الأردنيون ينظرون للملكة العربية السعودية بأنها أكبر داعم لبلادهم
الأردنيون ينظرون للملكة العربية السعودية بأنها أكبر داعم لبلادهم

بعد أشهر على توقيع الأردن لاتفاق النوايا "الكهرباء مقابل الماء" مع إسرائيل، كشف استطلاع مُثير للرأي العام أن الأردنيين يعتبرون إسرائيل هي الأكثر تهديدا للأمن الوطني، هكذا هي صورتها؛ بشعة في عيون الناس.

لا تبدو نتيجة هذا الاستطلاع مُثيرة للاستغراب، إلا أنها تُسلط الضوء على تجاهل، واستخفاف الحكومة بتوجهات الشارع، فرغم مرور 28 عاما على توقيع معاهدات السلام، فإن التطبيع بين البلدين تكاد تكون نتيجته صفرا.

استطلاع الرأي الذي نشره مركز الدارسات الاستراتيجية تحت عنوان "نبض الشارع" سعى لقياس الموقف الشعبي من السياسة الخارجية، ومعرفة التوجهات في العلاقات الدولية، وأكثر ما هو لافت أيضا أن 45 بالمئة من المشاركين في الاستطلاع جزموا بشكل قاطع أن إسرائيل مسؤولة عن عدم الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط، تلتها الولايات المتحدة الأميركية بنسبة 11 بالمئة، وإيران ثالثا بنسبة 10 بالمئة.

ما لم يُفهم، وما اعتُبر عند الجمهور ليس دقيقا، وكان سببا في تكذيبه، وتوجيه الاتهامات، والانتقادات للاستطلاع هو إشارته إلى أن 53 بالمئة من الأردنيين يعتقدون أن من مصلحة الأردن المحافظة على الحد الأدنى من العلاقة مع إسرائيل.

وهو ما دفع الخبير في العلاقات الدولية، وتحديدا الأردنية الإسرائيلية، الأكاديمي د. حسن البراري للتأكيد أن نتائج الاستطلاع غير صحيحة، وأنه أجرى استطلاعا على حسابه على تويتر، وأظهر أن 93 بالمئة عارضوا العلاقة مع إسرائيل.

اتهام أميركا، وإلقاء اللوم عليها يبدو مفهوما لكل من يعرف تفاصيل المشهد الأردني، وهو مرتبط وجدانيا عند الناس بتحميلها مسؤولية مساندة إسرائيل في استمرار احتلالها، وعدوانها في فلسطين، وتظهر المفارقة، وتتجلى أكثر حين يُقر غالبية المُستطلع آراؤهم أن أميركا هي الحليف الدولي الأبرز للأردن، وهي الدولة غير العربية التي يشاركها مصالح السياسة الخارجية.
وبلغة الأرقام فإن 81 بالمئة يعتقدون أن العلاقات الأردنية الأميركية جيدة في المرحلة الحالية، إلا أن 88 بالمئة غير راضين عن السياسة الأميركية تجاه الصراع العربي الإسرائيلي، و55 بالمئة يدعمون بذات الوقت تقوية العلاقات بين البلدين.

قضية فلسطين وتداعياتها مفصل أساسي في تشكيل توجهات الرأي العام في الأردن، وهي "وحدة قياس" لرؤيتهم للعلاقات الخارجية، ولهذا فإن 77 بالمئة يرون أن القضية الفلسطينية أهم مشكلة يواجهها الشرق الأوسط.

في الاستطلاع مفارقات يمكن قراءة دلالاتها، فالأردنيون ينظرون للملكة العربية السعودية بأنها أكبر داعم لبلادهم، ورغم المد والجزر الذي تشهده العلاقات سياسيا، واقتصاديا، فإنها ظلت تستحوذ على الاهتمام الأكبر، ولم تغير حالة "البرود" السياسي التي شابت العلاقات منذ أن تصدر ولي العهد السعودي، الأمير محمد بن سلمان القيادة، وعلى الرغم أيضا من توقف الدعم المالي للأردن منذ أخر منحة خليجية قبل سنوات.

