العقوبات أظهرت أن احتياطات العملة التي تراكمها البنوك المركزية للبلدان يمكن أن "تسلب" في أي لحظة
العقوبات أظهرت أن احتياطات العملة التي تراكمها البنوك المركزية للبلدان يمكن أن "تسلب" في أي لحظة

لم تقدم الآلة الدعائية والدبلوماسية الروسية أي سبب "وجيه" للحرب التي تخوضها راهنا ضد أوكرانيا. الوجاهة هنا تعني تلك الأسباب التقليدية التي اعتادت ذاكرتنا البشرية الجمعية عليها كسبب لاندلاع الحروب.

إذ ليس من أية مقومات وخلافات إيديولوجية بين الطرفين المتنازعين في هذه الحرب، كما كانت لأجلها تندلع الحروب الأوربية الطويلة خلال القرن التاسع عشر، ولا حتى ثمة أي تنازع موضوعي على الأرض والجغرافيا، مثل هو جوهر الصراع العربي الإسرائيلي منذ قرابة القرن، وفوقهما لا صراع عرقي أو ديني فاصم بينهما، يُمكن الاستناد إليه كتفسير لما يجري، وطبعاً لا مصالح اقتصادية متضاربة أو فروقات طبقية باعثة لأسباب موجبة لمثل هذه الحرب. 

كُل ما في الأمر هو بحث روسيا البوتينية عن أمان جيوسياسي مستقبلي، مُطلق وأبدي، تسعى للحصول عليه في مواجهة الغرب، كقوة سياسية وعسكرية أولاً، لكن أيضاً كتدفق ثقافية واجتماعية وروحي وإيديولوجي داهم، يعتقد قادة روسيا الحالية بأنها أخطار تحيط بالإمبراطورية الروسية القديمة من كل حدب، وتؤدي فعلياً إلى تفكيك وبعثرة ما بقي من هذه الإمبراطورية دون هوادة، وتالياً فإن الحل الوحيد هو الحصول على أمان إمبراطوري مستدام، وخارج كل هذه الشروط والتوازنات مع الغرب. 

وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف كشف ذلك صراحة في أكثر من مقابلة إعلامية، حينما أرجع أسباب هذه الحرب إلى عدم التزام الغرب بما تعهد به في أوائل التسعينات من القرن المنصرم للقادة السوفييت، ومن بعدهم للقادة الروس. ذلك التعهد المتمثل بعدم السعي إلى كسر التوازن الجيوسياسي بين حلف الناتو وروسيا الذي كان طوال الحرب الباردة، والذي حسبه حافظت روسيا على مكانتها الإمبراطورية. 

بمعنى أوضح، فأن الوزير الروسي المُعبر عن الإرادة المركزية لسُلطة ونُخبة حُكم بِلاده، يسعى للقول: إن الغرب، وتالياً كُل العالم، يجب أن يحافظ على روسيا كقوة إمبراطورية، كما كانت تاريخياً وفي الزمن السوفياتي، أياً كانت مقومات ومدى هشاشة هذا الكيان الروسي في القطاعات غير الحربية؛ وإن لم يفعل ذلك، فالجانب الروسي سيخوض حروباً لفرض ذلك. 

من هنا بالضبط، يُبنى قِوام المأزق التأسيسي، إذ ثمة كيان سياسي ضخم للغاية، لا يملك من مقومات الصرح الإمبراطوري إلا هلوسة الخيال الإمبراطوري الذي كان في الماضي، وجيشاً جباراً في الحاضر، وفقط كذلك. وعلى ذلكم المقومين يسعى لأن يستعيد ويُحافظ على مكانته الإمبراطورية، دون أن يمتلك اقتصاداً إنتاجياً ذو حضور في المتن العالمي، أو تعليماً معرفياً حديثاً أو حياة سياسية داخلية قائمة على تعاقد اجتماعي مرضي عنه داخلياً، لا مؤسسات حُكم وقضاء وصحة سليمة، ولا حتى تعداداً سكانياً موازياً لباقي الدول الكُبرى، وتقريباً لا شيء آخر ذو معنى ومضمون، غير الخيال الإمبراطوري والجيش الجبار.

وبالضبط لأنه يعرف إن ما يمتلكه غير كافٍ أبداً لتشييد أية إمبراطورية، فإنها يلجئ إلى حلول الفرض بعنوة القوة العسكرية، ويطلب كفالات متحررة من أية شروط موضوعية، كفالات مُطلقة وأبدية. 

