نازحات أوكرانيات يتعانقن داخل خيمة نصبت قرب محطة قطار لفيف.
نازحات أوكرانيات يتعانقن داخل خيمة نصبت قرب محطة قطار لفيف.

لامست تداعيات حرب روسيا الجارية على أوكرانيا صدى الاحتفالية الأممية بيوم المرأة العالمي، وبدت النشاطات المرافقة لها هذا العام روتينية وكئيبة بعض الشيء، وكأن هذا الشحوب الذي أصاب بعضاً من حيويتها، عكس عمق التوتر والقلق العام المتعلق بالآثار المدمرة لهذه الحرب، وانعكاس ظلالها الحادة على مستقبل العالم بنسائه ورجاله، وعلى مستقبل نساء أوكرانيا بشكل خاص.  

الاحتفالية العالمية بيوم المرأة في كل ثامن من شهر مارس، ليست عيداً، بل هي يوم خاص للتذكير بقضايا النساء والتمييز ضدهن، ولأجل التوعية والتضامن معهن من أجل الحرية والمساواة وحقوق المواطنة الكاملة. فإن كانت النساء الأوكرانيات مع الغالبية من نظيراتهن الأوربيات والغربيات قد قطعن شوطاً كبيراً نحو الحرية والمساواة، ونجحن في تحقيق العديد من المكتسبات الحقوقية، إلا أنهن ينضممن اليوم إلى قائمة معاناة الملايين من نساء العالم، ويواجهن استحقاقاً قاسياً مشابهاً يتعلق بالانتهاك الصارخ لأبرز وأول حق من حقوقهن وهو الأمن، الذي يبنى السلام على ركيزته ويؤسس الاستقرار بموجبه، وأي تقويض له يعني تقويض الحياة العامة، وحياة النساء بشكل خاص ومضاعف. 

المشهد الأوكراني العام كما تنقله صور وتقارير وسائل الإعلام العالمية، أظهر انخراط الرجال خلف خطوط النار، ومشاركة نسبة عالية من المقاتلات المجندات في الجيش الأوكراني أو ممن تطوعن مؤخراً للمشاركة في القوات الدفاعية، فيما الغالبية من النساء في الخطوط الخلفية يطلعن بمهامهن القيادية والإدارية لتيسير الشؤون الحيوية الخاصة بالمشافي الميدانية ومهام الإطعام وتنظيم عمليات اللجوء والنزوح، إضافة إلى وضوح الدور البارز الذي تؤديه ناشطات المجتمع المدني داخل المدن أو عند المراكز الحدودية. 

في عمق المشهد، تتوالى صور الهاربات بأجيالهن المختلفة وهن يلهثن على طرقات محفوفة بجميع الأخطار، وتتكدس صور آلاف في الملاجىء ومراكز الإيواء، يلتحفن أغطيتهن بصمت، وقد تركت الصدمة أثرها البليغ على ملامحهن مثل صفعة أزلية، يدارين قهراً يموج في الروح، ويخفين دموعاً تلوح في الأعين، وهن يحاولن تأجيل الإجابات القاسية لأسئلة صعبة يخشين طرحها، مثل: كيف حل بنا هذا؟ ولماذا؟.

تتكامل الصورة بين ظاهر المشهد وعمقه، وتتراكم معاناة النساء بمختلف مواقعهن وهنّ يجربن إظهار الشجاعة وبعض رباطة الجأش، لكنهن يدركن الأثمان الباهظة التي يدفعنها وسيدفعنها مع مرور الوقت، ليس في مخاوف واحتمال فقدان الوطن أو فقدان أحبتهن وأرزاقهن فقط، بل في معنى فقدان الأمن والأمان المستدام والاستقرار النفسي الذي يرسم أمامهن شبح صورة المستقبل القريب بكل بؤسه وسوداويته المتوقعين.   

أثمان جارحة تدفعها النساء بشكل مضاعف، لايدرك عمق وصعوبة تفاصيلها إلا من عاش تجارب الحروب واللجوء والنزوح. ذاقت مراراتها جدات الأوكرانيات وعموم الأوربيين وشعوب روسيا بطبيعة الحال. وخبرت تشظياتها –ومازلن- ملايين العراقيات والسوريات والكرديات واللبنانيات والفلسطينيات واليمنيات. 

وخبرتها الأفغانيات والكويتيات والليبيات وغيرهن من نساء العالم المنكوبات في حروب العقود الفائتة، وفطنت إلى بعض تفاصيلها الصعبة بعض نساء بولندا، فدفعتهن إلى تضامن رمزي مؤثر، عبر ترك عربات أطفالهن عند الحدود، لتستعملها المحتاجات من الأمهات الهاربات من الجحيم الأوكراني. 

