الصين تمارس موقف المراقب للأحداث الجارية ولم تنحز بشكل كامل لموسكو
الصين تمارس موقف المراقب للأحداث الجارية ولم تنحز بشكل كامل لموسكو

ليست مبالغة القول إن حرب الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، ضد أوكرانيا قد وضعت الكرة الأرضية على أكف عفاريت، وليس عفريتا واحدا، حيث تواجه البشرية لأول مرة بعد هجوم هيروشيما ونغازاكي احتمالا نوويا إذا أخطأ أحد الأطراف في حساباته، وهذا الخطأ بات ممكنا وفي أي لحظة بعدما كثر الحديث في الساعات الماضية حول سلامة المنشآت النووية الأوكرانية، وتخوف دول أوروبية من تسرب إشعاعي، عن قصد أو دون قصد، يغير ليس مجرى الأحداث في أوكرانيا بل من الممكن أن يعيد كتابة تاريخ البشرية من جديد.

تفرض تطورات الصراع والشكل الحاد الذي يأخذه فتح احتمالات غير تقليدية مع التفكير بتوسع الأزمة خارج القارة الأوروبية، والأخذ بعين الاعتبار التكهنات حول موقف الصين من تايوان مثلا، وهل هناك إمكانية لأن تقوم الصين بنفس الفعل الروسي تجاهها، وإعادتها بالقوة مستخدمة نفس المبررات التاريخية والذرائع الأمنية التي تروج لها النخبة العسكرية والسياسية الصينية. ومع أن الصين تمارس موقف المراقب للأحداث الجارية ولم تنحز بشكل كامل لموسكو ولم تعاد الغرب بالمطلق، وهذا ما يضاعف الحذر من نوايا الصين المبيتة، ويزيد مستوى القلق في هذه المنطقة، ومراقبة كيفية تطور الموقف الصيني الذي سيرتبط طبعا بالوقائع الميدانية لحرب أوكرانيا واحتمال الاحتكاك الخشن المباشر ما بين روسيا والناتو.

في قلب آسيا أيضا سقط صاروخ هندي عن طريق الخطأ في باكستان أثناء فحص روتيني لقواعد إطلاق الصورايخ، الطرفان سارعا إلى احتواء الموقف، ولكن من يضمن أن هذا الحدث لن يتكرر وأن ينعكس أيضا على حالة الآلة العسكرية الروسية حتى الاستراتيجية ويضاعف الشكوك في مدى صيانتها، ما يرفع احتمال تكرار هذا السيناريو في روسيا، وأن يسقط أحد الصواريخ العملاقة حتى لو كان يحمل رأسا تقليديا في أحد العواصم الغربية، فكيف سيكون رد الفعل، لذلك فإن الزمان والمكان اللذين حدث فيهما الخطأ الهندي، يدفعان الجميع إلى التفكير بإمكانية تكرار هذا الخطأ ولو من الجهة الباكستانية أيضا. فالقوتان النوويتان وتحالفاتهما قد تتحول من خيارات الحياد الصعب الذي تمارسه الهند في الأزمة الأوكرانية بين أميركا وروسيا، وأزمة الانضباط الصيني في موضوع تايوان وحماية حليفتها باكستان ودعمها في أي مواجهة بينها وبين الهند، إلى ما يفتح أبواب الجحيم بين أكبر كتلتين بشريتين، حيث تتداخل العوامل المركبة والمعقدة من الاقتصاد إلى السياسة مع الثقافة والاثنية، ما يعني نزاعا بلا حدود قد يحدث نتيجة خطأ جديد غير محسوب كما لم يكن في حساب الشاب الصربي الذي اغتال عاهل النمسا أن فعلته ستكون سببا لحرب عالمية.

