جماعات حقوقية قالت إن الذخائر العنقودية التي أطلقتها روسيا أصابت مدرسة للأطفال
الغزو الروسي المستمر منذ أكثر من 11 يوما أسفر عن مقتل عشرات المدنيين.

يُرَاقِب العالمُ مشاهدَ الغزو الروسي الغاشم لأوكرانيا بكثير من الحزن والألم، وبكثير من القلق والترقّب أيضا. الحزن والألم مبعثهما: مشاهدُ القتل والدمار، وتقطيع أوصال دولة كبيرة كانت آمنة مستقرة، فضلا عن قوافلِ الهاربين بأرواحهم إلى دول الجوار على هيئة لاجئين لا يعرفون هل سيعودون إلى وطنهم ذات يوم أم لا. والقلق والترقب مبعثهما: انفتاح العدوان على كل الاحتمالات (إذ لم يُحَدِّد المُعتدي أهدَافَه، ولم يَرسم حدودَ مطامعه)، وغموض صور الردع لدى الطرف الآخر/ الغربي، ومآلات كلِّ ذلك على كلِّ تفاصيلِ النظام السياسي الدولي، حاضره ومستقبله، وعلى الاقتصاد العالمي الذي سَتُؤثّر مُتَحوّلاتُه الكبرى على الجميع؛ حتى في أدق تفاصيل المعاش اليومي. 

يتجاوز كثيرون مشاعرَ الحزن والألم، فضلا عن القلق والترقب، إلى مشاعرِ الغضب مما جرى ويجري من عدوان. العدوان يبعث برسائل الخوف إلى كل أحد، في كل مكان. ما حدث يُشْبه إلى حد كبير ما حدث عام 1990 عندما اجتاح صدام حسين الكويتَ، وعرّض النظام الدولي للانهيار. آنذاك شعر الجميع بالخطر، إذ كانت الرسالة العالمية التي بعث بها العدوان تقول بأن منطق القوة الغاشمة هو ما يحكم، وليس منطق القانون، ولا أنظمة التوافق الدولي. وهذا هو بالذات ما شعر به العالم بعد الغزو الروسي لأوكرانيا، خاصة الدول الأوروبية القريبة جغرافيا من الحدث، وأوروبا الشرقية على نحو أخص؛ لِما لديهم من سابق تجربة مريرة مع الاتحاد السوفياتي في التاريخ القريب: القرن العشرين. تسلل إليهم الخوف، وغاب الأمان، وحُقّ لهم؛ إذ ما روسيا اليوم إلا الوريث الطبيعي (ثقافيا وسياسيا وجغرافيا وعسكريا) لذلك المعسكر الشرقي البائد الذي طالما سلبهم أدنى مقومات الأمان.

إذن، معالم الصورة واضحة؛ بصرف النظر عن المُبَرّرات التي ـ كما قلتُ في مقال سابق ـ يستطيع أي عدوان غاشم التذرّع بها في إعلامه ودِعايته وادّعاءاته. وحيث الغرب (هذا الغرب القيّم على هذه الحضارة العالمية)، فهم الأمرَ على هذا النحو، وأدرك حجمَ الخطر، واسْتَنفرَ كلَّ طاقاته؛ لِتَدارك الأمر قبل فوات الأوان؛ مستحضرا ـ بألم ورُعْب ـ كارثةَ التساهل اللاّمسؤول مع هتلر في بدايات سلوكيات العدوانية، فإن ذوي التوجهات الضدّية صرفوا أنظارهم عن كل إحداثيات هذه الكارثة، واستهانوا بكل أخطارها، سواء الأخطار قريبة الأمد أو بعيدة الأمد، وأخذوا في التنفيس عن مكنون نفسي مأزوم تجاه الغرب، وما كان هذا المكنون النفسي إلا تلك الضدية المَرَضِيّة التي تحدثتُ عنها مرارا في أكثر من مقال، والتي تحوّلت في كثير من دول العالم الثالث، وخاصة في العالم العربي، إلى عُقدة نفسية جمعية تجاه الغرب، فالغرب/ الآخر أصبح ـ في نظرهم، وبالتّناص مع العبارة السارترية الشهيرة ـ هو الجحيم، والجحيم هو الغرب !  

