People of the Ukrainian community take part in a protest in support of Ukraine in front of the Russian Embassy in Santiago, on…
أوكرانيا دولة مستقلة ذات سيادة اختار شعبها نظامه السياسي

تكثر التحليلات والتعليقات حول الحرب التي أعلنها الرئيس الروسي على أوكرانيا. البعض يتهم الغرب، وخصوصاً اميركا باستدراج بوتين للحرب لإضعافه وفتح مستنقع جديد على غرار ورطة أفغانستان حفظاً لمصالحها. وهناك من يرى العكس، أن خضوع الغرب لابتزاز بوتين يعني تكرار خطيئة تشامبرلين في عقده معاهدة ميونيخ مع هتلر بدل مواجهته باكراً.

نظرية المؤامرة وتبرئة المذنب أسلوب شعبي يتم اللجوء غليه عند كل منعطف. فعندما انتشرت جائحة كوفيد انطلاقاً من الصين، سارعت البعض لاتهام أميركا والغرب بتصنيع الفيروس وتوزيعه كمؤامرة إمبريالية تبغي الكسب والهيمنة على العقول، مع أنهم كانوا أول المتضررين.

أما منطق اليسار والممانعة المدافع عن حرب بوتين فيتخذ من الهجوم الأميركي على بغداد ذريعة لتبريرها. يعني إذا أخطأت أميركا واحتلت العراق وتسببت بكارثته، يحق لروسيا غزو أوكرانيا بعد تدميرها سوريا.

وهناك من يقارن هذا الغزو بهجوم هتلر عام 1938 على البلدان التشيكية. بداية قدّم بوتين نفسه كضحية لسياسة الناتو التوسعية، مع انه حلف دفاعي يمنعه ميثاقه من مهاجمة أحد ما لم يتعرض أحد أعضائه للهجوم أولاً. وقبيل غزوه أوكرانيا، أعاد اتهام سلطاتها بارتكاب "إبادة جماعية" ضد السكان الناطقين بالروسية في دونباس، مؤكدا ارادته بالقضاء على نازيتها ونزع سلاحها. استخدم "الخطاب المضلل" باستعمال كلمة "إبادة جماعية"، كأنه يستعيد صدى "الفظائع غير المسبوقة" التي تذرع بها هتلر لاحتلالاته في عام 1938. وعلى غرار هتلر وإيران في المنطقة العربية، استخدم وجود أقليات روسية كبيرة وجعلهم حصان طروادة للاختراق والغزو.

لم يسمح له بذلك سوى ضعف الديموقراطيات الغربية وتراخيها تجاهه.

تكمن مسؤولية الغرب عما يجري في أوكرانيا، في تقاعسه عن مواجهة عنف الأنظمة المستبدة، خصوصاً تغاضي أوباما "حامل نوبل للسلام"، عن اعتداءات إيران لجيرانها، وتراجعه عن خطوطه الحمراء في سوريا والتفرج على براميل بوتين المتفجرة تهدم سوريا على رؤوس السوريين. هذه هي نتيجة سياسة "السلام الخادع" لأوباما وعماء الغرب وتعامله مع الأطراف البعيدة عن المركز، ككم مهمل يكفي التعامل معه بتكتيكات آنية وليس باستراتيجيات واضحة ومبدئية تحترم ادعاءات وقيم الديموقراطية. وصلنا إلى حافة حرب كونية لتجاهلهم أن دول العالم في مركب واحد مترابط كالأوعية المتصلة.

لكن في كل هذا الجدل حول الحرب الروسية على أوكرانيا، يتم إهمال مسألتان: مسؤولية الرئيس الروسي الشخصية عن قراراته مهما كانت، وارتباطها بتاريخ ممارساته وتجاربه المخابراتية ومعتقداته وطبائعه، إضافة إلى وضعه النفسي الراهن الذي يوصف بالعزلة. يجد البعض الوضع شبيه بتجربة هتلر وشخصيته من نواحٍ عدة.

المسألة الثانية والأهم، إغفال إرادة الشعوب وحقها في تقرير المصير والتصرف والتغيير دون إكراه، أي الاستقلالية وامتلاك حرية الاختيار. كما حق الدول الوطنية الصغيرة بالوجود وبالحماية.

