A woman shouts slogans as she takes part with Iraqi protesters in an an anti-government demonstration on Al-Jumhuriyah bridge…
حمى الترند السياسي قد تكون سلاحا ذا حدين.

لم تعد حركات الاحتجاج ونزول الأفراد إلى الشارع في تظاهرات، تثير مخاوف الحكومات والطبقة السياسية وزعامتها في العراق، فالموضوع أصبح نوعا من الروتين الذي بات معتادا بين فترة وأخرى. ولم تنته مخاوفهم عند خفوت التظاهرات، لأن الأكثر إزعاجا أصبح في ما تتناقله وسائل التواصل الاجتماعي والذي يتحول إلى ترند، وهو الأكثر تأثيرا على قضايا الرأي العام في العراق.

مفردة "ترند" تعني الأكثر تداولا، وهي كلمة إنكليزية  Trend يجري استعمالها في وسائل التواصل الاجتماعي إشارة إلى الأمور المنتشرة والأحداث الرائجة والموضوعات الشائعة التي يجري تداولها من قبل مستخدمين تلك الوسائل في فترة ما. وتقترب في دلالتها إلى حديث الساعة، الذي قد يكون حدثا عالميا أو إقليميا أو محليا. 

عراقيا، وفي الفترة الأخيرة أدرك الكثير من الناشطين في وسائل فيسبوك وتويتر أهمية الترند في توجيه الرأي العام نحو قضايا محددة. والمفارقة هنا، أن الجيوش الإلكترونية لأحزاب وشخصيات سياسية وحتى جهات مقربة من الحكومات، كانت تستخدم منصات التواصل وعبر حسابات وهمية للترويج إلى موضوع محدد أو تسقيط الخصوم. في حين، كان الكثير من الناشطين يركزون اهتمامهم في قضايا وظواهر اجتماعية.

لعل كثيرا من الملفات تبقى طي النسيان بسبب التقادم بالزمن، والكثير منها ذو أهمية قصوى في قضايا الفساد والتورط في قضايا الاغتيالات والقتل والاختطاف التي تزايدت حدتها بعد احتجاجات أكتوبر 2019 وحاولت حكومة الكاظمي تجاهلها، أو تجاهلتها فعلا لكي لا تثير حفيظة وردود فعل جهات سياسية متورطة بتلك الملفات. بيد أن الترويج لها من قبل الناشطين والمدونين والمؤثرين في منصات وسائل التواصل الاجتماعي أجبرت الحكومة على فتح هذه الملفات أو على الأقل اتخاذ إجراءات قانونية بخصوصها. 

قضية العفو الرئاسي الخاص عن مدان بتجارة المخدرات، كانت تعبيرا واضحا عن دور الترند في تحريك الرأي العام نحو نموذج من الاستخفاف بالقانون والاستهتار بممارسة الصلاحيات الذي مارسته الحكومة في التوصية إلى رئاسة الجمهورية في العفو الخاص عن شخص أُدين بالمتاجرة بالمخدرات. والعفو لم يكن لسبب إنساني يتم تبريره بدعاوى صحية أو غيرها، وإنما تفوح منها رائحة صفقة سياسية. فتاجر المخدرات المعفى عنه هنا ليس شخصيا عاديا، وإنما هو ابن محافظ! ولذلك يجب أن يكون هنالك معاملة خاصة لابن المسؤول السياسي في دولة تحكمها مافيات سياسية، ولا يحكمها القانون. وكان تخبط رئاسة الجمهورية في تبرير خطيئة إصدار العفو الخاص أكثر ضررا على هيبة رئاسة الجمهورية من إصدار العفو نفسه؛ لأنها أكدت فوضى إصدار القرار من قبل رئيس الجمهورية، حامي الدستور، الذي يرشح نفسه للحصول على ولاية ثانية! 

أما محاكمة قتلة احتجاجات تشرين، فقد أرادت حكومة الكاظمي طي صفحتها وتجاهل موضوعها لاعتبارات سياسية. لكن حملة إنهاء الإفلات من العقاب التي تصدى لها مجموعة من الناشطين عبر حسابتهم في تويتر وفيسبوك، ساهمت بتحويل الموضوع إلى الترند. إذ تم نشر الأدلة والاعترافات التي تثبت تورط شخصيات برتب عسكرية في مجزرة الزيتون في محافظة الناصرية، وقضايا أخرى تتعلق بانتهاكات حقوق الإنسان أثناء العمليات العسكرية لتحرير الموصل. ومن ثم أجبرت الحكومة على فتح التحقيق مرة أخرى، ورغم الغموض عن الاجراءات القضائية اللاحقة بإعادة فتح هذه الموضوع، إلا أن الموضوع الأهم، هو انتشار الترند وإحراج الحكومة التي كانت غايتها إدراج ملف اغتيال المتظاهرين ضمن ملفات لجان التحقيق التي لم تقدم نتائج تُذكر ولم تكشف عن الجهة المسؤولة عن الحادثة! 