أما في مفاوضات فيينا النووية مع إيران يمكن الاستعانة بالمثل الشعبي (اللقمة وصلت للتم) إذ إن طهران كانت قاب قوسين أو أدنى من أن توقع اتفاق نووي جديد فيه كثير من امتيازات الاتفاق السابق، وكانت تراهن على أن الأزمة الأوكرانية ستُعجل بإنهاء الخلافات بينها وبين الغرب والولايات المتحدة بسبب حاجتهم إلى مواد الطاقة الإيرانية، إلى أن تفاجأت طهران بين ليلة وضحاها بانقلاب الموقف الروسي رأسا على عقب، وتحول من مُسهل إلى مُعرقل، ليتسبب بفجوة كبيرة بين الحليفين (طهران وموسكو) وإلى تبادل حاد للاتهامات، وهذا ما ستستغله تل أبيب التي استثمرت الموقف الروسي لصالحها وحافظت أيضا على حيادها الصعب في أوكرانيا مراعاة لموسكو، وكأنها وجدت في الغزو الروسي مبررا أمنيا في احتمال شنها ضربة عسكرية على المنشآت النووية الإيرانية، خصوصا بعدما سُرب من أن زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي إلى موسكو نجحت في ضمان استمرار الضوء الاخضر الروسي لتل أبيب في استمرار ضرباتها الجوية ضد أهداف إيرانية في سوريا.

المضحك المبكي في الحرب الأوكرانية إذا قارناها بالحرب على ثورة الشعب السوري، فإن بعض الأطراف الغربية التي وضعت رأسها في الرمال عندما كانت طائرات بوتين تقصف المخابز والمستشفيات هي الآن ترفع صوتها عاليا وتهيئ اتهام بوتين وجيشه بارتكاب جرائم حرب. ومن ناحية بوتين الذي دمر سوريا وضرب ثورتها تحت ذريعة الإرهاب والجهاديين، فهو يعلن استعانته بالمرتزقة السوريين من جماعة النظام في قتاله، كما أن الدول الغربية التي حصرت فكرة الجهادية بطرف معين، قامت بفتح باب التطوع للحرب في أوكرانيا ضد الروس وهذا ما قد يأخذ المجتمعات الأوروبية إلى حرب مقدسة دينية وإثنية جديدة على غرار الحروب التي جرت في العقود الأخيرة في منطقة الشرق الأوسط.

والأكثر غرابة أن المتطوعين المسلمين بدروهم منقسمون بين طرفي النزاع، إذ إن الشيشان يحاربون مع الروس في أوكرانيا، وفي المقابل هناك متطوعون من فصائل شيشانية معارضة لقاديروف ومعهم مقاتلون تتار مسلمون من القرم يحاربون إلى جانب أوكرانيا، بمعنى آخر أن هناك حشودا شعبية متعددة تتشكل داخل القارة الأوروبية، ما يصلح القول فيه "الكوكب روكب" .

"قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة. أرشيفية - تعبيرية
"قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة. أرشيفية - تعبيرية

على مدى خمس سنوات وخمسة أشهر، وفر لي هذا الموقع "alhurra.com" مساحة أسبوعية حرة، أخاطب من على منصتها، جمهورا متنوعا، رفقة نخبة من كتاب ومفكرين وإعلاميين وازنين، ومن دون تلك القيود والضوابط التي أثقلت كاهل الكتاب والمحللين والمثقفين في العالم العربي...هنا، وربما هنا فقط، بمقدورك أن تسمي الأشياء بأسمائها، دولاً وحكومات، دون خشية من قوانين "تعكير صفو العلاقة"، ومن غير أن تحسب حساب لأثر ما تكتب على "المساعدات" التي تتلقاها بلادك من هذه الدولة أو تلك.

ولأنك تخاطب جمهورا متنوعا، لا يجمعهم جامع سوى "لسان الضاد"، فأنت تجد نفسك مكرها على القفز من فوق "زواريب" السياسة المحلية في بلدك، التي لا يعرفها ولا يُعنى بها، سوى أهلها، أو بعض أهلها في كثيرٍ من الأحيان، وهو أمر له ما له وعليه ما عليه، فهو من جهة يُنجيك من "طبقات الرقابة" المتراكبة في مجتمعاتنا من سفارات وهويات دينية واجتماعية، بيد أنه من جهة ثانية، ينحو بما تكتب صوب التجريد والتعميم، وبصورة قد تُخلّ بمقتضيات "التحليل" في بعض الأوقات.

