مئات العائلات الفلسطينية في قطاع غزة خسرت منازلها وممتلكاتها عقب التصعيد مع إسرائيل
زيلينسكي أيد الضربات الإسرائيلية في غزة

... وكما أن منطق الحروب، لا يمكن تبريره أو تمريره، خصوصا في هذا العصر، تفاجئنا الحرب الروسية في أوكرانيا بكثير من اللامنطق، وبإنتاج مزيد من أثقال المواقف المتناقضة، كونها موغلة في الكيل بأكثر من مكيال.  

إن الهجوم بالأسلحة الفتاكة ضد مدنيين عزل يتطلب الإدانة المطلقة، لا إضفاء الشرعية عليه، أو إهماله وتجاهله، والتعامل معه وفق حسابات عنصرية.  

ولنضرب مثلا قريبا، تدمير منازل الفلسطينيين وتقتيلهم وتشريدهم، يعتبر لدى البعض دفاعا شرعيا لإسرائيل. بالمقابل، الهجوم الروسي، الحاصل اليوم على أوكرانيا، يواجه بالشجب والتنديد بكل قوة، ويستوجب التضامن مع الضحايا الأوكرانيين، واحتضانهم ومساعدة اللاجئين منهم، ما استطاع المرء إلى ذلك سبيلا.  

فجأة، تُقلب قواميس السياسة لتفتح على معان وتعريفات "إنسانية" جديدة وغريبة.  

انتبهوا جيدا، لفظة "لاجئ" ليس لها المعنى ذاته. هناك فرق بين لاجئ وآخر. ولتبدأ بتفحص شكله ولون بشرته وعينيه، وإذا اقتضى الأمر التأكد من عقيدته الدينية. ولست مطالبا بمثل هذا العبء إذا كنت أمام  لاجئ أفغاني أو سوري أو إفريقي، إن هيئته تخبرك عنه وتفضحه عن بعد، ولك كامل الحق في ممارسة ما يمليه عليك مخزونك من مواقف قد يعدونها "غير أخلاقية"، ودعك من إحساس بالذنب أو شعور بوعي شقي! 

*** 

رغم أن مروجي الأخبار الزائفة غير مرغوب في سلوكهم ولا في بضاعتهم المضللة، فإننا نرفع القبعة عالية، لنؤدي التحية لمن كان وراء كشف الزيف الذي تنهجه جهات غربية بلا أدنى خجل، حين عمد إلى نشر صورة لانهيار مبنى عالٍ (من 15 طابقا)، وأرفقها بتعليق يقول إنها صورة من فعل الصواريخ الروسية بأوكرانيا.  

كان ضروريا أن تستقطب هذه الصورة المأساوية كامل التنديد والغضب الشديد، والتضامن والتعاطف القوي مع الضحايا الذين قضوا تحت الأنقاض والردم. لكن سرعان ما كشف الخبراء حقيقة تلك الصورة، إذ لم تكن قادمة للتو من "حرب بوتين على أوكرانيا"، ولكنها صورة توثق لانهيار برج "الشروق" وسط غزة، جراء قصف الجيش الإسرائيلي بالطائرات الحربية وتدميره بالكامل، بتاريخ 12 ماي 2020. 

صورة غزة المطابقة لصورة أوكرانيا، كانت تذكيرا بزيف وظلم عالم واسع من المتواطئين، وفضحا للنفاق ولمدى ازدواجية المقاييس. 

بالمناسبة، استعاد المتتبعون تصريحات للرئيس الأوكراني فولوديمير زيلنيسكي، كان أعرب فيها عن دعمه الكامل وغير المشروط للهجوم الإسرائيلي على غزة ذلك العام. بالرغم من أن القصف الصاروخي له لغة مدمرة واحدة، وقتلاه نالوا المصير نفسه لقتلى المباني المنهارة بأوكرانيا اليوم، والنساء الثكالى ووجعهن وآلامهن هي ذات الأوجاع والآلام التي تكبدتها نساء غزة، والأطفال من الجرحى والمصابين والمصدومين في غزة، هم من بني البشر، وقع لهم ما يقع الآن لأطفال العاصمة كييف وأخواتها...  

يومها لم يتعاطف زيلينسكي مطلقا مع محنة اللاجئين الفلسطينيين، ولم يعتبرهم ضحايا لأية جريمة. 

هنا نقف أمام "عدالة" الكارثة، بخلاف سلالات محسوبة على بني البشر، إذ أن كوارث الحرب لا تمارس التمييز العنصري حين تمضي في أهدافها فاتكة بضحاياها.  