تركيا ما تزال تستأثر بمشاعر الأردنيين، وسحر وبريق الرئيس إردوغان ما زال له وقع خاص عند الشارع، وصورة الزعيم التركي الرافض للضغوط الدولية، والذي يُدير ظهره لإسرائيل تأسرهم، ولا ينقلب موقف الجمهور الأردني على وقع المعلومات عن تنامي التعاون الاقتصادي بين أنقرة وتل أبيب، وتظل إسطنبول الوجهة السياحة المفضلة للأردنيين، ولذلك فهي في مقدمة من يصوتون لتعزيز العلاقات الاقتصادية معها، وهي الأولى التي يرغبون بتعميق التعاون معها مستقبلا، وتحل قبل أميركا، والسعودية، وهو ما يحتاج إلى دراسة، وتمعن.

"من يصنع السياسة الخارجية في الأردن؟"، كان السؤال الأكثر إشكالية، والجواب أظهر أن 86 بالمئة لا يعرفون من يصنعها، ومن يتابع صناعة السياسات عن كثب يجد لهم العذر، فالحكومة صاحبة الولاية السياسية في البلاد تتنازع سلطتها مراكز قوى أخرى، فالمعروف حد التسليم أن السياسة الخارجية مرتبطة بالديوان الملكي، وأن العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني يقودها بشكل مباشر، ووزير الخارجية يرتبط بتفاصيل عمله الاستراتيجية، واليومية مع القصر، وليس مع الحكومة بشكل فعلي، وهذا الوضع يمكن أن ينسحب أيضا على اختيار بعض السفراء في عواصم القرار، مثل واشنطن، ولندن، وموسكو، بالإضافة إلى العواصم التي ترتبط بعلاقات خاصة مع الأردن، كالسعودية، والإمارات، ومصر.

الطريف في الاستطلاع أن الأردنيين الذين يتحزبون "شيعا وقبائل" في مواقفهم السياسية، ويتخندقون مع وضد بشكل متطرف، ويملؤون فضاء منصات التواصل الاجتماعي بالأحكام القاطعة في النزاعات الإقليمية، والدولية، يُظهر الاستطلاع أن فقط 15 بالمئة منهم يهتمون بالسياسة وشؤونها، وثلثهم يتابع الأخبار المتعلقة بالأردن فقط.

والطريف كذلك أن الاستطلاع كشف أن غالبية الأردنيين لا يعرفون حكوماتهم، ويكفي للتدليل على ذلك أن 71 بالمئة لا يعرفون من هو وزير الخارجية الحالي، رغم كل صولاته وجولاته، وهو الأكثر حضورا، وديناميكية في المشهد، وهذا يؤشر إلى استنكاف المجتمع عن الحياة السياسية، وعدم الاهتمام بتشكيل الحكومات وتغييرها، بعد أن أصبح الأردن مضرب المثل في سرعة استبدال الحكومات والوزراء.

ما يهم، ماذا ستفعل الحكومة في نتائج هذا الاستطلاع؟، وهل تستلهم منه ضرورة العمل على بناء سياسات أو إجراءات وضعها مؤشر نبض البلد تحت المجهر؟ 

متى يفيق رجال الدين للحقيقة من دون إقحام الدين في العلم؟. أرشيفية - تعبيرية
"متى يفيق رجال الدين للحقيقة من دون إقحام الدين في العلم؟" أرشيفية - تعبيرية

يحتدم الجدل بين العديد من رجال الدين الذين يصفون أنفسهم بأنهم "علماء" وبين مفكرين داعين إلى التنوير يرون ولعدة أسباب أن كلمة "علماء" لا يمكن أن تنطبق بأي حال على رجال الدين.

فشيوخ الدين يعتمدون على آية في القرآن الكريم تقول: "أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ" (سورة الشعراء 197).

وعلى النقيض من هذا الفهم للآية تماما يقول العديد من المفكرين ودعاة الاستنارة، مثل الدكتور خالد منتصر وغيره أن كلمة "علم" و"علماء" لا ينبغي أن تطلق على الدين ورجاله، لأن أساس العلم هو الشك في المعلومة ووضع أي فكرة للتجربة لإثباتها بالدليل القاطع في حين أن الدين قد ينهار تماما إذا طبقنا هذه القواعد عليه.