فالشعوب كبشر، بمعزل عن مصالح الدول والأنظمة، يحق لهم اختيار نمط حياة يفضلونها والعمل على تأمين مستوى معيشي لائق، وحريات شخصية وسياسية ومساواة. كما من حقهم رفض الالتحاق بأنظمة الاستبداد والإفقار والخضوع وفقدان الحريات.

أوكرانيا دولة مستقلة ذات سيادة اختار شعبها نظامه السياسي الديموقراطي وانتخب رئيسه وحكومته ويريد بمحض إرادته الالتحاق بالاتحاد الاوروبي وديموقراطياته. وهذا ما يعتبره بوتين نازية يجب بترها.

من يقرأ خطاب بوتين، الذي وصفه البعض بالهذياني، سيجد أن الرجل لا يريد أقل من إعادة كتابة التاريخ، من زمن القياصرة إلى ستالين مروراً بلينين. بوتين يريد تصحيح أخطاء لينين التاريخية. يلومه لتقديمه تنازلات للقوميين، وقبول نظام الدولة الكونفدرالية، المبنية على شعار حق الأمم في تقرير المصير حتى الانفصال. ويسأل معترضاً: "لماذا كان من الضروري إرضاء أية طموحات قومية متنامية بشكل غير محدود في ضواحي الإمبراطورية الروسية السابقة من عظام هيكلها"؟

بوتين يصحح التاريخ ويعيد الأمور إلى نصابها. سجلّه كحاكم لروسيا يحتاج إلى صفحات لتعداد ممارساته ضد المعارضين والإعلام وقمع الاحتجاجات وتسميم واغتيال المعارضين في الداخل والخارج. وراهناً يعتقل المتظاهرين ضد الحرب بالآلاف. وجميعها ممارسات يلصقها بدول الغرب والناتو ويجعل منها أهدافهم ضد بلاده.

استفزازات الغرب لروسيا ليست المسؤولة عن تحولها إلى الديكتاتورية ولا عن فشلها الاقتصادي.

وفيما حلف الناتو لم يعتد على أي دولة، بالمقابل استخدم "حلف وارسو" التدخلات العسكرية في المجر وبولندا وتشيكوسلوفاكيا لسحق الانتفاضات الشعبية ضد الهيمنة السوفياتية. وتدخلت روسيا، في عهد بوتين، عسكرياً في بيلاروسيا، وكازاخستان، وطاجيكستان، وليبيا، ومالي وجمهورية أفريقيا الوسطى وسوريا. وفي 1999 قمع حركات الاحتجاج في الشيشان بوحشية، ثم في جورجيا في 2008 واجتاح القرم في 2014 وتدخل في سوريا في 2015 ودعم نيكولاس مادورو في فنزويلا. هذا عدا عن دعمه ومساندته إيران وأدوارها بوجه المجتمع الدولي برمته. أكثر من ربع قرن من الحروب والتدخلات المحمومة، واستخدام الفيتو في مجلس الأمن في كل مرة حاول فيها اتخاذ موقف متوازن. هذه جميعها لا تكفي كي يتحمل وحده مسؤولية عدوانه على أوكرانيا؟

يجد فوكوياما، أن بوتين قد يكون ارتكب خطأً مميتاً في غزوه لأوكرانيا، التي انخرطت في مقاومة مستميتة للدفاع عن نفسها. دعا رئيسها مباشرة كل من يمكنه حمل السلاح أن يتجند في وحدات "الدفاع الإقليمي"، وهي نوع من الحرس المدني الذي تشكل في الدولة في الأسابيع الأخيرة. وتبين ان بوسع المقاتلين الأوكرانيين أن يعرقلوا ويشوشوا حركة القوة الروسية الغازية. ولعل بوتين نسي، انه سبق لمقاتلي جيش فنلندا في الحرب العالمية الثانية أن نجحوا في صد الجيش الأحمر وطردوا جنود ستالين من بلادهم من خلال حرب عصابات أسعفهم فيها برد الشتاء. كما نسي أن حرب أفغانستان كانت أحد أسباب انهيار الاتحاد السوفياتي الذي يريد استرجاعه.
بانتظار ارتدادات الحرب والعقوبات على الوضع الداخلي في روسيا، يبدو أن بوتين نجح في توحيد الغرب وفي قلب سياسة ألمانيا لأول مرة بعد انتهاء الحرب الثانية. نحن أمام عالم قادم مختلف. على أمل حصول قفزة في وعي الدول العربية كي تبلور سياسة واضحة تؤمّن مصالح ومستقبل شعوب المنطقة وتختار الوقوف مع الديموقراطية وقيمها.

