ظاهرة التحرش تتنامى في بعض المدارس
يمارس بعض المعلمين العنف بحق طلبتهم

في شهر مارس من كل عام، وبينما تحتفل العديد من الحكومات والمؤسسات التربوية في دول المنطقة بمناسبة "يوم المُعلم"، فإن ملفا ضخما وحساسا في هذا القطاع يتم غض النظر عنه وتجاوزه تماما، يتعلق بكمية العنف الجسدي والنظري واللفظي التي يستخدمها قطاع واسع من المُعلمين تجاه الملايين من طلبتهم. 

إذ ثمة سجل عارم "غير مُفكر به"، يتمركز حول آليات استغلال هؤلاء المعلمين لعدد من خصائص الحياة العامة، للاستمرار في أفعالهم تلك، دون أية خشية من المتابعة والمحاسبة والعِقاب. تمتد من طبائع الفضاء الاجتماعي، الذي يمنح المُعلمين قداسة ما، متأتية من التقدير العالي الذي يتحلى به التعليم نفسه. وتمتد لترسانة القوانين والأعراف التربوية، التي تمنح المعلمين حمائية شبه مُطلقة، مقابل هشاشة جدار الحماية الذي يحظى به الطلبة. ولا تنتهي بالطبيعة البنيوية للمؤسسة التربوية، كواحدة من أجهزة الحُكم الرديفة للنُظام السياسي، وأهم أدواتها في إخضاع المجتمعات. 

كما كُل القضايا الحساسة والجذرية الأخرى في منطقتنا، فإنه ليس من إحصاءات دقيقة تحدد نسبة الطلبة وكمية ونوعية العنف الذي يتعرضون له في المدارس، لكن المؤشرات الانطباعية المباشرة تُشير بوضوح إلى أن النسبة العُظمى من المُدرسين يُمارسون أنواع مُركبة من ذلك العنف، بشكل شبه يومي، وبحق القاعدة الأوسع من الطلب، وأن أعدادا قليلة من هؤلاء المُعلمين يتعرضون للمساءلة والمحاسبة على أفعالهم تلك. 

من هنا بالضبط تتولد أكبر أوجه المعضلة، فعنف المدرسين تجاه طلبتهم يكاد أن يكون أكثر فضاءات الشأن العام عتمة، بالرغم من فظاعة تأثيراته على الحياة العامة، من خلال ما يتركه من رضوض وآثار نفسية على شخصيات القواعد الاجتماعية الأوسع، وبشكل مستمر. إذ لا دراسات بحثية ذات قيمة ومضمون تابعت ذلك، ولا نصوص أدبية أو أعمال فنية راصدة ومتابعة له، والأهم لا كلام اجتماعيا أو ثقافيا أو معرفيا حوله، وطبعاً ليس من أي تناول سياسي أو إيديولوجي له، بالرغم من خطورته وجذرية تأثيره. 

لا يعني الأمر تعميما مُطلقا بأي شكل، إذ دون شك، ثمة معلمين ومدارس بدون عنف تجاه الطلبة. لكن وقوع العنف على النسبة الأكبر من الطلبة، واستمراره بشكل متواتر، وعدم خضوعه لآليات المراقبة والمحاسبة، إنما يحوله إلى ظاهرة حقيقية، تكاد أن تكون بنية.  

قبل عدة أعوام، كان كاتب هذه السطور قد أعد كتابا بعنوان "صفحات من دفتر قديم"، نشرته دار المتوسط الإيطالية، سرد وشرح من خلاله سبعة كُتابٍ وروائيين سوريين، من سبعة أجيال متتالية بشكل منظم، سردوا مذكراتهم المدرسية، بحيث كانت النتيجة المباشرة المستخلصة من تلك السرديات المتلاحقة، اكتشاف مدى الترابط الطردي الحتمي بين الأوضاع السياسية والقانونية والاجتماعية العامة في دولة مثل سوريا وبين "جودة العملية التعليمية والتربوية"، حيث أن كمية وشكل ممارسة العنف المدرسي من قِبل المُعلمين تجاه طلبتهم تقف على رأس سلم "جودة التعليم" ذاك، ومؤشراته. وكيف أن تلك الممارسات التي يُمكن تصنيفها تحت يافطة "الانتهاك العام"، تساهم بدورها بإنتاج خصائص وفضاءات عامة، تمتاز بهيمنة العنف وانتشار الذكورة وسيادة العسكرة وانتشار التطرف، لأنها تُجهز العالم النفسي للقواعد الاجتماعية الأوسع لأن تكون ملبية لتلك الشروط. 