مِنْ بَين كُلِّ معالم المأساة الأوكرانية، ومِنْ بَين كُلِّ المشاهد، ومِنْ بَين كُلِّ المَخاوف وكُلّ الاعتبارات، المعقولة/ الواقعية وغير المعقولة/ غير الواقعية، وفي تصرّف طفولي عبثي، وَقَع بعضُ مُمثلي الضدّية العربية عند بعض العبارات العابرة أو التصريحات الهامشية التي صدرت عن هذا الإعلامي أو ذاك، بدعوى أنها تحمل العنصرية تجاه غير الأوربيين/ غير الغربيين. وبالتالي، حكموا ـ في انْتشاءٍ تَرَبُّصي حَقود ذي طابع سادي ـ بأن الغرب/ كل الغرب عنصري، وأنه ـ بالضرورة ـ كَارِهٌ مُعَادٍ لغير الأوربيين، وأن هذا الغرب يحمل في جِيناته الثقافية كرها أزليا وازدراء أصيلا لدول العالم الثالث، للشرق أوسطيين، وللعرب على وجه التحديد.

لقد أمسك هؤلاء الضّديون المأزومون بتلك العبارات والتصريحات وفَلتات اللسان العابرة، أمسكوا بها على نحو هستيري، وتركوا كل حضارة الغرب، وكل تاريخ الغرب: بعصر نهضته، وبحركته الإنسانية، وبإصلاحه الديني، وبعصر أنواره، وبحداثته، وما بعد حداثته... إلخ، بل وتركوا كلَّ واقع الغرب الإنساني الذي استضاف عشرات الملايين من العرب، ومن الشرق أوسطيين، ومن العالم ثالثيين على وجه العموم، وأدمجهم ـ بصورة لا مثيل لها في التاريخ ـ ضِمنَ تركيبته الوطنية والثقافية والاجتماعية، حتى وصل كثير منهم إلى مناصب ومراكز لا يحلمون بها ـ مجرد حلم ! ـ في أي من دول العالم الثالث، بل ولا يَتخيّلون ـ مجرد خَيال شاطح ـ أن يظفروا ولو بـ 1% من هذه الحقوق في روسيا أو في الصين.

حضارة الغرب، إبداع الغرب، إنسانية العالم الغربي...إلخ هذه التجليات الاستثنائية، ليست مجرد ادعاء، ليست تصريح فردي هامشي، ليست مجرد إعلان عابر، ليست مجرد خاطرة إعلامي في لحظة قَلق وارتباك، حتى تُنْقض بتصريح فردي هامشي، أو بإعلان عابر، أو بخاطرة إعلامي مغمور. التراث لا يُنْقَض ولا يُنْتَقص منه إلا بتراث في حجمه، بفاعلية توازيه، والقوانين والأنظمة لا تُنْتَقض إلا بقوانين وأنظمة قادرة على إلغائها أو ـ على الأقل ـ اختراقها، والثقافة الجمعية الراسخة المتنامية على امتداد سبعة قرون، وعلى اتساع قارّتين أو ثلاث، لا تُفَنَّد مقولاتها إلا بثقافة جمعية أقوى وأكثر فاعلية، أو ـ على الأقل ـ قادرة على منافستها في توجيه الرأي العام.  

والغريب أن هؤلاء الضديين الذين يمسكون بالعبارات العنصرية الهامشية، الاستثنائية والعابرة (وهم عنصريون حتى النخاع !)، لا يُمْسِكون بها لمجرد استنكارها والدعوة إلى تجريمها كحالات خاطئة، بل يُمْسِكون بها كـ"أدلة دامغة" على أن الغرب كله عنصري وغير إنساني، وبالتالي، غير حضاري. ويقولون بالمعنى الضمني ـ المُتَلَبِّس بحالة سيكولوجية مَرَضِيّة ـ: إننا ـ أي الضدّيين الكارهين للغرب ـ الأكثر وعيا، والأعمق حضارة، والأنقى إنسانية. لا يقولون هذا ـ ضمنيا ـ لا على سبيل المزاح الحُر، أو المداعبة المُتَذاكية بصورة المفارقة، بل يقولونه على سبيل التأكيد الجازم، فيصدر عنهم الاتهام على هذه الحال؛ حتى وإن كانوا في قرارة أنفسهم يُدرِكون أنهم لا يَصِفون واقعا، ولا يُقَرِّرُون حقيقة، بقدر ما يُعَبِّرون عن غضب مُحْبَط مكتوم.  