ما معنى التعاطف مع ضحايا حرب أبرياء، والتغاضي عن ضحايا حرب أخرى؟ 

كيف يجري الترحيب باللاجئين، إذا كانوا من ذوي البشرة البيضاء والعيون الزرق، وكيف تغلق الحدود وتقفل الأبواب في وجوه لاجئين آخرين، لأن هيأتهم هي "تهمتهم"، كانوا عربا أو أفارقة أو أسيويين؟؟ 

إن ثلاثية "اللون والدين والعرق" تتحول إلى جواز المرور الوحيد المعترف به في مثل هذه الأحوال "الإنسانية" العصيبة! 

*** 

في المراكز الحدودية تجري عملية فرز الطوابير الممتدة. وكأنه يوم القيامة وساعة الحساب. المؤمنون، (البيض البشرة) مأواهم الجنة، والمذنبون (الملونون) إلى جهنم وبئس المصير!  

قليل على مثل هذه المواقف إذا وصفناها بالعنصرية وبالمعاداة للآخر، الآخر المختلف المنتمي لأعراق وثقافات مغايرة. 

لسنا بصدد استنكار التعاطف الإنساني مع ضحايا الحرب في أوكرانيا، ولكننا نعبر عن رفض المواقف المارقة والبغيضة، التي لا تقل فتكا وخطورة عما تمارسه النخب السياسية الغربية وبعض وسائل الإعلام المساندة لها، من تضليل وخداع أخلاقي، لما تلجأ إلى تغطية (بمعنى إخفاء) الأفعال العنصرية لتلك النخب المسيطرة والحاكمة، وتجتهد لتوفير الحصانة لمن لا يستحقها من القتلة والمجرمين، مممن لم يتخلصوا من أحلام زمن مقيت، حتى أن بعضهم لم يعد يجد أدنى حرج في الجهر بعنصريته والتعبير عن حنينه الاستعماري.  

كما لسنا بصدد إيجاد تبريرات للتدخل الروسي في أوكرانيا، هذا التدخل الذي تحول معه بوتين إلى "شخص منبوذ"، بل مطلوب لجرجرته أمام المحاكم الدولية بصفته مجرم حرب... 

 لكن، مهلا.. ماذا يسمى ما فعلته بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية والتحالف الغربي العريض، حين أعطي الأمر لجحافل الجيوش المدججة بغزو العراق وأفغانستان؟  

أليس هذا من صميم ما فعله اليوم الرئيس الروسي بوتين، وهو يعتدي على سيادة دولة عضو في الأمم المتحدة، وينتهك القانون الدولي؟ 

هنا نعود إلى نقطة البداية، أي الكيل بمكيالين واقتراف ازدواجية المعايير! 

*** 

ولأن أول ضحايا الحرب هي "الحقيقة"، فإن الواحد تتقلص قدرته على الفهم والتركيز، وهو تحت شلالات منهمرة من أحاديث الخبراء العسكريين والمسؤولين السياسيين والمحللين الإعلاميين، فيحار في إدراك الخبر الحقيقي من الزائف المضلل والدعائي (البروباغندا).  

وقد سمعنا بوتين يكرر زعمه بأنه "يحارب النازيين". هل هي استعارة لفظية فارغة مقتبسة من الحرب العالمية الثانية، 

 أم هي حقيقة جلية لا غبار عليها؟ 

الواقع هو أن هناك فعلا ميليشيات "نازية جديدة" في أوكرانيا. وسبق لوسائل الإعلام الغربية الكبرى أن تحدثت عنها قبل نشوب الحرب. فقبل حوالي خمس سنوات، نشرت صحيفة "واشنطن بوست" تحقيقا عن "النازيين الجدد" بأوكرانيا، ذكرت فيه أنهم "جماعات شبه عسكرية، لا تتورع عن استخدام العنف لتحقيق أهدافها التي تتعارض بالتأكيد مع الديمقراطية المتسامحة ذات التوجه الغربي".  

كما أن تقارير عديدة تحدثت عن عنف اليمين المتطرف والقومية المتطرفة وتآكل الحريات الأساسية في أوكرانيا. واستعرضت مذابح النازيين الجدد ضد الغجر، وهجماتهم الواسعة النطاق على الحركات النسوية ومجموعات المثليين. مع الإشارة إلى تمجيد الدولة في أوكرانيا لهذه الميليشيات العسكرية، ومنها كتيبة "آزوف" التي حظيت بدعاية كبيرة، وتشتهر بتبنيها لإيديولوجية "النازيين الجدد". كما تجدر الإشارة إلى أن حزبا من اليمين المتطرف، هو حزب "سفوبودا"، ممثل في البرلمان الأوكراني. 

