ما هي الجريمة التي اقترفتها أوكرانيا لِتُعَاقَب بكل هذا "الدمار الحاقد" من جارها القريب؟ هل السبب الحقيقي يكمن في محاولاتها الانضمام إلى معسكر الأعداء/ حلف الناتو؛ كما يُرَوِّج لذلك كثيرون، ويؤكدون أنه السبب الرئيس؟ هل السبب وجود بعض القوميات الروسية داخل أوكرانيا، تلك القوميات التي تُحاوِل الانفصال بدعوى الاضطهاد؟ هل السبب وجود نمط من التسليح يُمْكن أن يُهَدِّد روسيا؟ هل السبب أن الحكومة الأوكرانية المنتخبة كانت معادية لروسيا في سياساتها الداخلية والخارجية؟...إلخ. الأسئلة تَتبرّع بها روسيا، أو يَتبرّع بها حلفاؤها ومُؤيّدوها، أو حتى يَتبرّع بها المُحلِّلون السياسيون المُحْتَرفون.
في تقديري أن كل هذه الأسباب إما متوهمة وإما هي حقيقية، ولكنها فرعية/ هامشية. والسبب الرئيس من وراء ذلك كله ـ كما أتصور ـ هو "الازدهار الأوكراني" المتصاعد منذ بداية الألفية، وخاصة في السنوات الأخيرة. فهذا الازدهار المُتَغرِّب بدأ يَتَمَأسَس في نظام حُرّياتي ديمقراطي، وهو تحديدا ما استشعرت موسكو خطره الداهم، وليس تلك القضايا الأخرى، التي مهما كانت أهميتها، فهي لا يُمْكن أن تُمَثّل في النهاية تهديدا حقيقيا لقوة عسكرية عظمى تمتلك كل مقومات الردع العسكري على أي تهديد مُتوقّع.
كان خطرُ أوكرانيا على روسيا، ليس أن أوكرانيا قادرة على الإضرار المباشر بروسيا عسكريا أو اقتصاديا، وإنما كان خطرها أنها بدأت تنمو كدولة "حرّة مزدهرة"، واستمر نموها؛ إلى درجة تَحوّلها ـ في بضع سنوات ـ إلى نموذج إغراء للجيل الجديد في ورسيا، بل ولكثير من أبناء الطبقتين: المتوسطة والعليا، أولئك الذين لم يعودوا مَحْصورين اضطرارا في مستوى هموم تدبير المعاش اليومي. بل انتقل اهتمامهم ـ أو كان على وشك الانتقال ـ لما هو أبعد وأخطر، أي لما يتعلق بتفاصيل المسار السياسي، تنظيما/ تشريعا وممارسة، وما يتبع ذلك من متغيرات على مستوى تشكّل الوعي العام.
لقد تحقق في أوكرانيا كثير من صور الازدهار المادي الملموس. حدث هذا بالتضافر مع الازدهار الحُريّاتي، الحقوقي، الديمقراطي. وكل من زار أوكرانيا في السنوات الأخيرة رصد ظاهرة ملفتة، وهي تتمثل في نزوح كثير من الشباب الروسي، بل وكثير من رجال الأعمال، للعمل في أوكرانيا، ليس فقط لأنها الأفضل ماديا والأكثر غنى بالفُرَص، وإنما أيضا ـ وربما هو الأهم لديهم ـ لأنه الأغنى بالحريات، والأكثر ضمانة للحقوق على كل المستويات.