وقد تكون قضيتا العفو الخاص، وحملة إنهاء الإفلات عن العقاب نماذج من بين الكثير من الملفات التي تحولت إلى ترند في وسائل السوشيال ميديا، وتحولت إلى قضايا يهتم بها الرأي العام وتجبر الحكومة والشخصيات السياسية على التفاعل معها. وهنا تحول الترند من سلاح بيد الحكومة وقوى السلطة للترويج حول قضايا ومواقف معينة تريد من تكرارها تنميط رأي الجمهور تجاهها، إلى أقوى أسلحة الناشطين والنخب في مواجهة السلطة وحاشيتها وجيوشها الإلكترونية، ليس في القضايا السياسية فحسب، وإنما في الكثير من قضايا العنف الأسري وانتهاكات حقوق المرأة، ومطالب شرائح وفئات محددة من المجتمع.

في العراق لا يعبر الترند عما هو رائج من أزياء وتسريحات شعر، والتقليعات الأحدث في عالم الموضة، فهذه المواضيع المترفة ليست من اهتمامات العراقيين، والسبب ليس لعدم وجود فئات تهتم بها، بل أن من يعيش في جمهورية الفوضى والفساد، يعتقد أن معركته مع الحكومات التي تتجاهل مطالبه واحتياجاته وأوليات الحياة الكريمة يجب مواجهتها بالترند السياسي، الذي بات مصدر قلق لدى الحكومة والزعامات وأصحاب النفوذ.

تضخم الاهتمام بالسياسة وقضايا في سجالات العراقيين، يجعل الترند السياسي هو الأكثر تأثيرا على الحكومة والطبقة السياسية، لذلك تعجز في الكثير من الأحيان عن مواجهة التفاعل مع الترند الذي يفضح قضايا الفساد، والتجاوز على القانون ومؤسسات الدولة. لأن السياسي بات يخشى ما تنشره وسائل التواصل الاجتماعي أكثر من خشيته من المحاسبة القانونية؛ لأننا نعيش في اللادولة.

حمى الترند التي جعلت الجميع يشتركون ويتفاعلون مع السجالات السياسية والموضوعات المرتبطة بها، قد تكون سلاحا ذا حدين. فمرة تستخدمه الجماعات الايديولوجية والتي لديها أجندة تحاول تمريرها وخداع الجمهور بأهميتها، ومرة أخرى يستخدمه الناشطون في السياسة والإعلام لكشف ملفات الفساد. وميدان المعركة بين الفريقين هو منصات التواصل الاجتماعي والتي ينتشر فيها الأميون الجدد، وهم فئة كثيرة من المتلقين يعتمدون في معلوماتهم على ما ينشر في وسائل التواصل من دون متابعة أصل المعلومات ودقتها ومصداقيتها، ومن يقف وراءها.

المسار الحالي للصراع يسير بشكل أفضل بالنسبة لأوكرانيا منه بالنسبة لروسيا
المسار الحالي للصراع يسير بشكل أفضل بالنسبة لأوكرانيا منه بالنسبة لروسيا

يصادف الجمعة (24 فبراير) مرور عام كامل على الحرب الروسية ضد أوكرانيا. ولمن يريد التذكّر فقد كان هدف هذه الحرب التي أمر الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، بشنها وسماها عملية عسكرية خاصة، كان هو إخضاع أوكرانيا عبر احتلال عاصمتها كييف ومدنها الكبرى، وإسقاط حكومتها، وتنصيب أخرى موالية لموسكو، ونزع سلاح الجيش الأوكراني، واعتقال المئات وربما الآلاف من القوميين الأوكرانيين المناوئين لروسيا وقتلهم أو محاكمتهم. 

وللتذكير أيضا فإن أيا من هذه الأهداف لم يتحقق. والفضل في ذلك يعود إلى جملة من العوامل أهمها صمود الأوكرانيين والأداء السيء للجيش الروسي، ومسارعة حكومات الدول الأوروبية والولايات المتحدة إلى تقديم العون والمساعدة للحكومة الأوكرانية.

بعبارة أخرى هذه الحرب لم تفشل فقط في تحقيق أي من أهدافها، ولكنها كانت كارثية على روسيا بجميع المعايير. 