كيف ستتمكن أمُ من إقناع طفلها أن قطعة خبز يابسة –إن توفرت-هي بسكويتة، وأن (بابا) سيعود قريباً وسيعود هو إلى مدرسته ورفاقه وسريره وألعابه؟ كيف ستتدبر النساء تيسير شروطهن النسائية الشهرية ببدائل الخرق البالية، وكيف ستلد امرأة مولودها في ملجأ في غياب الشروط الصحية اللازمة وتهدئ من روع رضيعها وسط هذا الازدحام والضجيج؟ وكيف ستتدبر النساء شؤون العجزة بينهن وإطعامهم وتخفيف آلامهم في ظل الحصار وفقدان الدواء والماء الكهرباء والتدفئة؟ 

أسئلة مصيرية تتعلق بسيل من كسر الخواطر وصعوبة جبرها، تكمن في عمق التفاصيل الصغيرة، تتكرر مع كل حرب جديدة تدمر هذه الأرض الجميلة التي لايستحقها أبناؤها لكثرة ماارتكبوه من آثام بحقها. حروب شر بلا حدود، تسحق كل مايقف أمامها، تطحن حيوات الجميع وفي مقدمهم نساء العالم، اللاتي عليهن أن يقاسين ويضمدن جراحاً عميقة بات التئامها عسيراً مع تجدد نزفها كل حين. 

في أحد التقارير الإعلامية المصورة التي نقلها مراسل أحد محطات التلفزة العربية، وكان يشرح كيف اضطر سكان العاصمة كييف إلى استعمال عربات ميترو الأنفاق المتوقف كبديل للإيواء، بحيث تحولت المقاعد إلى أسرّة مؤقتة للنوم، رصدت الكاميرا بلقطة سريعة وعابرة شابة أوكرانية عند أحد المقاعد التي تشغلها وقد ركنت عند نافذة مقعدها (فاز) زجاجي وضعت فيه وردتين بديعتين. 

لقطة لم تكن عابرة في وجدان من رآها، تعبر عن معنى عظمة الأنوثة، وعن كل نساء الأرض، اللواتي رغم أنهن يدفعن كل هذه الأثمان المضاعفة في فقدان الأمن والسلام، إلا أنهن يحتفظن دوماً بهامش سحري ليبقين خلاّقات ومدهشات في مقدرتهن اللامحدودة على صناعة  الجمال، وإعادة بعض التوازن وبناء السلام كلما سنحت لهن فرصة صغيرة.

معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية
معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية

السائد تقليدياً، التعامل مع الفقر كموضوع للإحسان من منظار ديني. لأن الدين يعتبر جزءا مهما من تكوين الهويات الجماعية، فهو يمنح قاعدة للتضامن الاجتماعي والحشد السياسي. لكن الفقر أصبح موضوعا سوسيولوجيا للدراسة في مطلع القرن الماضي. ويعتبر الفقر الآن أحد اشكال العنف التي يتعرض لها الانسان.

تاريخياً الفقراء هم البشر غير المرئيين، شخوص خرساء، إنهم الذين "لا صوت لهم" إلا كآثار عابرة تركوها عنهم من لا يعانون الفقر. التاريخ لم يعرف للفقراء حضورا أو صوتا. فالتاريخ لم يكن ينقل لنا سوى سِير وحكايات الملوك والأمراء والحكام وأبطال المعارك العسكرية، سواء في لهوهم او في عنفهم. لم يُذكر الفقراء إلا في معرض الشفقة وطلب الإحسان.

انتظر الفقراء بتواضع على عتبة التاريخ حتى مطالع القرن الماضي، قبل أن يتم التعرف عليهم، لكن بشروط.

لكن ما هو الفقر؟

في الفرنسية نسقط في الفقر كما في حفرة ونهوي في ظلمات العوز. في العربية أيضاً، فَقَرَ حفرة أي حفرها، فقُر الرجل: أي كسر فقار ظهره. فقر الخرز أي ثقبه. وفي الحالين نجد معنى السقوط والتدهور والانحلال وانكسار الظهر. وغالباً ما يكون الفقر مسؤولية صاحبه أو قدره. يصبح عندها كعاهة لا يمكن الاعتراض على وجودها!

وهذا ما يتوجب معالجته، إبطال فكرة الاستسلام أمام حالة الفقر. إنها مسؤولية الدولة وسياساتها والمجتمع والحروب والمجاعات والكوارث الطبيعية والأزمات الاقتصادية المنتجة الأساسية له.