أوكرانيا ليست بلدا صغيرا في الجغرافيا، أو فقيرا من السكان، أو بعيدا عن حدود التواصل البشري/ السكاني مع روسيا، بحيث لا تصبح المقارنة ممكنة بينها وبين روسيا في تقديرات الشعب الروسي. أوكرانيا بلد كبير جدا، وغني بالسكان (حوالي 44 مليون)، وحدوده تمتد على مساحات شاسعة مع ورسيا، بل ومع أكثر المناطق الروسية كثافة سكانية. ما يعني أن ما يحدث في أوكرانيا يكون ـ وبحجم هذا التواصل الشعبي المُكَثّف ـ مرصودا على الجانب الآخر، وحاضرا في كل صور المقارنة. وستكون المقارنة أكثر حِدَّة وأشدّ ألما عندما يُقَارِن أبناءُ الدولة الأقوى والأكبر حالهم بأبناء الدولة الأضعف عسكريا والأصغر جغرافيا وسكانيا، وسيطرحون ـ حينئذٍ ـ السؤال الأخطر: لماذا تقدّمت/ ازدهرت أوكرانيا؟
وستزداد درجة خطورة السؤال عندما يَتَلمّس المتسائلون ـ وعبر عشرات الألوف من الشواهد/ المؤشرات ـ الإجابة في مسار التحوّل الأوكراني ناحية الغرب، أي في تغرّب أوكرانيا، وهو الجواب الذي سَيُجب على السؤال الآخر، على السؤال المضمر الأليم: لماذا لم تتقدم/ لم تزدهر روسيا؛ مع كونها تمتلك أكثر مما تمتلكه أوكرانيا من مقومات التقدم والازدهار؟
لهذا، لا يبدو النموذج الأوكراني بريئا تماما، من حيث تأثيراته اللاّمقصودة على النموذج الروسي. إنه نموذج باذخ الإغراء لكثير من المتعثرين في مسار التقدم/ الازدهار، وخاصة لأبناء الجار الروسي، وسيربط هؤلاء ـ ربطا سببيا، واعياً، وغير واعٍ ـ بين هذا (= التقدم المادي/ التنموي) وذاك (= التقدم الحرياتي ـ الديمقراطي)، أو ـ على الأقل ـ سيعون تضافرهما بوصفه شرطا لنجاعة النموذج، ولقدرته على الصمود والثبات في وجه المتغيرات وتقلبات الأحوال.
إذن، مشكلة/ جريمة أوكرانيا مع روسيا أن الأولى ازدهرت على المستويين: المستوى المادي والمستوى المعنوي/ الحرياتي؛ فيما كانت الثانية تسير ـ انحدارا ـ في الاتجاه المعاكس. كانت أوكرانيا تسير في خط ازدهار صاعد بالمعنى الإنساني الشامل، فيما كانت روسيا تسير في خط انحطاط بالمعنى الإنساني الشامل. وكان هذا يعني أن أوكرانيا كانت ـ ومن غير أن تقصد أصالة ـ تضرب روسيا السلطة/ روسيا الدولة بما هو أقوى من أسلحة الدمار الشامل، بمعنى أنها كانت ـ من غير أن تقصد أصالة ـ تُعَرِّي النموذجَ الروسي، وتجعل مصيره على المحك، بل كانت ستكتب فصل نهايته الأخير.
الرئيس الروسي وأعضاء حكومته المتنفذين كانوا سيصبحون مع اتساع إغراء النموذج الأوكراني في أوساط الشعب الروسي بين خيارين؛ لا ثالث لهما:
الخيار الأول: أن يحتذوه حقا، أي يُقلِّدوه على مستوى التشريع والتنظيم والممارسة. وهذا يعني أنهم جميعا سيصبحون خارج السلطة تماما، بل وربما مَحل مُسَاءلة، ومحاكمة، وتجريم في نهاية المطاف.
الخيار الثاني: أن يُعاندوه، ويُصِرّوا على التَّشبّث بنموذجهم الشمولي. وهذا لن يكفي مع تصاعد الاحتجاج والغضب والرفض؛ بقوة تأثير النموذج الأوكراني. وفي هذه الحال، سيجدون أنفسهم ـ لإحكام السيطرة ومنع التمرد الوشيك ـ مضطرين لاتخاذ إجراءات شمولية أقسى وأوسع نطاقا، مما سيزيد مستويات الغضب ويرفع درجة الاستعداد للتمرد. وسيستمر هذا التفاعل الجدلي حتى يجدوا أنفسهم في حالة عداء صريح مع أغلبية الشعب. وهذه بطبيعة الحال إحدى صور النهاية الأليمة، بل ربما هي الأشد نفيا من صفحات التاريخ القومي.