لقد كان من السهل تَفهّم هذا العبث لو أنه كان يقف عند حدود التعبير المرضي عن كراهية الغرب. كان يُمْكن تَفَهّم حتى الكراهية اللاّمبررة، لو أنها كانت مجرد تنفيس، لو أنها كانت مجرد هجاء شاعري للغرب، لهذا الغرب الذي يُشْعرهم على الدوام ـ منذ قرنين، منذ حملة نابليون ـ بكل عيوبهم التي يُحَاولون الهرب منها. إنهم للأسف، لا يُعَبِّرون عن هذه الكراهية مجردة، في اتجاه واحد، بل كثيرا ما يُعبّرون عنها في سياق التقابل مع نموذج آخر، مع نموذج بائس، وكأن هذا النموذج البائس هو البديل الأمثل عن النموذج الغربي.

على امتداد القرن العشرين، كان الضدّيّون يُقَدّمون المعسكر الشيوعي/ الاشتراكي كبديل للغرب، كانوا يشتمون ويعيبون الغربَ لحساب المعسكر الشرقي. وهم اليوم على الطريق نفسه، يعيبون الغرب ويشتمونه لحساب روسيا، وربما لحساب الصين. 

إن هذه الضدّية كانت حالة عداء تقف على إرث مكافحة الاستعمار وإيديولوجيا حركات النضال والتحرر الوطني. وهو إرث تجاوز حده الزمني الافتراضي، وبقي فاعلا ـ على نحو صريح ومضمر ـ في مرحلة ما بعد رحيل الاستعمار، أكثر مما كان فاعلا في مرحلة الاستعمار نفسه. ثم بقي لاحقا؛ وحتى اليوم، مرجعية وجدانية وثقافية ـ واعية وغير واعية ـ للضدّيين جميعا، حتى إن بعضهم يشتمون الغرب ويعيبونه على نحو تلقائي/ عفوي، ولو سألتهم: لماذا ؟ لكان جوابهم: لأنه الغرب ! هكذا، مصادرة على المطلوب.    

إن هذا الموقف الضدي المرضي من الغرب، يحدث بالتقابل مع الاستبشار بنهوض الشرق. ثمة نظرة عربية/ عَالم ثالثية تتسامح مع روسيا، تتسامح معها حدّ التأييد أحيانا، خاصة إذا كانت روسيا في مواجهة مع الغرب؛ مع أن التجربة الشرقية/ الروسية، وعلى امتداد تاريخها، ليست إلا تجربة كارثية بكل المقاييس: المادية والإنسانية. فَمَنْ حَكمتهم روسيا ذات يوم ـ بشكل مباشر أو غير مباشر، لأمد طويل أو لوقت عابر ـ  تجد فيهم آثارَ هذا الحُكم/ النفوذ الروسي، تجد آثار الرؤية الروسية/ الثقافة الروسية، تجد ـ باختصار ـ معالمَ دَمار شامل، معالم تَشوّه يطال الأنفس والعقول والعمران، معالم خواء مرعب. بالتجربة العينية، حيث الروس، لا وجود لحضارة بحق، بل لا وجود لمهارة واحدة، ولا لإبداع واحد معتبر، ولا لشيء ذي قيمة. لا شيء قدّمه الروسُ للبشرية سوى الأدب الروائي الروسي الذي تَكمُن فرادته في كونه يصف بؤس وتعقيد وتأزم النفس الروسية، أو هو يصف المتخيل الإنساني ـ بعيون روسية ـ من خلال وصف الواقع الإنساني الروسي.

قد يُرَاوغ بعضُ الضدّيين أو بعض البسطاء الحالمين بزعمهم أنهم لا يُراهنون على روسيا أو الصين كبديل كامل للغرب، وإنما فقط، يُنْشِدون عالَما مُتوازِنا تتعدّد فيه الأقطاب، فتتسع بذلك الخيارات الإنسانية. يقولون هذا وكأن الأقطاب البديلة للقطب الغربي أقطابٌ حضارية وإنسانية. إنهم يجهلون أو يتجاهلون أن البشرية الآن ـ وفي المدى المنظور لثلاثة أو أربعة أجيال ـ ليس أمامها إلا حضارة إنسانية واحدة، فالبشرية اليوم أمام عالم غربي لا يُقابله شيء ذو قيمة حضارية وإنسانية، بل إن المقابل القوي ماديا هو مقابل فارغ: بلا حضارة وبلا إنسانية، وتعولم نماذجه ـ فيما لو حدث ذلك ـ يعني ارتداد البشرية سبعة قرون إلى الوراء.  