حالة الفقر وضعية يخضع لها الفقير. تظل آنية أو تصبح دائمة. حالة ضعف وتبعية وتواضع، تتسم بالحرمان من الموارد وحرمان من المال والسلطة والنفوذ والعلم وشرف المحتد، أو من القوة الجسدية أو القدرات العقلية أوالحرية. وذلك بحسب الحقب والمجتمعات. الفقر مهين للكرامة الشخصية ويضم كل المستبعدين من المجتمع السوي.

تغيرت في القرن الحادي والعشرين معايير قياس الفقر عموماً، وبحسب تقرير التنمية البشرية لـ2019 حصل تقدم ملحوظ في الحد من أشكال الحرمان الشديد، فقد أفلت من براثن الجوع والمرض والفقر في أنحاء العالم عدد غير مسبوق من الناس الذين قفزوا فوق الحد الأدنى لمعيشة الكفاف.

لكن جائحة كوفيد، والحرب الدائرة في أوكرانيا، والعنف المستمر في العالم وفي العالم العربي، والزلزال في تركيا وسوريا مؤخراً، تسببت بإفقار الكثير من الدول العربية ومن دول العالم النامي.

منذ ما قبل هذه الأزمة كان عدم المساواة مستشرياً. فرغم التقارب النسبي في الإمكانات الأساسية لدى الكثير من الدول، أي غذاء وتعليم وصحة، لدينا تفاوت كبير علىى صعيد الإمكانات المعززة والنوعية التي تطال الحصول على الخدمات الصحية الجيدة أو خدمات التعليم الجيدة والحصول على التكنولوجيات، مما يوفر المناعة تجاه الصدمات الجديدة غير المعروفة.

في العالم العربي لا يزال الفقر المدقع من أعلى المستويات. انظر: "الفقر في العالم العربي.. أرقام صادمة"، الحرة 16 ديسمبر 2018.

تميز القرن العشرين بالنصوص العالمية المتعلقة بحماية حقوق الإنسان. من بينها الحق بتكوين أسرة والحق بحماية الحياة الأسرية. لكن هذا التطور لم يعبر عن نفسه على مستوى الواقع بشكل أتوماتيكي. ظلت الأسر الفقيرة منبوذة على هامش المجتمع ومعتبرة غير مؤهلة. لكن تطور النظرة إلى الحقوق الأساسية للإنسان أدّى الى ولادة اليوم العالمي للقضاء على الفقر في 17 أكتوبر 1987.

وقد أعلنوا أن الفقر يُشكل انتهاكا لحقوق الإنسان وأكدوا الحاجة إلى التضامن بغية كفالة احترام تلك الحقوق. 

لا يمكن الحديث عن الكرامة الانسانية في ظل الحروب والعنف العسكري والاجتماعي. 

الحديث عن كرامة في غياب المساواة ضرب من الخيال. والثقافة التقليدية تساهم في جعل اللامساواة مبررة ومقبولة واعتبارها أقرب إلى الصفات الوراثية.

ومع أن هناك إجماع على الاعتراف بحقوق المرأة، وبالمساواة بينها وبين الرجل، في أكثرية دساتير البلدان العربية. غير أن مجرد وجود ضمانات دستورية تكفل حق المرأة ولا يتجسد بالضرورة واقعا تحقق فيه المرأة كامل حقوقها المدنية والقانونية والسياسية.

تتسم أوضاع النساء العربيات عموماً بالهشاشة، خصوصاً في البلدان التي تعاني من سوء التنمية او الحروب؛ مما يزيد عدد الأرامل، وبالتالي الأسر التي تديرها المرأة بمفردها. وهذا أحد أهم مسببات الفقر المستدام، لأنهن عندما يدخلن دائرة الفقر فهن معرضات للبقاء فيها. 

من هنا بروز مفهوم تأنيث الفقر، وتصفه اليونيفيم (UNIFEM)  بأنه "عبء الفقر الذي تتحمله المرأة، خاصة في الدول النامية"، فتعاني من مستوى معيشي منخفض لا يكفي لتغطية الاحتياجات المادية والمعنوية مما يؤثر سلبا على الاحترام الذاتي للفرد أو للمجموعة.

 وهو ليس نتيجة لضعف الدخل فقط، بل أيضا نتيجة للحرمان من الإمكانيات والتحيزات الجنسانية الموجودة في كل من المجتمعات والحكومات. وهذا يشمل فقر الخيارات والفرص، مثل التمكن من عيش حياة طويلة وصحية وخلاقة، والتمتع بالحقوق الأساسية وبالحرية والاحترام والكرامة.

ويرتبط هذا المفهوم بمستوى المعيشة العام داخل المجتمع، كما يرتبط بكيفية توزيع الثروة ومكانة الفرد في مجتمعه، وبتوقعاته الاجتماعية والاقتصادية.