في الخلاصة، كشفت هذه الأزمة عن تحيز غربي عنصري في تغطية الأحداث. وبينت أن العرق والثقافة والدين لا تزال تشكل خلفية لسلوك البشر واستجاباتهم، وتفسر ربما المعايير المزدوجة في سياسات الغرب بتعامله مع دول الأطراف الأفقر أو غير الاوروبية، ما يقود إلى "الانتقاص من كرامتهم وحقهم بالعيش في كرامة”، لى ما كتب أتش إي هيلير من كارنيغي.

لكن عنصرية الغربيين لا تتفوق على عنصريتنا، فآخر مهازل بعض الأبواق الشعبوية واليسارية الممانعة، السخرية من زيلينسكي لأنه ممثل ويهودي وصهيوني ويحمل الجنسية الإسرائيلية!! انه تجسيد للشيطان نفسه!! ناهيك عن الاشارة إلى الأوكرانيات بتلميحات مسفّة. هذا في حين قد يكون لبنان من أوائل المتضررين من الاشتباك العالمي الحاصل زيادة في انحدار وضعنا المنهار.

لكن، وعلى ما أشار هراري، أوكرانيا التي أصبحت أمة ستعطينا دروساً في الشجاعة والصمود وفي ما تعنية المقاومة. علّنا نتعظ.

معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية
معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية

السائد تقليدياً، التعامل مع الفقر كموضوع للإحسان من منظار ديني. لأن الدين يعتبر جزءا مهما من تكوين الهويات الجماعية، فهو يمنح قاعدة للتضامن الاجتماعي والحشد السياسي. لكن الفقر أصبح موضوعا سوسيولوجيا للدراسة في مطلع القرن الماضي. ويعتبر الفقر الآن أحد اشكال العنف التي يتعرض لها الانسان.

تاريخياً الفقراء هم البشر غير المرئيين، شخوص خرساء، إنهم الذين "لا صوت لهم" إلا كآثار عابرة تركوها عنهم من لا يعانون الفقر. التاريخ لم يعرف للفقراء حضورا أو صوتا. فالتاريخ لم يكن ينقل لنا سوى سِير وحكايات الملوك والأمراء والحكام وأبطال المعارك العسكرية، سواء في لهوهم او في عنفهم. لم يُذكر الفقراء إلا في معرض الشفقة وطلب الإحسان.

انتظر الفقراء بتواضع على عتبة التاريخ حتى مطالع القرن الماضي، قبل أن يتم التعرف عليهم، لكن بشروط.

لكن ما هو الفقر؟

في الفرنسية نسقط في الفقر كما في حفرة ونهوي في ظلمات العوز. في العربية أيضاً، فَقَرَ حفرة أي حفرها، فقُر الرجل: أي كسر فقار ظهره. فقر الخرز أي ثقبه. وفي الحالين نجد معنى السقوط والتدهور والانحلال وانكسار الظهر. وغالباً ما يكون الفقر مسؤولية صاحبه أو قدره. يصبح عندها كعاهة لا يمكن الاعتراض على وجودها!

وهذا ما يتوجب معالجته، إبطال فكرة الاستسلام أمام حالة الفقر. إنها مسؤولية الدولة وسياساتها والمجتمع والحروب والمجاعات والكوارث الطبيعية والأزمات الاقتصادية المنتجة الأساسية له.

حالة الفقر وضعية يخضع لها الفقير. تظل آنية أو تصبح دائمة. حالة ضعف وتبعية وتواضع، تتسم بالحرمان من الموارد وحرمان من المال والسلطة والنفوذ والعلم وشرف المحتد، أو من القوة الجسدية أو القدرات العقلية أوالحرية. وذلك بحسب الحقب والمجتمعات. الفقر مهين للكرامة الشخصية ويضم كل المستبعدين من المجتمع السوي.

تغيرت في القرن الحادي والعشرين معايير قياس الفقر عموماً، وبحسب تقرير التنمية البشرية لـ2019 حصل تقدم ملحوظ في الحد من أشكال الحرمان الشديد، فقد أفلت من براثن الجوع والمرض والفقر في أنحاء العالم عدد غير مسبوق من الناس الذين قفزوا فوق الحد الأدنى لمعيشة الكفاف.