وحيث أن ذلك أمر شبه مستحيل، فإنه ثمة دخول في التراجيديات الأكثر قسوة، بالذات الحروب التي تكسح جغرافيات الآخرين، الكيانات الأكثر ضعفاً والجماعات الأشد هواناً، وتنشط في ممارسة الإبادات البشرية المغلفة، التي تُغير أصل الأشياء وتُدخل أكبر كمية من الرُعب في قلوب الآخرين، ليستلموا ويؤمنوا ويقبلوا بالمكانة الإمبراطورية الامتيازية تلك، وبشكل مُسبق ومُستدام، أياً كانت أحوال وريثة الكيان الإمبراطوري هذا.    

كانت منطقتنا خلال السنوات الثلاثين الماضية ساحة لأمثلة شديدة القسوة عن مثل ذلك المسار. فتركيا وإيران أقدمتا، وما تزالان، على الانخراط في مشاريع سياسية/عسكرية طويلة الأمد، تتقصد الحصول على الأمان الإمبراطوري بعيدة الأمد، وبناء على رؤية الضربة المُسبقة. 

فالملاحقة التُركية للحركة القومية الكُردية، وفي كُل حدب، باستعمال كافة أنماط العنف المسلح، بالذات عبر إبادة المجتمعات والبيئات الجغرافية لهذه الحركة القومية، وحتى عبر احتلال دول الجوار، هي النموذج الأوضح والأكثر دلالة لذلك. 

فبالرغم من أن الأكراد لا يشكلون خطراً عسكرياً أو اقتصادياً أو اجتماعياً أو ثقافياً على المجتمع والكيان التركي، لكن الدولة التركية في وعيها الإمبراطوري الباطن تعتقد أن الأكراد ربما يستقرون مستقبلاً على رغبة بالحصول على حقوق قومية وازنة في الدولة التركية، وتالياً قد يعرضون الهوية الإمبراطورية التركية، أو ما بقي منها أو مُتخيل عنها، قد يعرضونها لتفكيك داخلي، بذا تتم إبادتهم سياسياً وثقافياً وعسكرياً دون هوادة، قبل الوصول لتلك اللحظة. 

إيران نموذج آخر عن ذلك. فعمليات التوسع الإيرانية في دول الجوار، منذ أوائل الثمانينات وحتى الآن، عبر تشكيل جماعات سياسية طائفية مسلحة موالية لها، هي شكل من الدفاع الذاتي المُسبق عن حدودها الكياني وأمنها الذاتي، وقبل ذلك صورتها عن نفسها ككيان غير عادي، متفوق على الجوار ومهيمن عليه، وأولاً لأن النظام الحاكم يعرف جيداً مدى الهشاشة الداخلية التي يستبطنها، وتالياً كيف ستؤدي المعضلات الداخلية إلى تفكك الأمان الإمبراطوري هذا، ما لم ترميه إلى الخارج.

تمكن روسيا من تحقيق غلبة عسكري واضحة في الساحة الأوكرانية، سيزيد من إحساسها بنجاعة استراتيجية الضربات العسكرية المُسبقة لتحقيق الأمان الإمبراطوري هذا؛ وتالياً ستستمر غالباً في فعل المزيد من تلك الممارسات في محيطها الحيوي، وستشجع مزيداً من الكيانات المشابهة لها في تقليديها في ذلك، تلك الكيانات التي لا تملك إلا جيوشاً جرارة وخيالات مريضة عن الماضي الإمبراطوري. 

لكن لماذا تؤدي هذه الاستراتيجية إلى إنتاج الإبادة بالضرورة!. 
من طرف لأن العنف الذي تفرزه ذو طبيعة هيكلية، يتقصد تغيير أصل الأشياء وبنية المناطق والكيانات وطبيعة الأناس المستهدفين. تفعل ذلك وتستمر فيه حتى ينتفي في دواخل الآخرين ما تظن إنه يهدد ذلك الأمان الإمبراطوري المستدام لهذه القوة الأكبر. 

أي أن نوعية عنفها ليس عنفاً انتقامياً، يشبه ما كانت تمارسه الجماعات ضد بعضها الآخر أثناء اختلال موازين القوة فيما بينها، وليس عنفاً إيديولوجياً يتقصد إعادة تشكيل وعي الجماعات الأخرى، ولا حتى عنفاً دينياً يتخيل أنه يتقصد الإصلاح والإرشاد. لأجل ذلك، فهو عنف يملك برنامجاً ووعياً ورؤية واضحة لما يُستهدف من ورائه، أي كل سمات العنف الإبادي. 

