الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يصل لإلقاء خطاب أمام الحزب الحاكم في موسكو
"يبدو أن جميع الديكتاتوريين يمرّون في هذه المراحل"

بعد مغامرته العسكرية في أوكرانيا والتي رآها كثير من الخبراء والسياسيين متهوّرة وغير مدروسة، كثرت الدراسات التي حاولت تحليل شخصية الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لمعرفة سبب اتخاذ قرار الغزو. 

وانتشرت تساؤلات حول ما إن كان بقاؤه حاكما مطلقا لروسيا لمدة 22 سنة إلى إصابته بنوع من الغرور انتهى بإشعال أكبر حرب تشهدها القارة الأوروبية منذ الحرب العالمية الثانية دون أن يكترث بالثمن الباهظ الذي سيدفعه الشعبان الروسي والأوكراني ولا للمخاطر التي قد يتعرض لها العالم. 

وبرز من بين الذين حاولوا تسليط الضوء على شخصية بوتين، وزيرة الخارجية الأميركية السابقة، كوندوليزا رايس، التي قالت إنها تعرفت عليه عندما كان نائبا لعمدة مدينة سانت بطرسبرغ: "رأيته وقتها شخصا خجولا كان يقف في الزاوية، فأتيت إليه وقلت: مرحبا، فرد السلام ولم نتكلم كثيرا حسب ما أذكر".

وأضافت "وفي المرة الثانية كنت مع الرئيس (جورج) بوش في سلوفينيا عام 2001 فأتى إلينا وكان قد أصبح الرئيس فلاديمير بوتين وتذكّرت يا إلهي إنه نفس الرجل وفي هذه المرة أيضا بدا خجولا بعض الشيء، ويمشي مثل الرياضيين ولكن عندما تحدثت معه لم يكن من النوع الذي ينظر في عيني من يحدثه وبدا قلقا قليلا ربما لأنه سيقابل لأول مرة رئيس الولايات المتحدة". 

وتقول: "لا حاجة للشرح بأنه تحول سريعا من خجول إلى واثق بنفسه إلى متعجرف إلى مصاب بجنون العظمة، لكن في تلك المرات القليلة الأولى اعتقدتُ أنه يفتقر قليلا إلى الثقة بالنفس". 

ويبدو أن جميع الديكتاتوريين يمرّون في هذه المراحل مع أنهم ينقسمون إلى نوعين، الأول هو الذي كان سائدا في النصف الأول من القرن الماضي مثل هتلر وستالين وماو، ورغم أن العالم اليوم يرفض ويدين أفكارهم وممارساتهم وجرائمهم ولكنهم كانوا مؤمنين بأفكار معينة وكانت حياتهم الشخصية بسيطة دون وجود أدلّة على فسادهم.

بينما قفز إلى السلطة في بعض الدول خلال العقود الأخيرة أشخاص ليست لديهم مواصفات الديكتاتوريين سالفي الذكر، كان من بينهم صدام حسين وحافظ الأسد والقذافي وعيدي أمين وبوكاسا.

وقبِل هؤلاء بأن يكونوا بيادق في أيدي قوى دولية كبرى تؤمّن لهم الحماية مقابل احتفاظهم بالسلطة، وقاموا بنهب ثروات بلادهم بلا حساب وعاشوا حياة باذخة وبعضهم كانت حياته ماجنة. 

ولم تكن الشعارات الوطنية بالنسبة لهم سوى وسيلة للبقاء في الحكم، وإذا كانت التقارير التي تتحدث عن مليارات بوتين صحيحة فإن مكانه الطبيعي يجب أن يكون بين هؤلاء، لأن القائد الذي يريد استعادة أمجاد الماضي لا يسرق بلده وقوت شعبه. 

ورغم الفارق الكبير بين هذين النوعين من الديكتاتوريين، إلا أن البقاء لسنوات طويلة في السلطة يؤدي إلى إصابتهم جميعا بنفس الاضطرابات النفسية.

