من المعتقد أن الرئيس الروسي يمتلك ثروة تُقدر بمليارات الدولارات
من المعتقد أن الرئيس الروسي يمتلك ثروة تُقدر بمليارات الدولارات

يرى عدد من المحللين والإعلاميين الأميركيين أن امتناع الإدارات الأميركية عن معاقبة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على مغامراته العسكرية في الشيشان وجورجيا وشبه جزيرة القرم وغيرها، ربما يكون قد شجعه على غزو أوكرانيا.

ومن بين هؤلاء مذيع سي إن إن " Jake Tapper" الذي أجرى لقاءات مع عدد من المسؤولين السابقين (جمهوريين وديمقراطيين)، أبدوا خلالها ندمهم على أن الولايات المتحدة لم تفعل الكثير ولم تكن حازمة بما يكفي في الرد على التصرفات الروسية.

بل أكثر من ذلك، فإن قمع نظام بوتين لنشطاء وقادة المعارضة الروسية سواء عبر التسميم أو الاغتيال أو السجن، لم يواجه بما يستحقه، الأمر الذي ترك هذه المعارضة لوحدها في مواجهة أجهزة الأمن الروسية.

ولهذا، كما يرى هؤلاء، فإن الرئيس بوتين كان في كل مرة يفتعل أزمة هو واثق بأن الدول الغربية لن تفعل الكثير لمعاقبته وسوف تكتفي ببعض التصريحات الغاضبة وربما بعض العقوبات الهامشية وطرد عدد من الدبلوماسيين وينتهي الأمر عند هذا الحد.

وقد بلغت ثقته حد أنه تصور أن اجتياحه لأوكرانيا لن يكون مصيره بأفضل من الاجتياحات السابقة. فالدول الغربية سوف ترعد وتزبد لكنها لن تجرؤ على مواجهته عسكريا أو تحديه بصورة جدية، بل لعله راهن أيضا على أن الاختلافات والخلافات بين الدول الأوروبية أو بين بعضها وبين الولايات المتحدة سوف تشل قدرتها على التحرك الفعال والموحد ضده.

لكن من الواضح أن الرئيس الروسي قد أخطأ في حساباته هذه المرة وعلى جميع المستويات وأن تلك الدول قد أدركت حجم التقصير الذي ارتكبته في التعامل معه حتى الآن.

فالغزو الروسي لأوكرانيا قد أيقظ الولايات المتحدة، وأوروبا كلها، حكومات وشعوبا، على واقع جديد ومختلف كليا. الجميع شعر بأن هناك تهديدا وجوديا قادما من الشرق، وأن التعامل مع بوتين في هذه الأزمة ينبغي أن يكون مختلفا، فالتكتيكات والأساليب القديمة لا تتناسب مع ما جرى ويجري من أحداث.

صحيح أن دول حلف الناتو لا تريد الدخول في حرب مباشرة مع روسيا، ولذلك فإنها لن تفرض مناطق حظر طيران فوق أوكرانيا أو ترسل مقاتلات لكييف، لكن الإجراءات الأخرى التي اتخذتها وسوف تتخذها ترقى إلى هذا النوع من الرد في مفعوله ونتائجه.

وهذا الرد يتلخص في مسألتين أساسيتين.

الأولى هي القطيعة مع روسيا، وعلى جميع المستويات. وقد رأينا كيف أن المسألة لم تتوقف عند العقوبات الاقتصادية، وهي عقوبات غير مسبوقة في شدتها، وإنما تعدتها إلى الفعاليات الفنية والرياضية والثقافية. كما أنها لم تقتصر على الحكومات الغربية فقط، وإنما امتدت إلى الشركات والمنظمات والأفراد. بعبارة أخرى ثمة شعور عارم في الغرب بأن ما قامت به روسيا في أوكرانيا قد أخرجها تماما من دائرة المجتمعات المتحضرة وأنه لم يعد لها مكان في عالم اليوم.