كذلك لأنه عنف يتقصد جماعات ومناطق غير محمية. فحالات البحث عن الأمان الإمبراطوري غالباً ما تجري في المساحات التي يُعتقد بأنها داخلية بالنسبة لهذا الكيان، أما راهناً أو ماضياً. 

لأجل ذلك، فإنه العنف الأكثر قسوة على الإطلاق. بدلالة كل المجازر وأشكال العنف المريعة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. حيث كانت بغالبيتها المُطلقة وأفعالها الأكثر وحشية إنما عنفاً داخلياً في المجال الكياني الواحد، بين أقوياء مُطلقين وضعفاء في منتهى الهشاشة، لا يملكون من أدوات الحماية العسكرية والحقوقية والشرعية أي شيء يُعتد به، خصوصاً وأنهم على الدوام يكون في مواجهة جبروت دولٍ راسخة، لها تاريخ مديد في محق ما تعتبره "الجماعات الخطرة". 

أخيراً، فإن البحث عن الأمان الإمبراطوري المُستدام يولد الإبادة لأنه ينتمي إلى فئة الأعمال العقيمة. 

فبينما تتأتى المخاطر الحقيقية على بقايا الإمبراطوريات القديمة هذه من حركة التاريخ وتبدلات الحياة، فإن هذه الإمبراطوريات، أو ما بقي منها، إنما تسعى لحل معضلتها عبر غير ذلك، عبر أدوات العنف والتوسعة الجغرافية والمحق البشري، وليس عبر الاعتراف والتعامل مع حركة التاريخ وتبدلات الحياة ومُقتضياتها. 

فما يهدد الوجه الإمبراطوري لروسيا هو خواء ما تطرحه على العالم، وفي مختلف المجالات، في وقت يملك الحيز الأكثر حيوية ونشاطاً من شعبها تطلعاً وإعجاباً بذلك العالم، ويتقيأ مما تقوم عليه دولته، ويسعى جاهداً لنبذ أفعالها وثقافتها وصورتها واستراتيجيتها العالمية. في ظلال هذا الشرط، فإن النُخب الروسية الحاكمة تريد أقناع نفسها بأن الحل هو بمزيد من العسكرة والإخضاع وإرهاب المحيطين وكل العالم. 

الأمر نفسه ينطبق على إيران وتركيا، الكيانان القائمان على تركيبة داخلية وتوازنات داخلية وطروحات وسلوكيات عمومية مختلة، غير منسجمة مع روح الحداثة وحركة الحياة، التي تتسرب إلى دواخلها كالماء من تحت الرمل، ومن كل حدب، بينما يخوض جيشاها وميليشياتهم حروباً خارجية، تتوهم بأنها الحل لوقف ذلك التسرب. ذلك العلاج العقيم، يولد بالضرورة سلوكيات بالغة القسوة والعنف.  

المسار الحالي للصراع يسير بشكل أفضل بالنسبة لأوكرانيا منه بالنسبة لروسيا
المسار الحالي للصراع يسير بشكل أفضل بالنسبة لأوكرانيا منه بالنسبة لروسيا

يصادف الجمعة (24 فبراير) مرور عام كامل على الحرب الروسية ضد أوكرانيا. ولمن يريد التذكّر فقد كان هدف هذه الحرب التي أمر الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، بشنها وسماها عملية عسكرية خاصة، كان هو إخضاع أوكرانيا عبر احتلال عاصمتها كييف ومدنها الكبرى، وإسقاط حكومتها، وتنصيب أخرى موالية لموسكو، ونزع سلاح الجيش الأوكراني، واعتقال المئات وربما الآلاف من القوميين الأوكرانيين المناوئين لروسيا وقتلهم أو محاكمتهم. 

وللتذكير أيضا فإن أيا من هذه الأهداف لم يتحقق. والفضل في ذلك يعود إلى جملة من العوامل أهمها صمود الأوكرانيين والأداء السيء للجيش الروسي، ومسارعة حكومات الدول الأوروبية والولايات المتحدة إلى تقديم العون والمساعدة للحكومة الأوكرانية.

بعبارة أخرى هذه الحرب لم تفشل فقط في تحقيق أي من أهدافها، ولكنها كانت كارثية على روسيا بجميع المعايير. 

