ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان قال إن كتب الأحاديث هي مصدر الانقسام في العالم الإسلامي
ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان قال إن كتب الأحاديث هي مصدر الانقسام في العالم الإسلامي

نزلت كلمات ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، في صحيفة "ذا أتلانتيك" والتي تم ترجمتها للغة العربية، كالصاعقة على الجماعات الإسلامية المتطرفة في جميع أنحاء العالم. وكان وقع هذه الكلمات مدويا بكل المقاييس. فالرجل – أي محمد بن سلمان – لم يكتف فقط بعرض المشكلة بل وضع حلولا لها.

والمشكلة كما لا يخفى على كثيرين هي في كتب التراث وكتب ما يسمى بالأحاديث، والتي حولت الإسلام من ديانة "لا إكراه في الدين" إلى ديانة "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولو لا إله إلا الله". وحولت مفهوم القرآن وصريح كلماته "فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر" إلى ديانة "من بدل دينه فأقتلوه". وحولت صورة الرسول من "وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين" كما جاء في القرآن الكريم إلى "لقد جئتكم بالذبح".  وياله من تغيير من نور إلى ظلام، ومن حق إلى باطل ومن رحمة إلى إجرام! 

والآن، وبعد أكثر من ألف عام من نزول الإسلام، يأتي محمد بن سلمان ليرجع الأمور إلى حقيقتها وليصلح ما أفسده رجال الدين ورواة الحديث الظالمون والكاذبون الذين أهانوا الإسلام وآذوا رسوله الكريم بأن قالو عنه أنه "تزوج من طفلة وعمرها سبع سنين"، وأنه "كان يدور على نسائه في ساعة واحدة من النهار بغسل واحد"، وأنه "أوتي قوة ثلاثين في الجماع"، وأنه "هو الضحوك القتال" وأنه ...وأنه وأنه....ولا أدري أين أنتهي، فكتب التراث مجلدات يصعب حملها على العصبةِ أولي القوة! 

وجدير بالذكر في هذا السياق، ذكر ما قاله ولي العهد السعودي في هذا الأمر، وهو أن كتب الأحاديث المختلفة هي "المصدر الأساسي للانقسام في العالم الإسلامي، بين المسلمين المتطرفين وبقية المسلمين، فهنالك عشرات الآلاف من الأحاديث، والغالبية العظمى منها لم تثبت". ثم أضاف لذلك أمرا هاما ألا وهو أن الرسول أمر المسلمين "بعدم تدوين الأحاديث في بداية الإسلام حتى لا يختلط الحديث بالقرآن". وهذا النهي عن كتابة الأحاديث مأخوذ من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، وقد أخرجه مسلم في صحيحه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا تكتبوا عني، ومن كتب عني غير القرآن فليمحه).

وكما نلاحظ فإن الرسول لم يلغ هذا الأمر أي أن كل من جمع وكتب عن الرسول شيئا غير القرآن مثل البخاري ومسلم وغيرهم ممن جمعوا ما أسموه بالحديث قد عصوا أمر الرسول عليه السلام. ونذكرهم هنا بهذه الآية والتي يبدوا أنهم قد نسوها " ومن يعص الله ورسوله فإِن له نار جهنم خالدين فيها أبدا".

وأروع ماحدث وما جاء على لسان محمد بن سلمان في هذا الموضوع أن هناك عملا يتم الآن لعمل كتاب جديد للأحاديث المثبتة حتى يتم عرض الإسلام الصحيح للناس.

وقد يكون هذا العمل جاهزا في غضون عامين! 

والآن يكون السؤال لشيخ الأزهر، والذي دافع عن كتب التراث بشراسة بالغة وصلت لدرجة إهانة الدكتور محمد الخشت رئيس جامعة القاهرة - والذي حاول تصحيح وتجديد الخطاب الديني -  فقال له الشيخ أحمد الطيب أن التجديد يكون في بيت أبوك وليس في الدين.

فاليت شيخ الأزهر يخرج علينا الآن ليقول لنا بصراحة مارأيه الآن في ما قاله محمد بن سلمان وبخاصة موقفه وموقف المملكة العربية السعودية من أحاديث الآحاد، والذي يقلل بشدة من أهميتها ويعتبرها هامشية في الدين.

والجدير بالذكر أن أحاديث الآحاد تمثل الأغلبية العظمى من كتب صحيح البخاري وصحيح مسلم وكتب الأحاديث المتداولة والمعروفة. وذلك يعني ببساطة إنهاء الكثير من الأمور التي اعتبرها شيوخ الأزهر أمورا لا يمكن المساس بها مثل الحجاب و قتل المرتد ورجم الزانية المحصنة ومنع الوصية في الميراث للوارثين وإجبار الناس على العبادات وقتل منكري الصلاة وغيرها من الأمور التي يعتبرها كثيرون أساسية في الدين.

وجدير بالذكر هنا تعريف ما هي أحاديث الآحاد، والتي عرفها محمد بن سلمان كما يلي "ما نسميها الأحاديث الآحاد، وهي ما سمعه شخص عن الرسول، وسمعه شخص آخر عن الشخص الأول، حتى نصل لمن وثقها، أو سمعها قلة من الناس عن الرسول، وسمعها شخص واحد من هؤلاء القلة".