لكن جائحة كوفيد، والحرب الدائرة في أوكرانيا، والعنف المستمر في العالم وفي العالم العربي، والزلزال في تركيا وسوريا مؤخراً، تسببت بإفقار الكثير من الدول العربية ومن دول العالم النامي.

منذ ما قبل هذه الأزمة كان عدم المساواة مستشرياً. فرغم التقارب النسبي في الإمكانات الأساسية لدى الكثير من الدول، أي غذاء وتعليم وصحة، لدينا تفاوت كبير علىى صعيد الإمكانات المعززة والنوعية التي تطال الحصول على الخدمات الصحية الجيدة أو خدمات التعليم الجيدة والحصول على التكنولوجيات، مما يوفر المناعة تجاه الصدمات الجديدة غير المعروفة.

في العالم العربي لا يزال الفقر المدقع من أعلى المستويات. انظر: "الفقر في العالم العربي.. أرقام صادمة"، الحرة 16 ديسمبر 2018.

تميز القرن العشرين بالنصوص العالمية المتعلقة بحماية حقوق الإنسان. من بينها الحق بتكوين أسرة والحق بحماية الحياة الأسرية. لكن هذا التطور لم يعبر عن نفسه على مستوى الواقع بشكل أتوماتيكي. ظلت الأسر الفقيرة منبوذة على هامش المجتمع ومعتبرة غير مؤهلة. لكن تطور النظرة إلى الحقوق الأساسية للإنسان أدّى الى ولادة اليوم العالمي للقضاء على الفقر في 17 أكتوبر 1987.

وقد أعلنوا أن الفقر يُشكل انتهاكا لحقوق الإنسان وأكدوا الحاجة إلى التضامن بغية كفالة احترام تلك الحقوق. 

لا يمكن الحديث عن الكرامة الانسانية في ظل الحروب والعنف العسكري والاجتماعي. 

الحديث عن كرامة في غياب المساواة ضرب من الخيال. والثقافة التقليدية تساهم في جعل اللامساواة مبررة ومقبولة واعتبارها أقرب إلى الصفات الوراثية.

ومع أن هناك إجماع على الاعتراف بحقوق المرأة، وبالمساواة بينها وبين الرجل، في أكثرية دساتير البلدان العربية. غير أن مجرد وجود ضمانات دستورية تكفل حق المرأة ولا يتجسد بالضرورة واقعا تحقق فيه المرأة كامل حقوقها المدنية والقانونية والسياسية.

تتسم أوضاع النساء العربيات عموماً بالهشاشة، خصوصاً في البلدان التي تعاني من سوء التنمية او الحروب؛ مما يزيد عدد الأرامل، وبالتالي الأسر التي تديرها المرأة بمفردها. وهذا أحد أهم مسببات الفقر المستدام، لأنهن عندما يدخلن دائرة الفقر فهن معرضات للبقاء فيها. 

من هنا بروز مفهوم تأنيث الفقر، وتصفه اليونيفيم (UNIFEM)  بأنه "عبء الفقر الذي تتحمله المرأة، خاصة في الدول النامية"، فتعاني من مستوى معيشي منخفض لا يكفي لتغطية الاحتياجات المادية والمعنوية مما يؤثر سلبا على الاحترام الذاتي للفرد أو للمجموعة.

 وهو ليس نتيجة لضعف الدخل فقط، بل أيضا نتيجة للحرمان من الإمكانيات والتحيزات الجنسانية الموجودة في كل من المجتمعات والحكومات. وهذا يشمل فقر الخيارات والفرص، مثل التمكن من عيش حياة طويلة وصحية وخلاقة، والتمتع بالحقوق الأساسية وبالحرية والاحترام والكرامة.

ويرتبط هذا المفهوم بمستوى المعيشة العام داخل المجتمع، كما يرتبط بكيفية توزيع الثروة ومكانة الفرد في مجتمعه، وبتوقعاته الاجتماعية والاقتصادية.

ونتائج الفجوات بين الجنسين في التوظيف، وأنشطة الأعمال، والحصول على التمويل، لا تكبل الأفراد فقط بل الاقتصاد برمته. ما يؤخر نمو وتقدم المجتمع. 

