تختزل السياسة في ثقافتنا العربية باختصارها بعبارة "فن الممكن"، وفي طيات هذا الاختزال يتم التعامل مع السياسة باعتبارها وسيلة لتبرير المواقف، أكثر من كونها مفهوما للإدارة والحكم. لذلك بدلا من أن تكون السياسة فن تدبير البلاد وإدارة شؤون العباد، تحولت إلى فن تبرير الاستيلاء على السلطة، وممارستها القمعية، وتحالفات تشكيل الحكومات، والأخطر تبرير الولاءات الخارجية وشرعنتها.
نقرأ في الكتب والمدونات الأكاديمية أن السياسة تقترن بتحقيق المصالح العامة، لكننا فتحنا أعيننا في بلدان تطبق فيها السياسة باعتبارها مصلحة خاصة لمن يتولى الحكم والسلطة والنفوذ. وكان أساتذتنا في الجامعات يخبروننا بأن السياسة هي السبيل نحو بناء الدولة، وحماية سيادتها الوطنية، وحفظ أمن المجتمع، وتحقيق التنمية، وجميعها تعبير عن المصلحة العامة التي يجتمع عليها رأي الناس في المجتمع. كل تلك المفاهيم نسمعها في الخطابات السياسية، لكن لم تتجسد يوما في فعل سياسي يترجم إلى واقع ملموس في مجالات حياتنا العامة.
ومن أهم مبادئ السياسة أنها تكتسب شرعيتها من أدائها ووظائفها لتحقيق المصالح العامة، ولكننا نجد الكثير من ساستنا لا علاقة لهم بهذا المبدأ، وإنما يعتقدون أن شرعية سلوكهم السياسي تستمد من عملهم السياسي في أيام معارضة النظام السابق، أو من توليهم منصبا حكوميا باعتباره (تكليفا شرعيا)، أو من رمزيتهم العائلية، أو من عنوان ديني. ولذلك يجدون أنفسهم فوق المحاسبة والمسألة، وهي يعتقدون بأنهم يملكون الوصاية على المجتمع ويعبرون عن مصلحته!
يتخزل ساستنا الأشاوس فهمهم للسياسة -باعتبارها فن لتبرير أفعالهم المتناقضة- بشعاراتهم و"مبادئهم" التي يصدحون بها في اللقاءات التلفزيونية وتصريحاتهم الإعلامية وخطاباتهم في مواسم الانتخابات. لذلك تجدهم يتحولون من أقصى اليمين إلى أقصى الشمال، ويتناقضون في مواقفهم من الرفض والتخوين والاتهام بالعمالة للأجنبي وتنفيذ إراداتهم، إلى ممارسة نفس أفعال خصومهم الذين يتهمونهم بالخيانة!
حتى معيار تحقيق مصالحهم الخاصة، هو معيار غير متفق عليه في تقييم المواقف وتبريرها، فما هو حق وشرعي لهم، باطل وغير شرعي لخصوهم. إذ من الطبيعي أن تجدهم يتهمون خصومهم بالعمالة للأجنبي، كون هذا الأجنبي هم على اختلاف معه، وليس كونه أجنبيا يجب عدم الخضوع لإراداته وتنفيذ أجندته التي تتعارض مع المصلحة الوطنية! ويتهمون خصومهم بالإرهاب والتواطئ مع الجماعات الإرهابية، لكن حزمة الاتهامات تلك تطوى أوراقها وتكون في طي النسيان إذا تم الاتفاق سياسيا بين الزعامات المتخاصمة والمتناحرة. وعندما تسألهم عن هذا التحول من العداوة إلى التبني والتحالف، يكون الجواب جاهزا: إنها السياسة!
لا يوجد معيار يمكن اعتماده لمحاكمة الطبقة السياسية وزعمائها على مواقفهم، فتارة يتحدثون عن مبادئ عقائدية أو آيديولوجية، وتارة أخرى يتحدثون عن مبدأ المصلحة العامة. ولكنهم لا يتحرجون في أن تخالف أفعالهم ادعاءهم العقائدي أو مبدأ المصالح العامة التي هي في الحقيقة مصلحتهم الخاصة. ويستند خطاب التبرير السياسي لتقلبات مواقفهم إلى إجبار الواقع على الدخول في قوالب تجارب تاريخية وإسقاط معطياتها ونتائجها لتبرير الفعل أو المواقف السياسي.
وكثيرا ما تجد حوادث التاريخ جاهزة في التبرير السياسي، فعلى سبيل المثال صلح الحديبية، أو صلح الإمام الحسن بن علي بن أبي طالب تجده حاضرا في تبرير التصالح مع الخصوم. واستحضار موقف الإمام علي بن أبي طالب الرافض في المهادنة والمساواة مع معاوية بن أبي سفيان، ورفض الإمام الحسين بن علي مبايعه يزيد بن معاوية والخروج ثائرا ضد الانحراف في مسيرة الإسلام، يتم استحضارها بقوة في مواجهة الخصوم والأعداء!
ولا يفقه بعض ساسة العراق عن السياسة إلا ما عبر عنه مكيافيللي بمقولة: "الغاية تبرر الوسيلة". ويبدو أنهم لم يهتموا بنصائحه عن الضرر الذي يلحق بالدولة عندما ترهن إرادتها وحكمها لقوة خارجية أو دولة أخرى. واللوم الذي يوجهه إلى كل من يضع كامل ثقته في كتل كونكريتية ومنطقة خضراء يتحصنون بها، دون أن يعيروا اهتماما لما قد يعرضهم لكراهية الشعب.
وقد صدعوا رؤوسنا بالحديث عن مؤامرات وخطط تآمرية تقودها دول وشخصيات وأحزاب، لكنهم يتجاهلون ما كتبه مكيافيللي عن كيفية التعامل مع تلك المؤامرات بالحكم الرشيد وتوثيق العلاقة مع الشعب، إذ يقول: "أظهرت التجارب أن المؤامرات عبر التاريخ كانت كثيرة، لكن القليل منها فقط هي التي كللت بالنجاح؛ لأن المتآمر لا بد له من متعاونين يكونون عادة من الناقمين على الحكم ... إن المتآمرين يكونون مترعين بالخوف والذعر وخشية العقاب، بينما يكون الأمير معززا بعظمة الإمارة وقوة القوانين وحماية الأصدقاء وحصانة الدولة. وإذا أضفنا التأييد الشعبي إلى كل هذه العوامل، فإنه يصبح في عداد المستحيل أن يوجد من يمتلك الجرأة الكافية لخوض غمار أية مؤامرة".
لا غرابة أن تحرف السياسة عن معناها، ولا تقيم اعتبارا لأي مبدأ، وأن تختزل بتحقيق مصالح خاصة لزعامات وأحزاب سياسية، ولكن الغرابة أن يختزل فهمها من قبل زعماء وسياسيين وحتى من بعض النخب الثقافية بأنها يمكن أن تبرر النفاق والتقلبات السياسية والازدواجية بالمواقف! وهنا تتحول السياسة من تدبير شؤون المواطنين إلى تبرير الخداع والفساد والفشل بشعارات دينية وآيديولوجية. وتلك هي باختصار مأساتنا مع نخب سياسية باتت وظيفتهم الرئيسة تبرير تناقضات مواقف زعامتهم، التي تدور حيث ما دارت مصالحهم الخاصة وليس المصلحة العامة، وتبرر الولاء للأجنبي تحت عنوان الانتماء المذهبي.