وكما أشرنا أعلاه، فإن كتبا مثل البخاري وغيره من كتب التراث ستنتهي مع هذا التغيير التاريخي لأن غالبيتها العظمى – إن لم يكن كلها – هي أحاديث آحاد! 
 
فهل نحن الآن بصدد تغييرالظلام إلى نور، والباطل إلى الحق والإجرام إلى رحمة للإنسانية جمعاء! ولنر ماذا سيحدث!  

وأخيرا وليس آخرا نختتم المقالة بعنوانها : "هل حانت نهاية صحيح البخاري؟".

وللحديث بقية! 

"قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة. أرشيفية - تعبيرية
"قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة. أرشيفية - تعبيرية

على مدى خمس سنوات وخمسة أشهر، وفر لي هذا الموقع "alhurra.com" مساحة أسبوعية حرة، أخاطب من على منصتها، جمهورا متنوعا، رفقة نخبة من كتاب ومفكرين وإعلاميين وازنين، ومن دون تلك القيود والضوابط التي أثقلت كاهل الكتاب والمحللين والمثقفين في العالم العربي...هنا، وربما هنا فقط، بمقدورك أن تسمي الأشياء بأسمائها، دولاً وحكومات، دون خشية من قوانين "تعكير صفو العلاقة"، ومن غير أن تحسب حساب لأثر ما تكتب على "المساعدات" التي تتلقاها بلادك من هذه الدولة أو تلك.

ولأنك تخاطب جمهورا متنوعا، لا يجمعهم جامع سوى "لسان الضاد"، فأنت تجد نفسك مكرها على القفز من فوق "زواريب" السياسة المحلية في بلدك، التي لا يعرفها ولا يُعنى بها، سوى أهلها، أو بعض أهلها في كثيرٍ من الأحيان، وهو أمر له ما له وعليه ما عليه، فهو من جهة يُنجيك من "طبقات الرقابة" المتراكبة في مجتمعاتنا من سفارات وهويات دينية واجتماعية، بيد أنه من جهة ثانية، ينحو بما تكتب صوب التجريد والتعميم، وبصورة قد تُخلّ بمقتضيات "التحليل" في بعض الأوقات.

على أنك وأنت تكتب لموقع يتخذ مقرا له على مبعدة عشرة آلاف كلم، تبقى ملاحقا بهاجس "الرقابات"، حكومية وغيرها، من حكومة بلدك وحكومات الجوار القريب والبعيد، سيما بعد أن تعاظمت وطأة تأثيرها لاعتبارات "الجيوبوليتك" و"العلاقات الخاصة والمميزة"...أنت لا تشعر أنك حرٌ تماما، حتى وأنت تكتب لموقع "الحرة".

ذات ظهيرة، اتصل بي الصديق ألبرتو فيرنانديز، ومعه بدأت حكاية المقال الأسبوعي، كنت عرفته عندما كان دبلوماسيا رفيعا في سفارة الولايات المتحدة لدى عمّان، وكان شغل موقع الملحق الثقافي، ولقد وجدنا يومها شيئا مشتركا، فهو قضى سنوات في دمشق، وأنا فعلت الشيء ذاته، وإن في مراحل مختلفة، وكانت لديه شبكة واسعة من العلاقات مع المثقفين السوريين، وكنت كذلك، وكان هذا الموضوع على الدوام، يحتل مساحة بارزة في نقاشاتنا، ولطالما رتبنا أنا وإياه لقاءات لشخصيات أميركية ثقافية وسياسية وازنة في مركز القدس للدراسات السياسية، صحبة نخبة محترمة من سياسيي الأردن ومثقفيه.

ألبرتو كان قد تسلم للتو مسؤولياته في المؤسسة التي تصدر عنها "قناة الحرة" و"راديو سوا" و"موقع الحرة الإخباري"، طلبني لكتابة مقال أسبوعي، متعهدا بأن يحترم ما أكتب، وأظنه كان على علم بتوجهاتي السياسية والفكرية، ولكنه أراد للموقع أن يصبح منصة للحوار والجدل والتعدد.

ذات مرة، أثير نقاش حول هوية كتاب الحرة، وأُخذ على الموقع أنه ينتقيهم من أبناء مدرسة سياسية وفكرية واحدة تقريبا، يومها "غرد" فيرنانديز نافيا "الاتهام"، مستشهدا بتواجد أسماء وكتاب من خارج هذه المدرسة، ولقد ذكرني من بين آخرين، بوصفنا شهودا أحياء على تهافت الاتهام...مع أنني أشاطر أصحاب "الاتهام" بصرف النظر عن نواياهم، بأن غالبية الزملاء وليس جميعهم بالطبع، ينتمون لمدرسة في الفكر والسياسة، معروفة توجهاتها وخلفياتها، وهي في مطلق الأحوال، مدرسة حاضرة بقوة في دولنا ومجتمعاتنا، اتفقنا معها أم اختلفنا.

