بأن النهاية العسكرية لهذه الحرب قد لا تكون قريبة، وإن حدوث تغيير سياسي داخل روسيا ربما يظل الخيار الأكثر ملائمة والأقل كلفة، لكن إذا كان ثمة أمل في حدوث مثل هذا التغيير، فهو لن يتم عبر التفاوض مع موسكو أو الضغط على الحكومة الأوكرانية للقبول بالوضع الراهن، وإنما على العكس من ذلك تماما، هو سيتم عبر التمسك بالسياسة الحالية والمتمثلة في تزويد أوكرانيا بما تحتاجه من معدات عسكرية ودعم سياسي ودولي وفي الوقت نفسه فرض المزيد من العقوبات على روسيا وإحكام عزلها. هذه السياسة هي التي ستنضج في الأخير نهاية مقبولة لهذه الحرب.