أخيرا، ثمة ملاحظة يجدر التنبّه لها، وهي أن الناجحين حضاريا على المستويين: المادي والإنساني، مِنْ غير الغرب، قد تحرّروا من النفس الضدّي المعادي للغرب؛ رغم وجود الصدام العسكري مع الغرب في تاريخهم القريب. في اليابان، في كوريا الجنوبية...إلخ، لن تجد هذه الكراهية العمياء الغرب. ويُقابِل هذه الملاحظة ملاحظةٌ أخرى تعضد المعنى المرجعي لها، وهي أن كارهي الغرب، لا يكرهون روسيا/ الصين، أي لا يكرهون الفاشلين حضاريا؛ مع وجود بعض صور العدوان على العرب/ المسلمين من روسيا والصين. ومختصر هذا، أن "الناجحين لا يكرهون الغرب"، وأن "الكارهين للغرب لا يكرهون الفاشلين". وبهذا يتضح أن "الحق الحاسِد" الذي يبدو أنه يستهدف مبدعي الحضارة النوعية الفائقة دون غيرهم، دافع لا يُستهان به في هذا السياق. 

معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية
معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية

السائد تقليدياً، التعامل مع الفقر كموضوع للإحسان من منظار ديني. لأن الدين يعتبر جزءا مهما من تكوين الهويات الجماعية، فهو يمنح قاعدة للتضامن الاجتماعي والحشد السياسي. لكن الفقر أصبح موضوعا سوسيولوجيا للدراسة في مطلع القرن الماضي. ويعتبر الفقر الآن أحد اشكال العنف التي يتعرض لها الانسان.

تاريخياً الفقراء هم البشر غير المرئيين، شخوص خرساء، إنهم الذين "لا صوت لهم" إلا كآثار عابرة تركوها عنهم من لا يعانون الفقر. التاريخ لم يعرف للفقراء حضورا أو صوتا. فالتاريخ لم يكن ينقل لنا سوى سِير وحكايات الملوك والأمراء والحكام وأبطال المعارك العسكرية، سواء في لهوهم او في عنفهم. لم يُذكر الفقراء إلا في معرض الشفقة وطلب الإحسان.

انتظر الفقراء بتواضع على عتبة التاريخ حتى مطالع القرن الماضي، قبل أن يتم التعرف عليهم، لكن بشروط.

لكن ما هو الفقر؟

في الفرنسية نسقط في الفقر كما في حفرة ونهوي في ظلمات العوز. في العربية أيضاً، فَقَرَ حفرة أي حفرها، فقُر الرجل: أي كسر فقار ظهره. فقر الخرز أي ثقبه. وفي الحالين نجد معنى السقوط والتدهور والانحلال وانكسار الظهر. وغالباً ما يكون الفقر مسؤولية صاحبه أو قدره. يصبح عندها كعاهة لا يمكن الاعتراض على وجودها!

وهذا ما يتوجب معالجته، إبطال فكرة الاستسلام أمام حالة الفقر. إنها مسؤولية الدولة وسياساتها والمجتمع والحروب والمجاعات والكوارث الطبيعية والأزمات الاقتصادية المنتجة الأساسية له.

حالة الفقر وضعية يخضع لها الفقير. تظل آنية أو تصبح دائمة. حالة ضعف وتبعية وتواضع، تتسم بالحرمان من الموارد وحرمان من المال والسلطة والنفوذ والعلم وشرف المحتد، أو من القوة الجسدية أو القدرات العقلية أوالحرية. وذلك بحسب الحقب والمجتمعات. الفقر مهين للكرامة الشخصية ويضم كل المستبعدين من المجتمع السوي.

تغيرت في القرن الحادي والعشرين معايير قياس الفقر عموماً، وبحسب تقرير التنمية البشرية لـ2019 حصل تقدم ملحوظ في الحد من أشكال الحرمان الشديد، فقد أفلت من براثن الجوع والمرض والفقر في أنحاء العالم عدد غير مسبوق من الناس الذين قفزوا فوق الحد الأدنى لمعيشة الكفاف.

