ليس على سبيل السجال إنما على سبيل الحيرة، علينا أن نسأل أهل محور الممانعة عن دافعهم للاصطفاف وراء فلاديمير بوتين في غزوه أوكرانيا! فهم وإن كانوا لا يملكون القيم التي تدفع المرء لرفض هذا الغزو، إنما لديهم من الأسباب ما يفوق الأسباب التي لدى غيرهم من أهل هذه المعمورة. فالرجل يهينهم كل يوم في سوريا، وإذا كانت رذيلة السلطة وضروراتها وراء صمتهم عن دوره في الغارات الإسرائيلية اليومية على دمشق، فما هو دافعهم للحماسة لغزوه أوكرانيا! ناهيك عن أنهم اصطفوا خلفه في هذا الغزو، إلى جانب خصوم لطالما خاضوا معهم حروباً تخللتها صولات وجولات من الشتائم المتبادلة. هم خلف بوتين إلى جانب الإمارات العربية المتحدة، وهم خلفه على رغم المودة التي تربطه بالقيادة الإسرائيلية، وهم خلفه من دون أن يلفتهم أن إيران، راعيتهم وممولتهم، تضع رجلاً هنا ورجلاً هناك!
هم معه لأن فيه ما يخاطب انحيازهم للظالم والمعتدي، لا بل أن في انحيازهم إليه إعجاب بأقرانه ونماذجه في المشرق. يعجبهم بنيامين نتانياهو، مثلما يعجبهم بشار الأسد. أما القول بأنه يردهم إلى زمن الحرب الباردة، وإلى اصطفاف لطالما اشتاقوا إليه، فهذا ما لا يستقيم في وعي عاقل. فبوتين استئناف لزمن آخر ولعصبية أخرى، ومثلما يخاطبهم بطشه وبأسه، يخاطب غيرهم ومن يفترض أنهم خصومهم في إسرائيل وفي الخليج. وهنا يلوح مشهد آخر لطالما صور الممانعون أنفسهم بأنهم بعيدون عنه، وهو بازار المقايضة بين موسكو وأبوظبي حين مرر المندوب الروسي قرار تصنيف الحوثيين كجماعة إرهابية في مجلس الأمن، فامتنع المندوب الإماراتي في المقابل عن التصويت ضد الغزو في مجلس الأمن أيضاً. هذه المقايضة هي الوجه الآخر لانحياز الممانعة لفلاديمير بوتين.
فتفصيل من نوع تزامن اجتماع بوتين بنفتالي بنيت في موسكو مع غارة إسرائيلية على دمشق لا مكان له خطاب الانحياز للغزو، لا بل يجري تزخيم صورة الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بوصفه يهودياً وصديقاً لإسرائيل! المفارقات مذهلة، ولم يسبق أن شهدنا هذا الدرك من الانحدار إلى هذا المستوى من استخفاف الممانعة بنفسها. زيلينسكي صديق لإسرائيل، لكن ماذا عن بوتين؟
قد يفهم المرء انجرار بشار الأسد وراء سيده في الكرملين، ذاك أن لا حظوظ له في البقاء في سوريا من دون حماية الجيش الروسي، لكن ما يجب البحث عنه هو تلك "المنطقة الشعورية" التي تتعدى الأسد، والتي كشفها الغزو، والحماسة للغزو. تفسير هذه "المنطقة الشعورية" يفيدنا من دون شك، وهو يصلح كطريق للعلاج. فالسياسة قد تأخذنا إلى حيث أخذت إيران مثلاً، لجهة وقوفها على الحياد، أما القيم التي من المفترض أن نحصن فيها قضايانا، فيجب أن تأخذنا للانحياز إلى دولة تتعرض إلى غزو، لا بل تتعرض إلى ابتلاع.
ثم أن خطورة أن يقف صاحب قضية إلى جانب غازٍ ومعتدٍ، يصيب قضيته باحتمالات مشابهة. الحساسية يجب أن تشمل كل قضايا الكون، ولنا في انحياز الحاج أمين الحسيني خلال الحرب العالمية الثانية لأدولف هتلر وحزبه النازي درس يجب أن يستعاد دائماً، فخطوة الحسيني ارتدت على القضية الفلسطينية، واستثمرت فيها الحركة الصهيونية ولاتزال تستثمر فيها إلى يومنا هذا، وارتدادات انحيازنا إلى غاز بحجم بوتين لن تكون أقل لا سيما وأن قضايانا ما زالت معلقة منذ ذلك الزمن.
طبعاً مخاطبة أهل المحور بالعقل لن تفيد، لاسيما وأن وظيفتهم تقتصر على بعدها "الصوتي" فيما إيران ذاهبة نحو تسويات أخرى لا مكان فيها لهذياناتهم، وستتركهم سنداً لخادمها الصغير في دمشق، ذاك أن الأخير يحتاج إلى أبواق تعينه في المهمة الهزلية التي انتدبته إليها موسكو.
يبقى أن هناك تفصيلاً يعنينا في سياق مهزلة الانحياز إلى غزو أوكرانيا، وهي استحضار مقولة بوتين المتمثلة في أن أوكرانيا خطأ لينين الذي يجب تصحيحه. المهزلة تتمثل في أن الممانعة تريد تصحيح خطأ معشوقها لينين، أما ما يعنينا هنا هو أن المقولة نفسها قد يصح سحبها على كيانات لطالما حفلت خطب الممانعة في الد فاع عنها، وسبق أن استعانت إسرائيل بمثلها لنفي الحق الفلسطيني.
لكننا على ما يبدو أمام معضلة أخرى لا مكان فيها للعقل ولا لقيم تشكل مساحة يتحرك فيها النقاش. نحن أمام عصبيات تحاول الاشتغال على وقع حروب بعيدة. وهي متروكة لهذياناتها الخاصة، وأعطيت هامش تحرك مقتصر على بعده الخطابي، أما الحسابات الفعلية فهي في مكان آخر تماماً. الحسابات الفعلية هي أن طهران تنتظر في فيينا صفقة قد تطيح بالخطاب، وعندها سيعطي المرشد أمراً آخر.