لذلك، وبناء على دراسات أخرى، أغلبيتها أنتجت في خارج منطقتنا مع الأسف، يُمكن رسم مماثلة دائمة بين العالمين السياسي والتربوي في أية دولة كانت.

لا يمكن فعل ذلك لأن التعليم واحد من مؤسسات الدولة التي يصبغها النظام السياسي الحاكم ببصمته فحسب، بل أيضاً للسعي الحثيث من قِبل قطاع واسع من طبقة المُدرسين هؤلاء لاستخدام نفس الأدوات والآليات الحمائية التي تتستر وتمركز حولها نُخب الحُكم في تشييد سُلطتها وتغييب أفعالها، فالمعلمون في المحصلة مثل باقي أفراد المجتمع، متلهفون لمراكمة سُلطة ما، أيا كانت، وتحصينها بالأدوات اللازمة، التي يُمكن تصنيفها أساساً إلى ثلاثة:

من جهة أولى، ثمة لهاث من قِبل الفضاء التعليمي لمنح المُعلمين مكانة مُقدسة، متعالية ومتجاوزة لأية هوية تعاقدية وظيفية مدنية/علمانية. فالمُدرسون يستميتون في أخذ مكانة تجمع فوقية الأبوة مع سطوة الشخصية المشيخية. يرفع عنهم ذلك الموقع أية إمكانية للملاحظة والنقد، وتاليا لإمكانية المراقبة والضبط والمحاسبة. فالمُدرسون في الفضاء التعليمي، وفي وعيهم لذاتهم، ليسوا مُجرد موظفين عمومين، مُعينون حسب عقود قانونية تفترض بهم أداء خدمة عامة مقابل أجر، ضمن حقوق وواجبات محددة، بل مُعتبرون ككائنات خاصة للغاية، بالذات في علاقتهم مع طلبتهم. 

يطابق ذلك تماما الأنظمة الشمولية العنيفة، التي تستميت بدورها في استحصال أبوية متفوقة على أي دستور أو قانون مدني. فالحاكم في الممارسة الفعلية وفي وعيه لنفسه، ليس مُجرد موظف في الجهاز الحكومي، حسب تعاقد دستوري يُحدد سُلطته وحقوقه وواجبه، بل هو الإله الأرضي، الممثل لكل القيم المجيدة، من أبوة فوقية ومكانة مُقدسة ودور نبيل، متجاوز لأي قانون أو مراقبة ومحاسبة. 

من جهة أخرى، فإن عالم المُدرسين كان على طول الطريق مستفيدا من البنيان والسلطة الجهازية التي تتلحى بها المؤسسة التربوية، مقابل هشاشة فردانية الطالب. بالضبط أيضا، شيء يشبه النظام العام للحاكم الشمولي وأجهزته الأمنية والعسكرية، من حيث علاقتهم مع المواطنين الأفراد. 

فالمُدرسون غالبا ما يملكون تضامنا داخلياً فيما بينهم، لو مارس أحدهم أي شكل من العنف تجاه الطلاب. بينما لا يملك الطلبة ذلك النوع من الوعي والإرادة والآلية التضامنية، وهُم ممنوعون عنها حتى لو انزاحوا لذلك. فالمعلمون المُعنِفون جماعة منظمة متضامنة، بينما الطلبة المُعنَفون أفراد دون أية هيكلية ناظمة أو مؤازرة متبادلة. 

كذلك ثمة تواطؤ كبير من قِبل القانون الناظم للعمل التربوي مع نُخبة المُدرسين هؤلاء في ممارستهم العنف ضد الطلبة.