ونتائج الفجوات بين الجنسين في التوظيف، وأنشطة الأعمال، والحصول على التمويل، لا تكبل الأفراد فقط بل الاقتصاد برمته. ما يؤخر نمو وتقدم المجتمع. 

لذا هناك اهتمام كبير الآن بتعزيز روح التضامن العالمي، بالتركيز على حاجات الفئات الأضعف والأشد فقرا. كما  يجب الاعتراف وتشجيع الدور الذي يضطلع به القطاع الخاص المتنوع، ابتداء من المؤسسات المتناهية الصغر ومرورا بالتعاونيات وانتهاء بالشركات الكبرى؛ إضافة الى الدور الذي تضطلع به منظمات المجتمع المدني والمنظمات الخيرية في تنفيذ الأعمال المطلوبة.

للعمل الخيري القدرة على رفع آثار الأضرار المترتبة عن الأزمات الإنسانية، كما أن له القدرة على دعم الخدمات العامة في مجالات الرعاية الطبية والتعليم والإسكان وحماية الأطفال. والعمل الخيري فاعل جدا في تحسين الثقافة والعلوم والرياضة وحماية الموروثات الثقافية، فضلا عن تعزيزه لحقوق المهمشين والمحرومين ونشر الرسالة الإنسانية في حالات الصراع.

من المعلوم أن المجتمع المدني أقوى من الدولة في التجربة اللبنانية، فلقد اضطلع دائما بالجوانب التي تقصر بها الدولة، وبرز دوره خصوصاً في السنوات الأخيرة. فمنذ جريمة انفجار المرفأ في 4 آب عام 2020، تكفل المجتمع المدني والجمعيات الخيرية الاضطلاع بمسؤولية كافة المهام التي خلفها الانفجار، وقام مقام الدولة في ظل غيابها التام. فمن إسعاف المرضى إلى رفع الأنقاض والترميم إلى تدبير مساكن ومساعدات عينية لمن فقدوا منازلهم وهم بالآلاف. كل ذلك تكفلت به الجمعيات الخيرية والجمعيات المدنية. 

لكن، إذا كان العمل الخيري ضروري ويقوم بخدمات جليلة للمجتمع وللأفراد، ينبغي الحذر من أن يخلق مشكلة الاتكالية عند تلقي المساعدات بشكل دائم. فيتحول الفرد إلى كسول مفتقد لروح العمل يعتاش على الصدقات ومشاريع الإغاثة، فيتجذر الفقر. ونكون بهذا نتسبب بالضرر للمجتمع عندما نحول أفراده الضعفاء إلى معتاشين دائمين.

من هنا أهمية وضع برامج تهتم، إلى جانب المساعدة، بتوعية المستفيدين مع التدريب على برامج تنموية وإكساب معارف وتقنيات تساهم في تمكينهم  كي يستقلوا ويصبح باستطاعتهم تلبية حاجاتهم وحاجات أسرهم.

مشكلتنا ليست في الفقر فقط، فهو يوجد في أغنى الدول وأكثرها ترفا، ولكن في عدم قدرتنا على اجتثاث مسبباته والأخذ بيد الفقراء حتى يعتمدوا على أنفسهم، بل أيضاً في تفعيل عمل المؤسسات الرسمية والوزارات والقدرة على مواجهة الأزمات وتحويلها إلى فرص.

**ألقيت هذه الكلمة في جلسة افتتاح "القمة العالمية للمرأة"، التي أقيمت في أبوظبي بين 21-22 فبراير 2023، برعاية سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك، وشاركت فيه سيدات فاعلات من مختلف أنحاء العالم.

هذه الورقة ستكون آخر مساهمة لي في صفحة "من زاوية أخرى"، التي رافقت همومنا وتطلعاتنا، لأن الموقع قرر إغلاق هذه الصفحة، من ضمن الاتجاه العام في التحول من الصحافة الورقية المكتوبة إلى الرقمية، ثم إلى – البصرية.

وسوف نفتقد بحسرة هذه المساحة الحرة التي ضمت نخبة من الاقلام العربية التي كتبت فيها بحرية تامة (مفتقدة في معظم الإعلام العربي، إذا لم يكن كله) ومن دون قيود أو رقابة من أي نوع، وحتى في نقد سياسات مرجعيات الحرة نفسها؛ شرط احترام الدقة والموضوعية والاستناد إلى مصادر موثوقة. والأسف على إغلاقها يعود لحاجتنا الماسة لهذه الأقلام الحرة في هذه اللحظات المصيرية التي تواجهها المجتمعات العربية.

لكن ما باليد حيلة، فالسياسات والحاجات، مهما كان مصدرها، لا تتماشى بالضرورة مع مصالح الشعوب. فوداعاً.