حرص الرجل على استحداث انطلاقة في مسار ومسيرة القناة والراديو والموقع، المتعثرة نسبيا، ولقد استعان بنخبة من الإعلاميين المجربين، أذكر منهم الزميل نارت بوران، الذي شغل موقع مدير عام مؤسسة الإذاعة والتلفزيون في الأردن، وكان مؤسسا لعدد من الفضائيات في الإمارات، ولقد زاملته في عمان، حين كان مديرا للمؤسسة، وكنت أقدم برنامجا حواريا على شاشة التلفزيون الأردني بعنوان "قضايا وأحداث"، ولقد كان الرجل مهنيا بامتياز، وتعين على أن يجذّف في بحر متلاطم الأمواج وهو يدير مؤسسة تتجاذبها رياح التأثير من مختلف مراكز القوى وصنع القرار في البلاد، كان الله في عونه، وعون أسلافه وخلفائه.

خلال هذه الرحلة مع "الحرة" كتبت 280 مقالا أسبوعيا، بمعدل وسطي 1200 كلمة للمقال الواحد، أي ما يعادل "336000 كلمة"، لم يتعثر منها سوى مقالات ثلاثة، اثنان لاستبدال عبارة بأخرى أو شطب كلمة، وآخر لأنني كنت كتبته مبكرا، ولقد جرت أحداث كثيرة ما بين كتابته ونشره، فاستوجب استبداله بمقال آخر... بلغة الإحصاءات، أقل من 1 بالمئة من مقالاتي أثارت نقاشا مع المحرر، لكن الأهم، أن أحدا في فيرجينيا لم يكن ليخطر بباله استبدال كلمة بأخرى، أو شطب كلمة، دون استئذان وموافقة من الكاتب، حتى في تلك المرات النادرة التي أتيت على ذكرها، وتلكم بالنسبة لشخص سبق أن منعت له ثمانية مقالات في شهر واحد، تجربة مثيرة للاهتمام.

لست هنا في باب كيل المديح لموقع أغادره ما أن يرى هذا المقال النور، ولكنني أصدر عن تجربة شخصية في الكتابة وهوامش الحرية المتاحة للكاتب، لأضيف إلى ما سبق ذكره، أنني اعتنيت بمقالتي الأسبوعية على موقع الحرة، أكثر من غيره، لكل الأسباب التي أوردتها، ولسبب آخر إضافي، أن الكاتب يرغب في "توثيق" و"تسجيل" مواقفه من أهم الأحداث والتطورات والظواهر الكبرى التي تشغل باله، وما يحول بينه وبين فعل ذلك، إما غياب المنبر، في ساحة إعلامية – صحفية عربية مستقطبة إلى أبعد حد، أو للقيود الصارمة التي تصاحب الكتاب في صحف ومنابر محلية وعربية.

وكان من دواعي سروري واعتزازي دائما، أن الزملاء في "راديو سوا" لطالما استخدموا المقال الأسبوعي مادة/موضوعا لحلقة إذاعية، غالبا ما كنت ضيفها أو أحد ضيوفها، بالنسبة للكتّاب، كان ذلك بمثابة حافز إضافي، يدفعه للتفكير في اختياراته والاهتمام بجودة ما يكتب.

موقع الحرة، كما أبلغني الزميل بهاء الحجار، قرر إغلاق باب كامل من أبوابه تحت عنوان "من زاوية أخرى"، وفيه كانت تحتشد مقالات الرأي من لبنان والعراق والمغرب العربي والأردن وغيرها... أحزنني ذلك، لاسيما أن المقال لم يعد على ما يبدو جاذبا للقراء الذين يتجهون بكثرتهم، الشابة خصوصا، إلى "التك توك" و"الإنستغرام" والفيديوهات القصيرة، بحساب الربح والخسارة، من العبث الاستمرار في استثمار كهذا، في حين يمكنك أن تجتذب جمهورا أوسع، لو أنك وضعت مواردك في مكان آخر.

هي "قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة، ولقد سبقني الزميل على هذا الموقع، حسن منيمنة، لرثاء المقالة المكتوبة، قبل أيام، فلا حاجة بي لمزيد من "الرثائيات"، وعلينا أن نسلّم بحقيقة أن العالم يتغير، وأن فنونا وألوانا من العمل الإعلامي والصحفي قد شقت طريقها للانقراض. نقول ذلك، ونحن معشر المشتغلين بالصحافة والمقالة المكتوبة، يعتصرنا الألم والإحساس بـ"اللاجدوى".

هو فصل جديد، سبق أن انتهت إليه كبريات من الصحف والمجلات في العالم، والعالم العربي، وفي ظني أن "الحبل على الجرار"، فمن بقي من هذه الصحف واقفا على قدميه، إنما نجح في ذلك بأعجوبة، أو بتمويل سخي، طافح بالأجندات والاستهدافات السياسية، إلا من رحم ربي، واستطاع أن يجد لنفسه موطئ قدم في ميادين الإعلام الجديد وعوامل السوشال ميديا والمرئي والمسموع، وإلى لقاء على منصة أخرى، وتجربة مختلفة.