فكما هي علاقة الحكام الشموليين مع دساتير بلادهم، فإن القوانين التربوية وإن كانت تمنع ممارسة العنف من قِبل المُدرسين ضد الطلبة، فإنها لا تُسخر أية ديناميكية تنظيمية جدية للمراقبة والمحاسبة. يحدث ذلك بدلالة ندرة حالات المحاسبة والعقاب على مستوى بلداننا، بالرغم من فداحة ممارسة العنف اليومي المنظم في الفضاء التعليمي. 

لكن الميزة المؤسساتية لعنف المُعملين تجاه طلبتهم تتكثف في علاقة مؤسستهم التربوية مع غيرها من المؤسسات الحاكمة، المعاضدة لها بالضرورة، من أجهزة الأمن وأقسام الشرطة، مرورا بالقضاء والقوى السياسية والنقابية. فتقريبا لم تشهد أي من دول منطقتنا حملات أو محاكمات أو ادعاءات ذات سياق، تم فيها القِصاص للطلبة من معلميهم المعنِفين، قامت به مؤسسة عمومية ما ضد المؤسسة التربوية. 

أخيراً، فإن البيئة الاجتماعية هي الفضاء الأكثر مساهمة تشييد هذه الظاهرة القاتمة، من خلال خلقها وتبنيها لمزيج من هالة القداسة وموقع الاستثناء الذي يحظى به المعلمون في الوعي الاجتماعي. هذه القداسة التي تمنح المعلمين روح استسهال ممارسة العنف تجاه الطلبة، والإفلات الدائم من العقاب. 

فطبقة صغيرة جدا من المجتمع تتحلى بوعي مدني تعاقدي تجاه المؤسسة التربوية، تملك وحدها ديناميكيات وشجاعة الدفاع عن حقوق أطفالها في الفضاء التعليمي، بينما تغرق النسبة الأكبر من هذه البيئة في غمامة تقديس المدرسين وملامة أبنائهم، أياَ كانت فداحة الأفعال التي يمارسها المُعلمون تجاه هؤلاء الأطفال. 

عادة ما يكون هؤلاء الأهل دون وعي إدراكي مناسب للحقوق وأشكال الحماية التي يوفرها القانون لأبنائهم، ويأخذون أدوار المعلمين وسلوكياتهم بإيجابية فائضة، ويحملون أبناءهم وزر ما يتعرضون له تعنيف، ويعتبرون أن المحصلة النهائية لهذا العنف المدرسي قد تكون لصالح أبنائهم. وهي كلها قضايا أثبتت الدراسات الاجتماعية والنفسية والتربوية تهافتها وخطأها المُطلق.

على نفس المستوى، فإن الأهل بالعموم يستشعرون حرجا داخليا في رفض العنف الذي يمارسه المُعلمون تجاه أبنائهم، في وقت هُم أنفسهم يمارسون أنواعا من العنف تجاه أطفالهم في المنازل. فوق ذلك، لا يحملون وعيا فسيحا لإدراك الآثار المستقبلية لهذه العنف المدرسي على تكوين أبناءهم وشخصياتهم. 

في المحصلة، لو جمعنا العوامل الرئيسية الثلاثة في هذه الظاهرة، أي فوقية المكانة المقدسة مع الأدوار الحمائية التي توفرها المؤسساتية إلى جانب هشاشة قدرة الطلبة على حماية أنفسهم، فإنه لن يُنتج إلا الظلامة، وحيث في الظلام تُمارس كل الأفعال الشريرة، التي فوق شرها لا تُرى، وتاليا لا تُناقش وترُاقب، وبذا لا تُحاسب، بل تُنتج الآلام فحسب. 

معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية
معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية

السائد تقليدياً، التعامل مع الفقر كموضوع للإحسان من منظار ديني. لأن الدين يعتبر جزءا مهما من تكوين الهويات الجماعية، فهو يمنح قاعدة للتضامن الاجتماعي والحشد السياسي. لكن الفقر أصبح موضوعا سوسيولوجيا للدراسة في مطلع القرن الماضي. ويعتبر الفقر الآن أحد اشكال العنف التي يتعرض لها الانسان.