لذا هناك اهتمام كبير الآن بتعزيز روح التضامن العالمي، بالتركيز على حاجات الفئات الأضعف والأشد فقرا. كما  يجب الاعتراف وتشجيع الدور الذي يضطلع به القطاع الخاص المتنوع، ابتداء من المؤسسات المتناهية الصغر ومرورا بالتعاونيات وانتهاء بالشركات الكبرى؛ إضافة الى الدور الذي تضطلع به منظمات المجتمع المدني والمنظمات الخيرية في تنفيذ الأعمال المطلوبة.

للعمل الخيري القدرة على رفع آثار الأضرار المترتبة عن الأزمات الإنسانية، كما أن له القدرة على دعم الخدمات العامة في مجالات الرعاية الطبية والتعليم والإسكان وحماية الأطفال. والعمل الخيري فاعل جدا في تحسين الثقافة والعلوم والرياضة وحماية الموروثات الثقافية، فضلا عن تعزيزه لحقوق المهمشين والمحرومين ونشر الرسالة الإنسانية في حالات الصراع.

من المعلوم أن المجتمع المدني أقوى من الدولة في التجربة اللبنانية، فلقد اضطلع دائما بالجوانب التي تقصر بها الدولة، وبرز دوره خصوصاً في السنوات الأخيرة. فمنذ جريمة انفجار المرفأ في 4 آب عام 2020، تكفل المجتمع المدني والجمعيات الخيرية الاضطلاع بمسؤولية كافة المهام التي خلفها الانفجار، وقام مقام الدولة في ظل غيابها التام. فمن إسعاف المرضى إلى رفع الأنقاض والترميم إلى تدبير مساكن ومساعدات عينية لمن فقدوا منازلهم وهم بالآلاف. كل ذلك تكفلت به الجمعيات الخيرية والجمعيات المدنية. 

لكن، إذا كان العمل الخيري ضروري ويقوم بخدمات جليلة للمجتمع وللأفراد، ينبغي الحذر من أن يخلق مشكلة الاتكالية عند تلقي المساعدات بشكل دائم. فيتحول الفرد إلى كسول مفتقد لروح العمل يعتاش على الصدقات ومشاريع الإغاثة، فيتجذر الفقر. ونكون بهذا نتسبب بالضرر للمجتمع عندما نحول أفراده الضعفاء إلى معتاشين دائمين.

من هنا أهمية وضع برامج تهتم، إلى جانب المساعدة، بتوعية المستفيدين مع التدريب على برامج تنموية وإكساب معارف وتقنيات تساهم في تمكينهم  كي يستقلوا ويصبح باستطاعتهم تلبية حاجاتهم وحاجات أسرهم.

مشكلتنا ليست في الفقر فقط، فهو يوجد في أغنى الدول وأكثرها ترفا، ولكن في عدم قدرتنا على اجتثاث مسبباته والأخذ بيد الفقراء حتى يعتمدوا على أنفسهم، بل أيضاً في تفعيل عمل المؤسسات الرسمية والوزارات والقدرة على مواجهة الأزمات وتحويلها إلى فرص.

**ألقيت هذه الكلمة في جلسة افتتاح "القمة العالمية للمرأة"، التي أقيمت في أبوظبي بين 21-22 فبراير 2023، برعاية سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك، وشاركت فيه سيدات فاعلات من مختلف أنحاء العالم.

هذه الورقة ستكون آخر مساهمة لي في صفحة "من زاوية أخرى"، التي رافقت همومنا وتطلعاتنا، لأن الموقع قرر إغلاق هذه الصفحة، من ضمن الاتجاه العام في التحول من الصحافة الورقية المكتوبة إلى الرقمية، ثم إلى – البصرية.

وسوف نفتقد بحسرة هذه المساحة الحرة التي ضمت نخبة من الاقلام العربية التي كتبت فيها بحرية تامة (مفتقدة في معظم الإعلام العربي، إذا لم يكن كله) ومن دون قيود أو رقابة من أي نوع، وحتى في نقد سياسات مرجعيات الحرة نفسها؛ شرط احترام الدقة والموضوعية والاستناد إلى مصادر موثوقة. والأسف على إغلاقها يعود لحاجتنا الماسة لهذه الأقلام الحرة في هذه اللحظات المصيرية التي تواجهها المجتمعات العربية.

لكن ما باليد حيلة، فالسياسات والحاجات، مهما كان مصدرها، لا تتماشى بالضرورة مع مصالح الشعوب. فوداعاً.