لكن "واشنطن بوست"عادت اليوم لنسخ ما نشرته بالأمس، قائلة إن هذا الوصف مجرد "اتهام كاذب".  

وعلى خطى الصحيفة الأميركية صار المحللون الغربيون اليوم بنفي تلك "المزاعم والادعاءات"، واعتبارها دعاية روسية محضة.  

ورغم أن حجج بوتين التي يقدمها في هذا الصدد لا تبرر الغزو بأي حال من الأحوال، فإن البعض يجدها تتطلب لزوم الوقوف عندها ومنحها ولو بعض الاهتمام. 

*** 
حتى عندما يتم التعبير عن التضامن الإنساني للغرب مع أوكرانيا بشكل ملائم ومنطقي ووجيه، فإن الخلفيات العنصرية والتحيز الأوروبي لا يمكن التغاضي عنه بهذا الشأن. ووفق ما صرح به الخبير العسكري والباحث الفرنسي بيير كونيسا أن "الساسة في أوروبا يتصورون الأرض مسطحة والغرب هو مركزها، وكل شيء على الهامش هو أرض بربرية يمكن اجتياحها والتدخل فيها". 

إنها الحرب.. يعتقد البشر الغافل أنه يسيطر على مقاليده، وأنها يتقاذفها كما شاء بين أرجله كالكرة، في حين أنها هي من تطوح به إلى المجهول وإلى الفناء الذي يصنعه بيده. 

معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية
معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية

السائد تقليدياً، التعامل مع الفقر كموضوع للإحسان من منظار ديني. لأن الدين يعتبر جزءا مهما من تكوين الهويات الجماعية، فهو يمنح قاعدة للتضامن الاجتماعي والحشد السياسي. لكن الفقر أصبح موضوعا سوسيولوجيا للدراسة في مطلع القرن الماضي. ويعتبر الفقر الآن أحد اشكال العنف التي يتعرض لها الانسان.

تاريخياً الفقراء هم البشر غير المرئيين، شخوص خرساء، إنهم الذين "لا صوت لهم" إلا كآثار عابرة تركوها عنهم من لا يعانون الفقر. التاريخ لم يعرف للفقراء حضورا أو صوتا. فالتاريخ لم يكن ينقل لنا سوى سِير وحكايات الملوك والأمراء والحكام وأبطال المعارك العسكرية، سواء في لهوهم او في عنفهم. لم يُذكر الفقراء إلا في معرض الشفقة وطلب الإحسان.

انتظر الفقراء بتواضع على عتبة التاريخ حتى مطالع القرن الماضي، قبل أن يتم التعرف عليهم، لكن بشروط.

لكن ما هو الفقر؟

في الفرنسية نسقط في الفقر كما في حفرة ونهوي في ظلمات العوز. في العربية أيضاً، فَقَرَ حفرة أي حفرها، فقُر الرجل: أي كسر فقار ظهره. فقر الخرز أي ثقبه. وفي الحالين نجد معنى السقوط والتدهور والانحلال وانكسار الظهر. وغالباً ما يكون الفقر مسؤولية صاحبه أو قدره. يصبح عندها كعاهة لا يمكن الاعتراض على وجودها!

وهذا ما يتوجب معالجته، إبطال فكرة الاستسلام أمام حالة الفقر. إنها مسؤولية الدولة وسياساتها والمجتمع والحروب والمجاعات والكوارث الطبيعية والأزمات الاقتصادية المنتجة الأساسية له.

حالة الفقر وضعية يخضع لها الفقير. تظل آنية أو تصبح دائمة. حالة ضعف وتبعية وتواضع، تتسم بالحرمان من الموارد وحرمان من المال والسلطة والنفوذ والعلم وشرف المحتد، أو من القوة الجسدية أو القدرات العقلية أوالحرية. وذلك بحسب الحقب والمجتمعات. الفقر مهين للكرامة الشخصية ويضم كل المستبعدين من المجتمع السوي.