الثانية، هي المقاطعة التامة للرئيس الروسي بوتين وعزله ورفض التعامل معه وفرض العقوبات عليه، وهذا يعني نهاية مستقبله السياسي، كما يقول وزير الدفاع البريطاني بن والاس، الذي أكد أن "أياً كان ما نفكر فيه بشأن الرئيس بوتين، فإنه قد انتهى، فهو قوة مستهلكة في العالم. لن يتلقى أحد مكالماته الهاتفية على المدى الطويل. لقد أنهك جيشه وهو مسؤول عن مقتل آلاف الجنود الروس ومقتل الأبرياء والمدنيين في أوكرانيا".

هذه الإجراءات والمواقف ضد روسيا لها طابع طويل الأمد، بمعنى أنها صممت فيما يبدو لكي تساعد على تغيير النظام الروسي في نهاية المطاف وليس مجرد معاقبته. والعنوان الأبرز الذي يصدر من العواصم الأوروبية والأميركية اليوم هو أنه لن يتم التعامل مع روسيا بصورة طبيعية في ظل النظام الحالي.

وهذا يعني أن بوتين وقيادته لم تعد تملك في الواقع الكثير من الخيارات، فسيطرتها على أوكرانيا، إن حصلت، ربما تفقدها السيطرة على روسيا نفسها.

هل يدفع ذلك الرئيس الروسي إلى التراجع والانسحاب من أوكرانيا وإيجاد ما يحفظ ماء الوجه؟ ربما، رغم أن العديد من الخبراء في الشأن الروسي يعتقدون بأن بوتين ليس من النوع الذي يقبل بالهزائم حتى وإن كانت صغيرة.

فهو ليس من طراز الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الذي غير سياسته الإقليمية بمجرد أن أدرك حجم الخسائر الاقتصادية والعزلة التي عانت منها تركيا بسبب نهجه التوسعي، إنه من طراز الرئيس العراقي السابق صدام حسين الذي ظل يعتاش على الأوهام والانتصارات الكاذبة حتى النهاية.

ولذلك لا يستبعد الكثيرون أن تطول المعاناة الأوكرانية والروسية للأسف الشديد قبل أن ترسو سفينة الحل على بر الأمان.

المسار الحالي للصراع يسير بشكل أفضل بالنسبة لأوكرانيا منه بالنسبة لروسيا
المسار الحالي للصراع يسير بشكل أفضل بالنسبة لأوكرانيا منه بالنسبة لروسيا

يصادف الجمعة (24 فبراير) مرور عام كامل على الحرب الروسية ضد أوكرانيا. ولمن يريد التذكّر فقد كان هدف هذه الحرب التي أمر الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، بشنها وسماها عملية عسكرية خاصة، كان هو إخضاع أوكرانيا عبر احتلال عاصمتها كييف ومدنها الكبرى، وإسقاط حكومتها، وتنصيب أخرى موالية لموسكو، ونزع سلاح الجيش الأوكراني، واعتقال المئات وربما الآلاف من القوميين الأوكرانيين المناوئين لروسيا وقتلهم أو محاكمتهم. 

وللتذكير أيضا فإن أيا من هذه الأهداف لم يتحقق. والفضل في ذلك يعود إلى جملة من العوامل أهمها صمود الأوكرانيين والأداء السيء للجيش الروسي، ومسارعة حكومات الدول الأوروبية والولايات المتحدة إلى تقديم العون والمساعدة للحكومة الأوكرانية.

بعبارة أخرى هذه الحرب لم تفشل فقط في تحقيق أي من أهدافها، ولكنها كانت كارثية على روسيا بجميع المعايير. 

لنتذكر أن مبرر موسكو لخوض هذه الحرب كان هو الخشية من انضمام أوكرانيا إلى حلف الناتو، وبالتالي وصول الحلف إلى حدودها الغربية مباشرة.

ولكن بعد عام من الحرب فإن دولتين أصبحتا قاب قوسين أو أدني من عضوية الناتو، وهما فنلندا والسويد، والأولى تجمعها حدود مباشرة مع روسيا. فهذه الحرب التي أرادت روسيا أن تبعد من خلالها الناتو عن حدودها، هي التي جلبت في الواقع الحلف إليها، في حين أن انضمام أوكرانيا لم يكن أمرا محتما.