فخلال السنوات الأولى من حكم أي ديكتاتور تتولى حلقة من المتملقين والانتهازيين المحيطين به عملية إقناع الشعب بأن لهذا القائد الجديد إمكانيات ومواصفات خاصة لا تتوافر عند غيره وتكرّس في سبيل ذلك جميع وسائل الإعلام وتستعين أحيانا بخبراء يتولون إخراج الطريقة التي سيظهر بها أمام الشعب والعالم الخارجي مع مراعاة أدقّ التفاصيل مثل نوع الثياب التي يرتديها والطريقة التي يمشي بها والأماكن التي عليه زيارتها ومحتوى الكلمات والخطابات التي يلقيها. 

وتظاهر ذلك في حالة بوتين في البوابات المذهّبة الكبيرة التي تفتح أمامه على طريقة الملوك والأباطرة ليدخل عبرها لمقابلة رؤساء الدول، أو في طريقة استقباله في المؤتمرات الحزبية وجلسات البرلمان حيث يقف الجميع ولا يتوقفون عن التصفيق حتى يأمرهم بذلك. 

أو في الظهور كـ "سوبرمان" حيث نقل الإعلام بانتظام صورا وتسجيلات له وهو يمتطي صهوة جواد وكذلك وهو يغوص في البحر الأسود ويعثر على جرار أثرية، أو وهو يصطاد نمرا سيبيريا كبيرا في أقصى شرق روسيا أو وهو يحلّق جوا بطرازات مختلفة من الطائرات أو وهو يلعب الهوكي والجودو أو وهو يسبح في الثلج، وفي الكثير من صوره تلك ظهر عاري الصدر ليبدو أقوى وأكبر حجما من حقيقته. 

وتنتهي المرحلة الأولى التي كان هدفها إقناع الشعب بأن للرئيس مواصفات وقدرات استثنائية باقتناع الحاكم نفسه بأنه يمتلك هذه القدرات، فينتقل إلى المرحلة الثانية التي يؤمن فيها بأن الله قد أرسله لإنقاذ شعبه من أخطار كبيرة وأنه لم يكن باستطاعة أحد سواه القيام بهذه المهمة، وأنه حقق إنجازات هائلة منذ توليه السلطة وأنه أمّن استقرارا لبلده الذي كان مهددا بالفوضى والخراب.

والأكثر أهمية أنه في هذه المرحلة يصل إلى قناعة بأن الطريقة الوحيدة للمحافظة على ما حققه من إنجازات ولتنفيذ غيرها هي بقاؤه شخصيا في السلطة، وإلّا سيضيع كل شيء!

وفي هذه المرحلة وضع بوتين أحد رجاله "ميدفيديف" في منصب الرئيس وأعطى نفسه منصب رئيس الوزراء مع بقاء السلطة الحقيقية في يده وبعد أربع سنوات عاد للرئاسة مرة أخرى لدورتين جديدتين، بينما قام قادة آخرون بخطوة أبسط كثيرا للبقاء في السلطة وهي تعديل الدستور، وحسب هذا التسلسل يبدو أن الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، يمر حاليا في هذه المرحلة، لأنه حاكم فرد حديث العهد نسبيا ولم يقضِ في السلطة سوى ثماني سنوات فقط. 

أما عندما يستمر الحاكم لسنوات أخرى مع سلطته المطلقة تلك، فإنه يتعرّض للإصابة بعدد من الاضطرابات النفسية الجدّية، وأكثرها شيوعا "جنون العظمة" وفيها يبالغ الإنسان بوصف نفسه ويؤمن بأنه يمتلك قدرات كبيرة ليس لها وجود في الواقع.