تغيرت في القرن الحادي والعشرين معايير قياس الفقر عموماً، وبحسب تقرير التنمية البشرية لـ2019 حصل تقدم ملحوظ في الحد من أشكال الحرمان الشديد، فقد أفلت من براثن الجوع والمرض والفقر في أنحاء العالم عدد غير مسبوق من الناس الذين قفزوا فوق الحد الأدنى لمعيشة الكفاف.

لكن جائحة كوفيد، والحرب الدائرة في أوكرانيا، والعنف المستمر في العالم وفي العالم العربي، والزلزال في تركيا وسوريا مؤخراً، تسببت بإفقار الكثير من الدول العربية ومن دول العالم النامي.

منذ ما قبل هذه الأزمة كان عدم المساواة مستشرياً. فرغم التقارب النسبي في الإمكانات الأساسية لدى الكثير من الدول، أي غذاء وتعليم وصحة، لدينا تفاوت كبير علىى صعيد الإمكانات المعززة والنوعية التي تطال الحصول على الخدمات الصحية الجيدة أو خدمات التعليم الجيدة والحصول على التكنولوجيات، مما يوفر المناعة تجاه الصدمات الجديدة غير المعروفة.

في العالم العربي لا يزال الفقر المدقع من أعلى المستويات. انظر: "الفقر في العالم العربي.. أرقام صادمة"، الحرة 16 ديسمبر 2018.

تميز القرن العشرين بالنصوص العالمية المتعلقة بحماية حقوق الإنسان. من بينها الحق بتكوين أسرة والحق بحماية الحياة الأسرية. لكن هذا التطور لم يعبر عن نفسه على مستوى الواقع بشكل أتوماتيكي. ظلت الأسر الفقيرة منبوذة على هامش المجتمع ومعتبرة غير مؤهلة. لكن تطور النظرة إلى الحقوق الأساسية للإنسان أدّى الى ولادة اليوم العالمي للقضاء على الفقر في 17 أكتوبر 1987.

وقد أعلنوا أن الفقر يُشكل انتهاكا لحقوق الإنسان وأكدوا الحاجة إلى التضامن بغية كفالة احترام تلك الحقوق. 

لا يمكن الحديث عن الكرامة الانسانية في ظل الحروب والعنف العسكري والاجتماعي. 

الحديث عن كرامة في غياب المساواة ضرب من الخيال. والثقافة التقليدية تساهم في جعل اللامساواة مبررة ومقبولة واعتبارها أقرب إلى الصفات الوراثية.

ومع أن هناك إجماع على الاعتراف بحقوق المرأة، وبالمساواة بينها وبين الرجل، في أكثرية دساتير البلدان العربية. غير أن مجرد وجود ضمانات دستورية تكفل حق المرأة ولا يتجسد بالضرورة واقعا تحقق فيه المرأة كامل حقوقها المدنية والقانونية والسياسية.

تتسم أوضاع النساء العربيات عموماً بالهشاشة، خصوصاً في البلدان التي تعاني من سوء التنمية او الحروب؛ مما يزيد عدد الأرامل، وبالتالي الأسر التي تديرها المرأة بمفردها. وهذا أحد أهم مسببات الفقر المستدام، لأنهن عندما يدخلن دائرة الفقر فهن معرضات للبقاء فيها. 

من هنا بروز مفهوم تأنيث الفقر، وتصفه اليونيفيم (UNIFEM)  بأنه "عبء الفقر الذي تتحمله المرأة، خاصة في الدول النامية"، فتعاني من مستوى معيشي منخفض لا يكفي لتغطية الاحتياجات المادية والمعنوية مما يؤثر سلبا على الاحترام الذاتي للفرد أو للمجموعة.

 وهو ليس نتيجة لضعف الدخل فقط، بل أيضا نتيجة للحرمان من الإمكانيات والتحيزات الجنسانية الموجودة في كل من المجتمعات والحكومات. وهذا يشمل فقر الخيارات والفرص، مثل التمكن من عيش حياة طويلة وصحية وخلاقة، والتمتع بالحقوق الأساسية وبالحرية والاحترام والكرامة.

ويرتبط هذا المفهوم بمستوى المعيشة العام داخل المجتمع، كما يرتبط بكيفية توزيع الثروة ومكانة الفرد في مجتمعه، وبتوقعاته الاجتماعية والاقتصادية.

ونتائج الفجوات بين الجنسين في التوظيف، وأنشطة الأعمال، والحصول على التمويل، لا تكبل الأفراد فقط بل الاقتصاد برمته. ما يؤخر نمو وتقدم المجتمع. 