لكن جائحة كوفيد، والحرب الدائرة في أوكرانيا، والعنف المستمر في العالم وفي العالم العربي، والزلزال في تركيا وسوريا مؤخراً، تسببت بإفقار الكثير من الدول العربية ومن دول العالم النامي.

منذ ما قبل هذه الأزمة كان عدم المساواة مستشرياً. فرغم التقارب النسبي في الإمكانات الأساسية لدى الكثير من الدول، أي غذاء وتعليم وصحة، لدينا تفاوت كبير علىى صعيد الإمكانات المعززة والنوعية التي تطال الحصول على الخدمات الصحية الجيدة أو خدمات التعليم الجيدة والحصول على التكنولوجيات، مما يوفر المناعة تجاه الصدمات الجديدة غير المعروفة.

في العالم العربي لا يزال الفقر المدقع من أعلى المستويات. انظر: "الفقر في العالم العربي.. أرقام صادمة"، الحرة 16 ديسمبر 2018.

تميز القرن العشرين بالنصوص العالمية المتعلقة بحماية حقوق الإنسان. من بينها الحق بتكوين أسرة والحق بحماية الحياة الأسرية. لكن هذا التطور لم يعبر عن نفسه على مستوى الواقع بشكل أتوماتيكي. ظلت الأسر الفقيرة منبوذة على هامش المجتمع ومعتبرة غير مؤهلة. لكن تطور النظرة إلى الحقوق الأساسية للإنسان أدّى الى ولادة اليوم العالمي للقضاء على الفقر في 17 أكتوبر 1987.

وقد أعلنوا أن الفقر يُشكل انتهاكا لحقوق الإنسان وأكدوا الحاجة إلى التضامن بغية كفالة احترام تلك الحقوق. 

لا يمكن الحديث عن الكرامة الانسانية في ظل الحروب والعنف العسكري والاجتماعي. 

الحديث عن كرامة في غياب المساواة ضرب من الخيال. والثقافة التقليدية تساهم في جعل اللامساواة مبررة ومقبولة واعتبارها أقرب إلى الصفات الوراثية.

ومع أن هناك إجماع على الاعتراف بحقوق المرأة، وبالمساواة بينها وبين الرجل، في أكثرية دساتير البلدان العربية. غير أن مجرد وجود ضمانات دستورية تكفل حق المرأة ولا يتجسد بالضرورة واقعا تحقق فيه المرأة كامل حقوقها المدنية والقانونية والسياسية.

تتسم أوضاع النساء العربيات عموماً بالهشاشة، خصوصاً في البلدان التي تعاني من سوء التنمية او الحروب؛ مما يزيد عدد الأرامل، وبالتالي الأسر التي تديرها المرأة بمفردها. وهذا أحد أهم مسببات الفقر المستدام، لأنهن عندما يدخلن دائرة الفقر فهن معرضات للبقاء فيها. 

من هنا بروز مفهوم تأنيث الفقر، وتصفه اليونيفيم (UNIFEM)  بأنه "عبء الفقر الذي تتحمله المرأة، خاصة في الدول النامية"، فتعاني من مستوى معيشي منخفض لا يكفي لتغطية الاحتياجات المادية والمعنوية مما يؤثر سلبا على الاحترام الذاتي للفرد أو للمجموعة.

 وهو ليس نتيجة لضعف الدخل فقط، بل أيضا نتيجة للحرمان من الإمكانيات والتحيزات الجنسانية الموجودة في كل من المجتمعات والحكومات. وهذا يشمل فقر الخيارات والفرص، مثل التمكن من عيش حياة طويلة وصحية وخلاقة، والتمتع بالحقوق الأساسية وبالحرية والاحترام والكرامة.

ويرتبط هذا المفهوم بمستوى المعيشة العام داخل المجتمع، كما يرتبط بكيفية توزيع الثروة ومكانة الفرد في مجتمعه، وبتوقعاته الاجتماعية والاقتصادية.

ونتائج الفجوات بين الجنسين في التوظيف، وأنشطة الأعمال، والحصول على التمويل، لا تكبل الأفراد فقط بل الاقتصاد برمته. ما يؤخر نمو وتقدم المجتمع. 