على أنك وأنت تكتب لموقع يتخذ مقرا له على مبعدة عشرة آلاف كلم، تبقى ملاحقا بهاجس "الرقابات"، حكومية وغيرها، من حكومة بلدك وحكومات الجوار القريب والبعيد، سيما بعد أن تعاظمت وطأة تأثيرها لاعتبارات "الجيوبوليتك" و"العلاقات الخاصة والمميزة"...أنت لا تشعر أنك حرٌ تماما، حتى وأنت تكتب لموقع "الحرة".

ذات ظهيرة، اتصل بي الصديق ألبرتو فيرنانديز، ومعه بدأت حكاية المقال الأسبوعي، كنت عرفته عندما كان دبلوماسيا رفيعا في سفارة الولايات المتحدة لدى عمّان، وكان شغل موقع الملحق الثقافي، ولقد وجدنا يومها شيئا مشتركا، فهو قضى سنوات في دمشق، وأنا فعلت الشيء ذاته، وإن في مراحل مختلفة، وكانت لديه شبكة واسعة من العلاقات مع المثقفين السوريين، وكنت كذلك، وكان هذا الموضوع على الدوام، يحتل مساحة بارزة في نقاشاتنا، ولطالما رتبنا أنا وإياه لقاءات لشخصيات أميركية ثقافية وسياسية وازنة في مركز القدس للدراسات السياسية، صحبة نخبة محترمة من سياسيي الأردن ومثقفيه.

ألبرتو كان قد تسلم للتو مسؤولياته في المؤسسة التي تصدر عنها "قناة الحرة" و"راديو سوا" و"موقع الحرة الإخباري"، طلبني لكتابة مقال أسبوعي، متعهدا بأن يحترم ما أكتب، وأظنه كان على علم بتوجهاتي السياسية والفكرية، ولكنه أراد للموقع أن يصبح منصة للحوار والجدل والتعدد.

ذات مرة، أثير نقاش حول هوية كتاب الحرة، وأُخذ على الموقع أنه ينتقيهم من أبناء مدرسة سياسية وفكرية واحدة تقريبا، يومها "غرد" فيرنانديز نافيا "الاتهام"، مستشهدا بتواجد أسماء وكتاب من خارج هذه المدرسة، ولقد ذكرني من بين آخرين، بوصفنا شهودا أحياء على تهافت الاتهام...مع أنني أشاطر أصحاب "الاتهام" بصرف النظر عن نواياهم، بأن غالبية الزملاء وليس جميعهم بالطبع، ينتمون لمدرسة في الفكر والسياسة، معروفة توجهاتها وخلفياتها، وهي في مطلق الأحوال، مدرسة حاضرة بقوة في دولنا ومجتمعاتنا، اتفقنا معها أم اختلفنا.

حرص الرجل على استحداث انطلاقة في مسار ومسيرة القناة والراديو والموقع، المتعثرة نسبيا، ولقد استعان بنخبة من الإعلاميين المجربين، أذكر منهم الزميل نارت بوران، الذي شغل موقع مدير عام مؤسسة الإذاعة والتلفزيون في الأردن، وكان مؤسسا لعدد من الفضائيات في الإمارات، ولقد زاملته في عمان، حين كان مديرا للمؤسسة، وكنت أقدم برنامجا حواريا على شاشة التلفزيون الأردني بعنوان "قضايا وأحداث"، ولقد كان الرجل مهنيا بامتياز، وتعين على أن يجذّف في بحر متلاطم الأمواج وهو يدير مؤسسة تتجاذبها رياح التأثير من مختلف مراكز القوى وصنع القرار في البلاد، كان الله في عونه، وعون أسلافه وخلفائه.