يظل بالطبع "الإنجاز" الأكبر للحرب على أوكرانيا هو في تغيير نظرة الأوروبيين لأمنهم وأيضا لعلاقتهم بروسيا. 

هناك من المحللين من يبدي استغرابا من المواقف الأوروبية الحازمة تجاه روسيا ويتصورون خطأ أنها تأتي انصياعا للإرادة الأميركية، ولكن الحقيقة هي أن الغزو الروسي لأوكرانيا شكل تهديدا هو الأبرز من نوعه للقارة الأوروبية منذ الحرب العالمية الثانية. 

وتشعر العديد من الدول الأوروبية بانكشاف أمني بسبب هذه الحرب وتداعيتها. 

وجاء في تقرير أمني سنوي للاستخبارات العسكرية السويدية أن "المخاطر الأمنية على السويد زادت وأصبحت التهديدات للسويد أوسع وأكثر تعقيدا".

كما اعتبرت أن الوضع الأمني حاليا في أوروبا وفي المنطقة السويدية المحاذية "الأسوأ منذ بداية الثمانينيات على الأقلّ".

لكن أجهزة الأمن والاستخبارات العسكرية السويدية اعتبرت في تقريرها أن الوضع "ازداد أماناً" في السويد منذ إرسال طلب انضمامها إلى حلف شمال الأطلسي، وتلقيها ضمانات ثنائية بشأن الأمن من عدة دول، بانتظار العضوية.

الواقع أن الغزو الروسي أحدث حالة من الصدمة العنيفة التي ستظل تؤرق الأوروبيين إلى فترة طويلة قادمة. 

ولذلك لم يكن صدفة أن يخصص مؤتمر ميونيخ للأمن الحيز الأكبر من تركيزه على هذه الحرب. 

وفي هذا المؤتمر قال المستشار الألماني، أولاف شولتز، إنه يجب أن يدرك الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، أن أوروبا الآن موحدة أكثر من أي وقت مضى. في حين قال الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، إن الحلفاء الغربيين جاهزون لنزاع طويل الأمد في أوكرانيا، وإن "الوقت الآن ليس للحوار أو التفاوض، فقد اختارت روسيا الحرب ويجب مواجهتها".

والتشدد الأوروبي تجاه روسيا ليس منفصلا عن الموقف الأميركي الحازم من غزو أوكرانيا.

وتدرك الإدارة الأميركية أن الغزو الروسي ليس مجرد نزاع على الأراضي، ولكنه في العمق منه تهديد وجودي لأوروبا ومحاولة إخضاعها من جهة ومن جهة أخرى إرساء قواعد دولية جديدة يمكن فيها للدول الكبيرة والقوية أن تعبث بالخرائط والحدود كيفما شاءت.  

لذلك اختارت الولايات المتحدة الوقوف مع أوكرانيا حتى النهاية. ولعل الزيارة التي قام بها الرئيس بايدن لكييف هي إشارة قوية ولافتة على المدى الذي يمكن أن تذهب إليه الإدارة الأميركية في التصدي للغزو الروسي.

يبقى القول بأن النهاية العسكرية لهذه الحرب قد لا تكون قريبة، وإن حدوث تغيير سياسي داخل روسيا ربما يظل الخيار الأكثر ملائمة والأقل كلفة، لكن إذا كان ثمة أمل في حدوث مثل هذا التغيير، فهو لن يتم عبر التفاوض مع موسكو أو الضغط على الحكومة الأوكرانية للقبول بالوضع الراهن، وإنما على العكس من ذلك تماما، هو سيتم عبر التمسك بالسياسة الحالية والمتمثلة في تزويد أوكرانيا بما تحتاجه من معدات عسكرية ودعم سياسي ودولي وفي الوقت نفسه فرض المزيد من العقوبات على روسيا وإحكام عزلها. هذه السياسة هي التي ستنضج في الأخير نهاية مقبولة لهذه الحرب.