لذا هناك اهتمام كبير الآن بتعزيز روح التضامن العالمي، بالتركيز على حاجات الفئات الأضعف والأشد فقرا. كما  يجب الاعتراف وتشجيع الدور الذي يضطلع به القطاع الخاص المتنوع، ابتداء من المؤسسات المتناهية الصغر ومرورا بالتعاونيات وانتهاء بالشركات الكبرى؛ إضافة الى الدور الذي تضطلع به منظمات المجتمع المدني والمنظمات الخيرية في تنفيذ الأعمال المطلوبة.

للعمل الخيري القدرة على رفع آثار الأضرار المترتبة عن الأزمات الإنسانية، كما أن له القدرة على دعم الخدمات العامة في مجالات الرعاية الطبية والتعليم والإسكان وحماية الأطفال. والعمل الخيري فاعل جدا في تحسين الثقافة والعلوم والرياضة وحماية الموروثات الثقافية، فضلا عن تعزيزه لحقوق المهمشين والمحرومين ونشر الرسالة الإنسانية في حالات الصراع.

من المعلوم أن المجتمع المدني أقوى من الدولة في التجربة اللبنانية، فلقد اضطلع دائما بالجوانب التي تقصر بها الدولة، وبرز دوره خصوصاً في السنوات الأخيرة. فمنذ جريمة انفجار المرفأ في 4 آب عام 2020، تكفل المجتمع المدني والجمعيات الخيرية الاضطلاع بمسؤولية كافة المهام التي خلفها الانفجار، وقام مقام الدولة في ظل غيابها التام. فمن إسعاف المرضى إلى رفع الأنقاض والترميم إلى تدبير مساكن ومساعدات عينية لمن فقدوا منازلهم وهم بالآلاف. كل ذلك تكفلت به الجمعيات الخيرية والجمعيات المدنية. 

لكن، إذا كان العمل الخيري ضروري ويقوم بخدمات جليلة للمجتمع وللأفراد، ينبغي الحذر من أن يخلق مشكلة الاتكالية عند تلقي المساعدات بشكل دائم. فيتحول الفرد إلى كسول مفتقد لروح العمل يعتاش على الصدقات ومشاريع الإغاثة، فيتجذر الفقر. ونكون بهذا نتسبب بالضرر للمجتمع عندما نحول أفراده الضعفاء إلى معتاشين دائمين.

من هنا أهمية وضع برامج تهتم، إلى جانب المساعدة، بتوعية المستفيدين مع التدريب على برامج تنموية وإكساب معارف وتقنيات تساهم في تمكينهم  كي يستقلوا ويصبح باستطاعتهم تلبية حاجاتهم وحاجات أسرهم.

مشكلتنا ليست في الفقر فقط، فهو يوجد في أغنى الدول وأكثرها ترفا، ولكن في عدم قدرتنا على اجتثاث مسبباته والأخذ بيد الفقراء حتى يعتمدوا على أنفسهم، بل أيضاً في تفعيل عمل المؤسسات الرسمية والوزارات والقدرة على مواجهة الأزمات وتحويلها إلى فرص.

**ألقيت هذه الكلمة في جلسة افتتاح "القمة العالمية للمرأة"، التي أقيمت في أبوظبي بين 21-22 فبراير 2023، برعاية سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك، وشاركت فيه سيدات فاعلات من مختلف أنحاء العالم.

هذه الورقة ستكون آخر مساهمة لي في صفحة "من زاوية أخرى"، التي رافقت همومنا وتطلعاتنا، لأن الموقع قرر إغلاق هذه الصفحة، من ضمن الاتجاه العام في التحول من الصحافة الورقية المكتوبة إلى الرقمية، ثم إلى – البصرية.

وسوف نفتقد بحسرة هذه المساحة الحرة التي ضمت نخبة من الاقلام العربية التي كتبت فيها بحرية تامة (مفتقدة في معظم الإعلام العربي، إذا لم يكن كله) ومن دون قيود أو رقابة من أي نوع، وحتى في نقد سياسات مرجعيات الحرة نفسها؛ شرط احترام الدقة والموضوعية والاستناد إلى مصادر موثوقة. والأسف على إغلاقها يعود لحاجتنا الماسة لهذه الأقلام الحرة في هذه اللحظات المصيرية التي تواجهها المجتمعات العربية.

لكن ما باليد حيلة، فالسياسات والحاجات، مهما كان مصدرها، لا تتماشى بالضرورة مع مصالح الشعوب. فوداعاً.