وفي كثير من الأحيان تساعد الماكينة الإعلامية المحلية والعالمية في وصول الزعيم إلى حافة المرض النفسي هذه من خلال تمجيد صفاته وتضخيم قوته، ومن الطبيعي في هذه المرحلة أن يستبدّ الديكتاتور برأيه وألا يتقبّل مخالفة الآخرين له وأن يضيق صدره بأبسط انتقاد لشخصه أو لقراراته.  

ويعتقد أغلب الديكتاتوريين أن عظمتهم الموهومة تلك ستجلب لهم المتآمرين والأعداء مما يدخلهم في حالة مرضيّة أخرى هي "البارانويا" أو "جنون الإرتياب". 

وفيها يشكّون في أفعال الآخرين ويفقدون الثقة بالجميع معتقدين أنهم يتآمرون عليهم وقد يخططون لاغتيالهم مهما أظهروا لهم من ولاء، ولذلك يقومون بتشكيل جيش خاص لحمايتهم ومرافقتهم في كل مكان.

ويصف الروائي الألماني، إلياس كانيتي، هذه الحالة، ويقول: "الديكتاتور هو الشخص الأقل رغبة بالموت من بين جميع الرجال والشعور بالخطر لا يفارقه أبدا ولذلك يظل دائما على أهبة الاستعداد ويراقب المؤامرات التي تختمر وراء ظهره، عيناه في كل مكان ويجب ألا يدع أي حركة تفلت منه، لأنها قد تحتوي على نية معادية". 

ومع هذه الاضطرابات النفسية تزداد عزلة الديكتاتور ويستغني عن المستشارين، بمن فيهم رفاقه القدامى، وينفرد في قراراته وتظهر عليه علامات جديدة تشير إلى انفصاله عن الواقع مما يزيد من احتمال اتخاذه قرارات متهورة وخطيرة خصوصا نتيجة اقتناعه بأنه فوق المحاسبة، ولأنه لا يتأثر بالنتائج السيئة التي تحققها بعض مغامراته، حتى لو كانت كارثية، لأنه يقوم بالتعاون مع مساعديه بقلب الحقائق وتحويل الفشل إلى نجاحات تاريخية والهزيمة إلى انتصارات كبرى. 

وقد استرسل موقع "علم النفس اليوم" في شرح حالة بوتين بالقول: "إن بوتين مصاب بمتلازمة الغطرسة والتي تعني أنه قد يستخدم استراتيجيات عنيفة للسيطرة على الآخرين". 

وتابع أن الكثير من المصابين بهذه المتلازمة ينتهي بهم الأمر إلى اتخاذ ما يسمونه "القرار الأخير"، وهو في الأغلب قرار كارثي سببه الثقة الزائدة بالنفس دون أن تسبقه استشارات أو دراسات ويكون الدافع الرئيسي وراء اتخاذه الاضطرابات النفسية للزعيم ويؤدي هذا القرار إلى انهيار نظامه بالكامل. 

ومن الممكن تأكيد ما قاله هذا الموقع من خلال بعض الأمثلة التاريخية على "القرار الأخير" ومنها غزو هتلر للاتحاد السوفييتي عام 1941، وإغلاق جمال عبد الناصر مضائق تيران عام 1967 واحتلال صدام حسين للكويت عام 1990. 

وبما أن روسيا دولة عظمى تمتلك مخزونا هائلا من الأسلحة النووية فإن تقلبات شخصية بوتين أمر عالمي بالغ الأهمية، فقد يترتب على "القرار الأخير" لهذا الرئيس نتائج كارثية لا يمكن تخيّلها ولم يسبق لها مثيل في التاريخ.

ومن الطريف أن هذه هي نفس العبارة التي استخدمها بوتين في كلمته قبل غزو أوكرانيا والتي قصد فيها تهديد العالم بالسلاح النووي، مما دفع بعض السياسيين والإعلاميين للانتقال في وصفه من زعيم مصاب بجنون العظمة إلى شخص قد يشكل خطرا حقيقيا على العالم. 

معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية
معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية

السائد تقليدياً، التعامل مع الفقر كموضوع للإحسان من منظار ديني. لأن الدين يعتبر جزءا مهما من تكوين الهويات الجماعية، فهو يمنح قاعدة للتضامن الاجتماعي والحشد السياسي. لكن الفقر أصبح موضوعا سوسيولوجيا للدراسة في مطلع القرن الماضي. ويعتبر الفقر الآن أحد اشكال العنف التي يتعرض لها الانسان.

تاريخياً الفقراء هم البشر غير المرئيين، شخوص خرساء، إنهم الذين "لا صوت لهم" إلا كآثار عابرة تركوها عنهم من لا يعانون الفقر. التاريخ لم يعرف للفقراء حضورا أو صوتا. فالتاريخ لم يكن ينقل لنا سوى سِير وحكايات الملوك والأمراء والحكام وأبطال المعارك العسكرية، سواء في لهوهم او في عنفهم. لم يُذكر الفقراء إلا في معرض الشفقة وطلب الإحسان.

انتظر الفقراء بتواضع على عتبة التاريخ حتى مطالع القرن الماضي، قبل أن يتم التعرف عليهم، لكن بشروط.

لكن ما هو الفقر؟

في الفرنسية نسقط في الفقر كما في حفرة ونهوي في ظلمات العوز. في العربية أيضاً، فَقَرَ حفرة أي حفرها، فقُر الرجل: أي كسر فقار ظهره. فقر الخرز أي ثقبه. وفي الحالين نجد معنى السقوط والتدهور والانحلال وانكسار الظهر. وغالباً ما يكون الفقر مسؤولية صاحبه أو قدره. يصبح عندها كعاهة لا يمكن الاعتراض على وجودها!

وهذا ما يتوجب معالجته، إبطال فكرة الاستسلام أمام حالة الفقر. إنها مسؤولية الدولة وسياساتها والمجتمع والحروب والمجاعات والكوارث الطبيعية والأزمات الاقتصادية المنتجة الأساسية له.

حالة الفقر وضعية يخضع لها الفقير. تظل آنية أو تصبح دائمة. حالة ضعف وتبعية وتواضع، تتسم بالحرمان من الموارد وحرمان من المال والسلطة والنفوذ والعلم وشرف المحتد، أو من القوة الجسدية أو القدرات العقلية أوالحرية. وذلك بحسب الحقب والمجتمعات. الفقر مهين للكرامة الشخصية ويضم كل المستبعدين من المجتمع السوي.

تغيرت في القرن الحادي والعشرين معايير قياس الفقر عموماً، وبحسب تقرير التنمية البشرية لـ2019 حصل تقدم ملحوظ في الحد من أشكال الحرمان الشديد، فقد أفلت من براثن الجوع والمرض والفقر في أنحاء العالم عدد غير مسبوق من الناس الذين قفزوا فوق الحد الأدنى لمعيشة الكفاف.

لكن جائحة كوفيد، والحرب الدائرة في أوكرانيا، والعنف المستمر في العالم وفي العالم العربي، والزلزال في تركيا وسوريا مؤخراً، تسببت بإفقار الكثير من الدول العربية ومن دول العالم النامي.

منذ ما قبل هذه الأزمة كان عدم المساواة مستشرياً. فرغم التقارب النسبي في الإمكانات الأساسية لدى الكثير من الدول، أي غذاء وتعليم وصحة، لدينا تفاوت كبير علىى صعيد الإمكانات المعززة والنوعية التي تطال الحصول على الخدمات الصحية الجيدة أو خدمات التعليم الجيدة والحصول على التكنولوجيات، مما يوفر المناعة تجاه الصدمات الجديدة غير المعروفة.

في العالم العربي لا يزال الفقر المدقع من أعلى المستويات. انظر: "الفقر في العالم العربي.. أرقام صادمة"، الحرة 16 ديسمبر 2018.