فهل يستطيع مثلا أن يثبت لنا رجال الدين بالتجربة العملية أن البخاري كان دقيقا في بحثه وهل يستطيعون أن يثبتوا بالدليل القاطع ما ينسبونه للرسول من أحاديث؟ وهل بإمكانهم إعطاؤنا البرهان الحاسم أن فهمهم لرحلة الإسراء والمعراج وفرض الصلاة فيها هو الحقيقة المطلقة؟ 

الرد ببساطة ....لا! فهم لا يملكون دليلا علميا واحدا خاضعا لقواعد البحث العلمي ليبرهنوا على مفاهيهم الدينية، فكيف لنا أن نصفهم بأنهم "علماء" أليس في هذا خداع لكلمة "علم" وتعبير "علماء"؟

والحقيقة في هذا السياق أن القرآن حينما عرّف كلمة "علماء" لم يتكلم على الإطلاق عن رجال الدين ودعونا نتأمل للحظات في هذه الآية الكريمة والتي يستخدمها الكثيرون لإعطاء رجال الدين صفة "علماء".

فالآية تقول: "إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ" (سورة فاطر آية 28).

ولكن ما ذكره القرآن الكريم قبل الآية يوضح تماما أن المقصود بكلمة "علماء" في هم من يدرسون ويبحثون ويتفكرون في خلق السموات والأرض، فالآية تقول ما يلي: "أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ" (سورة فاطر آية 27-28).

أي أن الآية التي يستخدمها رجال الدين لوصف أنفسهم بصفة "علماء" كانت تتكلم عن نزول المياه من السحب وإخراج الثمرات الجميلة من الأرض وتنوع الخلق وألوان الثمار وعجائب خلق الجبال والطيور، ولم تكن كلمة "علماء" تعني كما يظن البعض، أو الكثيرون، تتكلم عن فقه السنة وآداب الجماع ونكاح "الصغيرات" وشرب بول البعير وإرضاع الكبير وغيرها من الأمور التي أطلق عليها شيوخ الدين كلمة "علم" أو "علوم" ومن ثم أسموا أنفسهم بالعلماء.

وتتفق الآية السابقة "كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء" مع روح القرآن الكريم الداعية للبحث والتأمل في الخلق من حولنا. وتجلت هذه الدعوة وهذه الروح القرآنية في العديد من الآيات مثل "قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ" (سورة العنكبوت آية 20).

ومثل "إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَاب  الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ" (سورة آل عمران آية 190-191).

ومما زاد الطين بلة هو محاولة بعض رجال الدين  إقحام الدين في العلم والطب والذي تسبب في ابتداع أمور لها علاقة بصحة الناس دون أي دليل علمي  يؤكدها. فالكثير منا يعرف حديث الذبابة: "عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم 'إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه ثم لينزعه، فإن في أحد جناحيه داء وفي الآخر شفاء'"، أخرجه البخاري، وأبو داود.

والمضحك المبكي أن بعض رجال الدين يقولون إن العلم أثبت "حديث الذبابة" دون إعطاء مرجع علمي واحد محترم يؤكد زعمهم.  

وإذا كان الأمر هكذا في حديث الذبابة فما بالنا بالحديث التالي: "ورد حديث في صحيح البخاري عن عائشة رضي الله عنها إنها قالت: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) إن الحبة السوداء شفاء من كل داء"!.

فهل إذا كان هذا الأمر حقيقي فلما ذهب أو يذهب كبار رجال الدين مثل "الشيخ الشعراوي" وغيره للعلاج في مستشفيات الغرب حينما يمرضون! وهل يجرؤ أحد هؤلاء الشيوخ الذين يروَّجون لمثل هذا الحديث على أنه "علم" أن يتناولوا سما قاتلا ويتناولون بعده الحبة السوداء لإعطائنا الدليل العلمي والبحث التجريبي الذي يؤكد هذا الأمر؟

وقد يكون للحبة السوداء أو حبة البركة كما يطلق البعض عليها فوائد طبية, ولكنها بالقطع ليست شفاء لكل داء!

فمتى يفيق رجال الدين للحقيقة ويمكثون في مساجدهم دون محاولة إقحام الدين في مجال العلم لأنهم بالقطع سيخسرون في هذه المواجهة، لأن معظم ما يقولونه، على عكس العلم الحقيقي،  ليس عليه دليل علمي واحد يؤكده.