خلال هذه الرحلة مع "الحرة" كتبت 280 مقالا أسبوعيا، بمعدل وسطي 1200 كلمة للمقال الواحد، أي ما يعادل "336000 كلمة"، لم يتعثر منها سوى مقالات ثلاثة، اثنان لاستبدال عبارة بأخرى أو شطب كلمة، وآخر لأنني كنت كتبته مبكرا، ولقد جرت أحداث كثيرة ما بين كتابته ونشره، فاستوجب استبداله بمقال آخر... بلغة الإحصاءات، أقل من 1 بالمئة من مقالاتي أثارت نقاشا مع المحرر، لكن الأهم، أن أحدا في فيرجينيا لم يكن ليخطر بباله استبدال كلمة بأخرى، أو شطب كلمة، دون استئذان وموافقة من الكاتب، حتى في تلك المرات النادرة التي أتيت على ذكرها، وتلكم بالنسبة لشخص سبق أن منعت له ثمانية مقالات في شهر واحد، تجربة مثيرة للاهتمام.

لست هنا في باب كيل المديح لموقع أغادره ما أن يرى هذا المقال النور، ولكنني أصدر عن تجربة شخصية في الكتابة وهوامش الحرية المتاحة للكاتب، لأضيف إلى ما سبق ذكره، أنني اعتنيت بمقالتي الأسبوعية على موقع الحرة، أكثر من غيره، لكل الأسباب التي أوردتها، ولسبب آخر إضافي، أن الكاتب يرغب في "توثيق" و"تسجيل" مواقفه من أهم الأحداث والتطورات والظواهر الكبرى التي تشغل باله، وما يحول بينه وبين فعل ذلك، إما غياب المنبر، في ساحة إعلامية – صحفية عربية مستقطبة إلى أبعد حد، أو للقيود الصارمة التي تصاحب الكتاب في صحف ومنابر محلية وعربية.

وكان من دواعي سروري واعتزازي دائما، أن الزملاء في "راديو سوا" لطالما استخدموا المقال الأسبوعي مادة/موضوعا لحلقة إذاعية، غالبا ما كنت ضيفها أو أحد ضيوفها، بالنسبة للكتّاب، كان ذلك بمثابة حافز إضافي، يدفعه للتفكير في اختياراته والاهتمام بجودة ما يكتب.

موقع الحرة، كما أبلغني الزميل بهاء الحجار، قرر إغلاق باب كامل من أبوابه تحت عنوان "من زاوية أخرى"، وفيه كانت تحتشد مقالات الرأي من لبنان والعراق والمغرب العربي والأردن وغيرها... أحزنني ذلك، لاسيما أن المقال لم يعد على ما يبدو جاذبا للقراء الذين يتجهون بكثرتهم، الشابة خصوصا، إلى "التك توك" و"الإنستغرام" والفيديوهات القصيرة، بحساب الربح والخسارة، من العبث الاستمرار في استثمار كهذا، في حين يمكنك أن تجتذب جمهورا أوسع، لو أنك وضعت مواردك في مكان آخر.

هي "قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة، ولقد سبقني الزميل على هذا الموقع، حسن منيمنة، لرثاء المقالة المكتوبة، قبل أيام، فلا حاجة بي لمزيد من "الرثائيات"، وعلينا أن نسلّم بحقيقة أن العالم يتغير، وأن فنونا وألوانا من العمل الإعلامي والصحفي قد شقت طريقها للانقراض. نقول ذلك، ونحن معشر المشتغلين بالصحافة والمقالة المكتوبة، يعتصرنا الألم والإحساس بـ"اللاجدوى".

هو فصل جديد، سبق أن انتهت إليه كبريات من الصحف والمجلات في العالم، والعالم العربي، وفي ظني أن "الحبل على الجرار"، فمن بقي من هذه الصحف واقفا على قدميه، إنما نجح في ذلك بأعجوبة، أو بتمويل سخي، طافح بالأجندات والاستهدافات السياسية، إلا من رحم ربي، واستطاع أن يجد لنفسه موطئ قدم في ميادين الإعلام الجديد وعوامل السوشال ميديا والمرئي والمسموع، وإلى لقاء على منصة أخرى، وتجربة مختلفة.