تميز القرن العشرين بالنصوص العالمية المتعلقة بحماية حقوق الإنسان. من بينها الحق بتكوين أسرة والحق بحماية الحياة الأسرية. لكن هذا التطور لم يعبر عن نفسه على مستوى الواقع بشكل أتوماتيكي. ظلت الأسر الفقيرة منبوذة على هامش المجتمع ومعتبرة غير مؤهلة. لكن تطور النظرة إلى الحقوق الأساسية للإنسان أدّى الى ولادة اليوم العالمي للقضاء على الفقر في 17 أكتوبر 1987.

وقد أعلنوا أن الفقر يُشكل انتهاكا لحقوق الإنسان وأكدوا الحاجة إلى التضامن بغية كفالة احترام تلك الحقوق. 

لا يمكن الحديث عن الكرامة الانسانية في ظل الحروب والعنف العسكري والاجتماعي. 

الحديث عن كرامة في غياب المساواة ضرب من الخيال. والثقافة التقليدية تساهم في جعل اللامساواة مبررة ومقبولة واعتبارها أقرب إلى الصفات الوراثية.

ومع أن هناك إجماع على الاعتراف بحقوق المرأة، وبالمساواة بينها وبين الرجل، في أكثرية دساتير البلدان العربية. غير أن مجرد وجود ضمانات دستورية تكفل حق المرأة ولا يتجسد بالضرورة واقعا تحقق فيه المرأة كامل حقوقها المدنية والقانونية والسياسية.

تتسم أوضاع النساء العربيات عموماً بالهشاشة، خصوصاً في البلدان التي تعاني من سوء التنمية او الحروب؛ مما يزيد عدد الأرامل، وبالتالي الأسر التي تديرها المرأة بمفردها. وهذا أحد أهم مسببات الفقر المستدام، لأنهن عندما يدخلن دائرة الفقر فهن معرضات للبقاء فيها. 

من هنا بروز مفهوم تأنيث الفقر، وتصفه اليونيفيم (UNIFEM)  بأنه "عبء الفقر الذي تتحمله المرأة، خاصة في الدول النامية"، فتعاني من مستوى معيشي منخفض لا يكفي لتغطية الاحتياجات المادية والمعنوية مما يؤثر سلبا على الاحترام الذاتي للفرد أو للمجموعة.

 وهو ليس نتيجة لضعف الدخل فقط، بل أيضا نتيجة للحرمان من الإمكانيات والتحيزات الجنسانية الموجودة في كل من المجتمعات والحكومات. وهذا يشمل فقر الخيارات والفرص، مثل التمكن من عيش حياة طويلة وصحية وخلاقة، والتمتع بالحقوق الأساسية وبالحرية والاحترام والكرامة.

ويرتبط هذا المفهوم بمستوى المعيشة العام داخل المجتمع، كما يرتبط بكيفية توزيع الثروة ومكانة الفرد في مجتمعه، وبتوقعاته الاجتماعية والاقتصادية.

ونتائج الفجوات بين الجنسين في التوظيف، وأنشطة الأعمال، والحصول على التمويل، لا تكبل الأفراد فقط بل الاقتصاد برمته. ما يؤخر نمو وتقدم المجتمع. 

لذا هناك اهتمام كبير الآن بتعزيز روح التضامن العالمي، بالتركيز على حاجات الفئات الأضعف والأشد فقرا. كما  يجب الاعتراف وتشجيع الدور الذي يضطلع به القطاع الخاص المتنوع، ابتداء من المؤسسات المتناهية الصغر ومرورا بالتعاونيات وانتهاء بالشركات الكبرى؛ إضافة الى الدور الذي تضطلع به منظمات المجتمع المدني والمنظمات الخيرية في تنفيذ الأعمال المطلوبة.