لنتذكر أن مبرر موسكو لخوض هذه الحرب كان هو الخشية من انضمام أوكرانيا إلى حلف الناتو، وبالتالي وصول الحلف إلى حدودها الغربية مباشرة.

ولكن بعد عام من الحرب فإن دولتين أصبحتا قاب قوسين أو أدني من عضوية الناتو، وهما فنلندا والسويد، والأولى تجمعها حدود مباشرة مع روسيا. فهذه الحرب التي أرادت روسيا أن تبعد من خلالها الناتو عن حدودها، هي التي جلبت في الواقع الحلف إليها، في حين أن انضمام أوكرانيا لم يكن أمرا محتما.

يظل بالطبع "الإنجاز" الأكبر للحرب على أوكرانيا هو في تغيير نظرة الأوروبيين لأمنهم وأيضا لعلاقتهم بروسيا. 

هناك من المحللين من يبدي استغرابا من المواقف الأوروبية الحازمة تجاه روسيا ويتصورون خطأ أنها تأتي انصياعا للإرادة الأميركية، ولكن الحقيقة هي أن الغزو الروسي لأوكرانيا شكل تهديدا هو الأبرز من نوعه للقارة الأوروبية منذ الحرب العالمية الثانية. 

وتشعر العديد من الدول الأوروبية بانكشاف أمني بسبب هذه الحرب وتداعيتها. 

وجاء في تقرير أمني سنوي للاستخبارات العسكرية السويدية أن "المخاطر الأمنية على السويد زادت وأصبحت التهديدات للسويد أوسع وأكثر تعقيدا".

كما اعتبرت أن الوضع الأمني حاليا في أوروبا وفي المنطقة السويدية المحاذية "الأسوأ منذ بداية الثمانينيات على الأقلّ".

لكن أجهزة الأمن والاستخبارات العسكرية السويدية اعتبرت في تقريرها أن الوضع "ازداد أماناً" في السويد منذ إرسال طلب انضمامها إلى حلف شمال الأطلسي، وتلقيها ضمانات ثنائية بشأن الأمن من عدة دول، بانتظار العضوية.

الواقع أن الغزو الروسي أحدث حالة من الصدمة العنيفة التي ستظل تؤرق الأوروبيين إلى فترة طويلة قادمة. 

ولذلك لم يكن صدفة أن يخصص مؤتمر ميونيخ للأمن الحيز الأكبر من تركيزه على هذه الحرب. 

وفي هذا المؤتمر قال المستشار الألماني، أولاف شولتز، إنه يجب أن يدرك الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، أن أوروبا الآن موحدة أكثر من أي وقت مضى. في حين قال الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، إن الحلفاء الغربيين جاهزون لنزاع طويل الأمد في أوكرانيا، وإن "الوقت الآن ليس للحوار أو التفاوض، فقد اختارت روسيا الحرب ويجب مواجهتها".

والتشدد الأوروبي تجاه روسيا ليس منفصلا عن الموقف الأميركي الحازم من غزو أوكرانيا.

وتدرك الإدارة الأميركية أن الغزو الروسي ليس مجرد نزاع على الأراضي، ولكنه في العمق منه تهديد وجودي لأوروبا ومحاولة إخضاعها من جهة ومن جهة أخرى إرساء قواعد دولية جديدة يمكن فيها للدول الكبيرة والقوية أن تعبث بالخرائط والحدود كيفما شاءت.  

لذلك اختارت الولايات المتحدة الوقوف مع أوكرانيا حتى النهاية. ولعل الزيارة التي قام بها الرئيس بايدن لكييف هي إشارة قوية ولافتة على المدى الذي يمكن أن تذهب إليه الإدارة الأميركية في التصدي للغزو الروسي.

يبقى القول بأن النهاية العسكرية لهذه الحرب قد لا تكون قريبة، وإن حدوث تغيير سياسي داخل روسيا ربما يظل الخيار الأكثر ملائمة والأقل كلفة، لكن إذا كان ثمة أمل في حدوث مثل هذا التغيير، فهو لن يتم عبر التفاوض مع موسكو أو الضغط على الحكومة الأوكرانية للقبول بالوضع الراهن، وإنما على العكس من ذلك تماما، هو سيتم عبر التمسك بالسياسة الحالية والمتمثلة في تزويد أوكرانيا بما تحتاجه من معدات عسكرية ودعم سياسي ودولي وفي الوقت نفسه فرض المزيد من العقوبات على روسيا وإحكام عزلها. هذه السياسة هي التي ستنضج في الأخير نهاية مقبولة لهذه الحرب.