لذا هناك اهتمام كبير الآن بتعزيز روح التضامن العالمي، بالتركيز على حاجات الفئات الأضعف والأشد فقرا. كما  يجب الاعتراف وتشجيع الدور الذي يضطلع به القطاع الخاص المتنوع، ابتداء من المؤسسات المتناهية الصغر ومرورا بالتعاونيات وانتهاء بالشركات الكبرى؛ إضافة الى الدور الذي تضطلع به منظمات المجتمع المدني والمنظمات الخيرية في تنفيذ الأعمال المطلوبة.

للعمل الخيري القدرة على رفع آثار الأضرار المترتبة عن الأزمات الإنسانية، كما أن له القدرة على دعم الخدمات العامة في مجالات الرعاية الطبية والتعليم والإسكان وحماية الأطفال. والعمل الخيري فاعل جدا في تحسين الثقافة والعلوم والرياضة وحماية الموروثات الثقافية، فضلا عن تعزيزه لحقوق المهمشين والمحرومين ونشر الرسالة الإنسانية في حالات الصراع.

من المعلوم أن المجتمع المدني أقوى من الدولة في التجربة اللبنانية، فلقد اضطلع دائما بالجوانب التي تقصر بها الدولة، وبرز دوره خصوصاً في السنوات الأخيرة. فمنذ جريمة انفجار المرفأ في 4 آب عام 2020، تكفل المجتمع المدني والجمعيات الخيرية الاضطلاع بمسؤولية كافة المهام التي خلفها الانفجار، وقام مقام الدولة في ظل غيابها التام. فمن إسعاف المرضى إلى رفع الأنقاض والترميم إلى تدبير مساكن ومساعدات عينية لمن فقدوا منازلهم وهم بالآلاف. كل ذلك تكفلت به الجمعيات الخيرية والجمعيات المدنية. 

لكن، إذا كان العمل الخيري ضروري ويقوم بخدمات جليلة للمجتمع وللأفراد، ينبغي الحذر من أن يخلق مشكلة الاتكالية عند تلقي المساعدات بشكل دائم. فيتحول الفرد إلى كسول مفتقد لروح العمل يعتاش على الصدقات ومشاريع الإغاثة، فيتجذر الفقر. ونكون بهذا نتسبب بالضرر للمجتمع عندما نحول أفراده الضعفاء إلى معتاشين دائمين.

من هنا أهمية وضع برامج تهتم، إلى جانب المساعدة، بتوعية المستفيدين مع التدريب على برامج تنموية وإكساب معارف وتقنيات تساهم في تمكينهم  كي يستقلوا ويصبح باستطاعتهم تلبية حاجاتهم وحاجات أسرهم.

مشكلتنا ليست في الفقر فقط، فهو يوجد في أغنى الدول وأكثرها ترفا، ولكن في عدم قدرتنا على اجتثاث مسبباته والأخذ بيد الفقراء حتى يعتمدوا على أنفسهم، بل أيضاً في تفعيل عمل المؤسسات الرسمية والوزارات والقدرة على مواجهة الأزمات وتحويلها إلى فرص.

**ألقيت هذه الكلمة في جلسة افتتاح "القمة العالمية للمرأة"، التي أقيمت في أبوظبي بين 21-22 فبراير 2023، برعاية سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك، وشاركت فيه سيدات فاعلات من مختلف أنحاء العالم.

هذه الورقة ستكون آخر مساهمة لي في صفحة "من زاوية أخرى"، التي رافقت همومنا وتطلعاتنا، لأن الموقع قرر إغلاق هذه الصفحة، من ضمن الاتجاه العام في التحول من الصحافة الورقية المكتوبة إلى الرقمية، ثم إلى – البصرية.

وسوف نفتقد بحسرة هذه المساحة الحرة التي ضمت نخبة من الاقلام العربية التي كتبت فيها بحرية تامة (مفتقدة في معظم الإعلام العربي، إذا لم يكن كله) ومن دون قيود أو رقابة من أي نوع، وحتى في نقد سياسات مرجعيات الحرة نفسها؛ شرط احترام الدقة والموضوعية والاستناد إلى مصادر موثوقة. والأسف على إغلاقها يعود لحاجتنا الماسة لهذه الأقلام الحرة في هذه اللحظات المصيرية التي تواجهها المجتمعات العربية.

لكن ما باليد حيلة، فالسياسات والحاجات، مهما كان مصدرها، لا تتماشى بالضرورة مع مصالح الشعوب. فوداعاً.