للعمل الخيري القدرة على رفع آثار الأضرار المترتبة عن الأزمات الإنسانية، كما أن له القدرة على دعم الخدمات العامة في مجالات الرعاية الطبية والتعليم والإسكان وحماية الأطفال. والعمل الخيري فاعل جدا في تحسين الثقافة والعلوم والرياضة وحماية الموروثات الثقافية، فضلا عن تعزيزه لحقوق المهمشين والمحرومين ونشر الرسالة الإنسانية في حالات الصراع.

من المعلوم أن المجتمع المدني أقوى من الدولة في التجربة اللبنانية، فلقد اضطلع دائما بالجوانب التي تقصر بها الدولة، وبرز دوره خصوصاً في السنوات الأخيرة. فمنذ جريمة انفجار المرفأ في 4 آب عام 2020، تكفل المجتمع المدني والجمعيات الخيرية الاضطلاع بمسؤولية كافة المهام التي خلفها الانفجار، وقام مقام الدولة في ظل غيابها التام. فمن إسعاف المرضى إلى رفع الأنقاض والترميم إلى تدبير مساكن ومساعدات عينية لمن فقدوا منازلهم وهم بالآلاف. كل ذلك تكفلت به الجمعيات الخيرية والجمعيات المدنية. 

لكن، إذا كان العمل الخيري ضروري ويقوم بخدمات جليلة للمجتمع وللأفراد، ينبغي الحذر من أن يخلق مشكلة الاتكالية عند تلقي المساعدات بشكل دائم. فيتحول الفرد إلى كسول مفتقد لروح العمل يعتاش على الصدقات ومشاريع الإغاثة، فيتجذر الفقر. ونكون بهذا نتسبب بالضرر للمجتمع عندما نحول أفراده الضعفاء إلى معتاشين دائمين.

من هنا أهمية وضع برامج تهتم، إلى جانب المساعدة، بتوعية المستفيدين مع التدريب على برامج تنموية وإكساب معارف وتقنيات تساهم في تمكينهم  كي يستقلوا ويصبح باستطاعتهم تلبية حاجاتهم وحاجات أسرهم.

مشكلتنا ليست في الفقر فقط، فهو يوجد في أغنى الدول وأكثرها ترفا، ولكن في عدم قدرتنا على اجتثاث مسبباته والأخذ بيد الفقراء حتى يعتمدوا على أنفسهم، بل أيضاً في تفعيل عمل المؤسسات الرسمية والوزارات والقدرة على مواجهة الأزمات وتحويلها إلى فرص.

**ألقيت هذه الكلمة في جلسة افتتاح "القمة العالمية للمرأة"، التي أقيمت في أبوظبي بين 21-22 فبراير 2023، برعاية سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك، وشاركت فيه سيدات فاعلات من مختلف أنحاء العالم.

هذه الورقة ستكون آخر مساهمة لي في صفحة "من زاوية أخرى"، التي رافقت همومنا وتطلعاتنا، لأن الموقع قرر إغلاق هذه الصفحة، من ضمن الاتجاه العام في التحول من الصحافة الورقية المكتوبة إلى الرقمية، ثم إلى – البصرية.

وسوف نفتقد بحسرة هذه المساحة الحرة التي ضمت نخبة من الاقلام العربية التي كتبت فيها بحرية تامة (مفتقدة في معظم الإعلام العربي، إذا لم يكن كله) ومن دون قيود أو رقابة من أي نوع، وحتى في نقد سياسات مرجعيات الحرة نفسها؛ شرط احترام الدقة والموضوعية والاستناد إلى مصادر موثوقة. والأسف على إغلاقها يعود لحاجتنا الماسة لهذه الأقلام الحرة في هذه اللحظات المصيرية التي تواجهها المجتمعات العربية.

لكن ما باليد حيلة، فالسياسات والحاجات، مهما كان مصدرها، لا تتماشى بالضرورة مع مصالح الشعوب. فوداعاً.