إن مشكلة أوكرانيا هي مشكلة روسيا بالأساس. أقصد: هي مشكلة الروس في عجزهم عن تحقيق شيء ذي قيمة في مسار التقدم. فمع أن محاولات الإصلاح في روسيا/ الاتحاد السوفياتي بدأت مع عام 1987م، ثم تطوّرت بِضعَ خطوات فيما بعد، إلا أن المسار الإصلاحي الحقيقي تعثّر واضح وفاضح، بل واتخذ الطريق المعاكس. ففي ظل النجاح الباهر للشيوعيين السابقين في فترة (1993ـ 1995)، زاد تسليط الضوء على أمجاد الماضي، بدلا من توثيق جرامه النكراء. "وبذلك أسدلت روسيا الستار على تركة ضخمة من الجرام في تاريخها، كما لو كانت عديمة الصلة بعملية بناء الديمقراطية". "ومع أفول ربيع الغلاسنوست الوجيز، اختارت روسيا نسيان جرائم الدولة السوفياتية". وهذا عكس ما حصل في بولندا وألمانيا الشرقية (معضلات العدالة الانتقالية، نويل كالهون، ص219و220).
هكذا يبدو أن ثمة ما هو أعمق وأشد رسوخا، وهو ما يجذب روسيا إلى مسارات تقف بها في النهاية على خطوط العجز والانكفاء والانغلاق، المنتهي بالشمولية الجمعانية المعادية بطبعها لكل صور التحرر الفرداني، وبالتالي، المعادية لكل صور الإبداع. "كان كثير من المحللين يعتقدون بأن فعالية التوتاليتارية السوفياتية تتقوى من خلال تقاليد الشعب الروسي التسلطية السابقة للبلشفية" (نهاية التاريخ، فوكوياما، ص54). وهذه التقاليد هي بالذات ما سمح بالتسامح مع جرائم الاتحاد السوفياتي، وهي، بهذا التسامح الناتج عنها وبأمثاله، صنعت الواقعَ الروسي اليوم، الواقع الفاشل الذي يتعثّر بقيوده، فيمتدح هذه القيود ويُنَمْذِجها، في الوقت الذي يُوَجِّه فيه شتائمه للآخرين، ويُحَمِّلهم أوزارَ بلادته وتَبلّده وفشله الذريع.
بل إن هذا الوعي الروسي لا يكتفي بتحميل الآخرين أوزارَ فشله؛ على سبيل التحيّز المعنوي فحسب، بل يَتبع ذلك بالعدوان المادي الصريح. إنه لا يبدأ خطواته في الطريق الصحيح من خلال معاينة حقيقة تخلّفه وتقدّم الآخرين، بل يعمد إلى تدمير نجاحات الآخرين، وخاصة الأقرب فالأقرب من هؤلاء الآخرين، كسبيل وحيد للتساوي معهم، وكسبيل وحيد لإثبات تفوقه في المجال الذي يُتْقنه بجدارة: إعاقة التقدم، أو حتى تدميره فيما لو تحقق فعلا.
إنني على يقين أن أوكرانيا لو بقيت دولة متخلفة، فقيرة، تسلّطية شمولية، بلا أنظمة حقوقية حقيقية، وبلا حريات مضمونة، وبلا ديمقراطية صادقة وراسخة؛ لما تعرّضت للعدوان الروسي، إذ هي في مثل هذه الحال لن تُمَثّل أي خطر، بل على العكس، كانت ستمثل تطبيعا للنموذج الروسي المُتَخلِّف وترسيخا له بوجود مَثَائِله على امتداد الفضاء الجغرافي المُجَاور، ستكون امتدادا للتخلف الروسي، لا نموذجا معاكسا متحديا؛ كما هو واقع النموذج الأوكراني.
لهذا، لن تُحَلَّ مشكلة أوكرانيا، ولا حتى مشاكل غيرها من دول الجوار الروسي؛ ما لم تُحَل مشكلة روسيا، أي مشكلة التخلف الروسي. لن تَكُفَّ روسيا عن تدمير ما حواليها؛ ما لم تأخذ روسيا طريقها إلى الازدهار. وهي لن تأخذ طريقها إلى الازدهار؛ ما لم يصل نقد الوعي الروسي إلى أبعد مداه، أي إلى عناصره الرئيسة المشتبكة مع نظام العلاقات السلطوية وتراتبيتها. وهذا يحتاج لوقت طويل وجهد أصيل. وحتى ذلك الوقت، وحتى يَحدث مُتَغيّر نوعي في الوعي الروسي؛ ستبقى روسيا خطرا على الجميع، وعلى جيرانها بوجه خاص.