لنتذكر أن مبرر موسكو لخوض هذه الحرب كان هو الخشية من انضمام أوكرانيا إلى حلف الناتو، وبالتالي وصول الحلف إلى حدودها الغربية مباشرة.

ولكن بعد عام من الحرب فإن دولتين أصبحتا قاب قوسين أو أدني من عضوية الناتو، وهما فنلندا والسويد، والأولى تجمعها حدود مباشرة مع روسيا. فهذه الحرب التي أرادت روسيا أن تبعد من خلالها الناتو عن حدودها، هي التي جلبت في الواقع الحلف إليها، في حين أن انضمام أوكرانيا لم يكن أمرا محتما.

يظل بالطبع "الإنجاز" الأكبر للحرب على أوكرانيا هو في تغيير نظرة الأوروبيين لأمنهم وأيضا لعلاقتهم بروسيا. 

هناك من المحللين من يبدي استغرابا من المواقف الأوروبية الحازمة تجاه روسيا ويتصورون خطأ أنها تأتي انصياعا للإرادة الأميركية، ولكن الحقيقة هي أن الغزو الروسي لأوكرانيا شكل تهديدا هو الأبرز من نوعه للقارة الأوروبية منذ الحرب العالمية الثانية. 

وتشعر العديد من الدول الأوروبية بانكشاف أمني بسبب هذه الحرب وتداعيتها. 

وجاء في تقرير أمني سنوي للاستخبارات العسكرية السويدية أن "المخاطر الأمنية على السويد زادت وأصبحت التهديدات للسويد أوسع وأكثر تعقيدا".

كما اعتبرت أن الوضع الأمني حاليا في أوروبا وفي المنطقة السويدية المحاذية "الأسوأ منذ بداية الثمانينيات على الأقلّ".

لكن أجهزة الأمن والاستخبارات العسكرية السويدية اعتبرت في تقريرها أن الوضع "ازداد أماناً" في السويد منذ إرسال طلب انضمامها إلى حلف شمال الأطلسي، وتلقيها ضمانات ثنائية بشأن الأمن من عدة دول، بانتظار العضوية.

الواقع أن الغزو الروسي أحدث حالة من الصدمة العنيفة التي ستظل تؤرق الأوروبيين إلى فترة طويلة قادمة. 

ولذلك لم يكن صدفة أن يخصص مؤتمر ميونيخ للأمن الحيز الأكبر من تركيزه على هذه الحرب. 

وفي هذا المؤتمر قال المستشار الألماني، أولاف شولتز، إنه يجب أن يدرك الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، أن أوروبا الآن موحدة أكثر من أي وقت مضى. في حين قال الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، إن الحلفاء الغربيين جاهزون لنزاع طويل الأمد في أوكرانيا، وإن "الوقت الآن ليس للحوار أو التفاوض، فقد اختارت روسيا الحرب ويجب مواجهتها".

والتشدد الأوروبي تجاه روسيا ليس منفصلا عن الموقف الأميركي الحازم من غزو أوكرانيا.

وتدرك الإدارة الأميركية أن الغزو الروسي ليس مجرد نزاع على الأراضي، ولكنه في العمق منه تهديد وجودي لأوروبا ومحاولة إخضاعها من جهة ومن جهة أخرى إرساء قواعد دولية جديدة يمكن فيها للدول الكبيرة والقوية أن تعبث بالخرائط والحدود كيفما شاءت.  

لذلك اختارت الولايات المتحدة الوقوف مع أوكرانيا حتى النهاية. ولعل الزيارة التي قام بها الرئيس بايدن لكييف هي إشارة قوية ولافتة على المدى الذي يمكن أن تذهب إليه الإدارة الأميركية في التصدي للغزو الروسي.

يبقى القول بأن النهاية العسكرية لهذه الحرب قد لا تكون قريبة، وإن حدوث تغيير سياسي داخل روسيا ربما يظل الخيار الأكثر ملائمة والأقل كلفة، لكن إذا كان ثمة أمل في حدوث مثل هذا التغيير، فهو لن يتم عبر التفاوض مع موسكو أو الضغط على الحكومة الأوكرانية للقبول بالوضع الراهن، وإنما على العكس من ذلك تماما، هو سيتم عبر التمسك بالسياسة الحالية والمتمثلة في تزويد أوكرانيا بما تحتاجه من معدات عسكرية ودعم سياسي ودولي وفي الوقت نفسه فرض المزيد من العقوبات على روسيا وإحكام عزلها. هذه السياسة هي التي ستنضج في الأخير نهاية مقبولة لهذه الحرب.