تاريخياً الفقراء هم البشر غير المرئيين، شخوص خرساء، إنهم الذين "لا صوت لهم" إلا كآثار عابرة تركوها عنهم من لا يعانون الفقر. التاريخ لم يعرف للفقراء حضورا أو صوتا. فالتاريخ لم يكن ينقل لنا سوى سِير وحكايات الملوك والأمراء والحكام وأبطال المعارك العسكرية، سواء في لهوهم او في عنفهم. لم يُذكر الفقراء إلا في معرض الشفقة وطلب الإحسان.

انتظر الفقراء بتواضع على عتبة التاريخ حتى مطالع القرن الماضي، قبل أن يتم التعرف عليهم، لكن بشروط.

لكن ما هو الفقر؟

في الفرنسية نسقط في الفقر كما في حفرة ونهوي في ظلمات العوز. في العربية أيضاً، فَقَرَ حفرة أي حفرها، فقُر الرجل: أي كسر فقار ظهره. فقر الخرز أي ثقبه. وفي الحالين نجد معنى السقوط والتدهور والانحلال وانكسار الظهر. وغالباً ما يكون الفقر مسؤولية صاحبه أو قدره. يصبح عندها كعاهة لا يمكن الاعتراض على وجودها!

وهذا ما يتوجب معالجته، إبطال فكرة الاستسلام أمام حالة الفقر. إنها مسؤولية الدولة وسياساتها والمجتمع والحروب والمجاعات والكوارث الطبيعية والأزمات الاقتصادية المنتجة الأساسية له.

حالة الفقر وضعية يخضع لها الفقير. تظل آنية أو تصبح دائمة. حالة ضعف وتبعية وتواضع، تتسم بالحرمان من الموارد وحرمان من المال والسلطة والنفوذ والعلم وشرف المحتد، أو من القوة الجسدية أو القدرات العقلية أوالحرية. وذلك بحسب الحقب والمجتمعات. الفقر مهين للكرامة الشخصية ويضم كل المستبعدين من المجتمع السوي.

تغيرت في القرن الحادي والعشرين معايير قياس الفقر عموماً، وبحسب تقرير التنمية البشرية لـ2019 حصل تقدم ملحوظ في الحد من أشكال الحرمان الشديد، فقد أفلت من براثن الجوع والمرض والفقر في أنحاء العالم عدد غير مسبوق من الناس الذين قفزوا فوق الحد الأدنى لمعيشة الكفاف.

لكن جائحة كوفيد، والحرب الدائرة في أوكرانيا، والعنف المستمر في العالم وفي العالم العربي، والزلزال في تركيا وسوريا مؤخراً، تسببت بإفقار الكثير من الدول العربية ومن دول العالم النامي.

منذ ما قبل هذه الأزمة كان عدم المساواة مستشرياً. فرغم التقارب النسبي في الإمكانات الأساسية لدى الكثير من الدول، أي غذاء وتعليم وصحة، لدينا تفاوت كبير علىى صعيد الإمكانات المعززة والنوعية التي تطال الحصول على الخدمات الصحية الجيدة أو خدمات التعليم الجيدة والحصول على التكنولوجيات، مما يوفر المناعة تجاه الصدمات الجديدة غير المعروفة.

في العالم العربي لا يزال الفقر المدقع من أعلى المستويات. انظر: "الفقر في العالم العربي.. أرقام صادمة"، الحرة 16 ديسمبر 2018.

تميز القرن العشرين بالنصوص العالمية المتعلقة بحماية حقوق الإنسان. من بينها الحق بتكوين أسرة والحق بحماية الحياة الأسرية. لكن هذا التطور لم يعبر عن نفسه على مستوى الواقع بشكل أتوماتيكي. ظلت الأسر الفقيرة منبوذة على هامش المجتمع ومعتبرة غير مؤهلة. لكن تطور النظرة إلى الحقوق الأساسية للإنسان أدّى الى ولادة اليوم العالمي للقضاء على الفقر في 17 أكتوبر 1987.

وقد أعلنوا أن الفقر يُشكل انتهاكا لحقوق الإنسان وأكدوا الحاجة إلى التضامن بغية كفالة احترام تلك الحقوق. 

لا يمكن الحديث عن الكرامة الانسانية في ظل الحروب والعنف العسكري والاجتماعي. 

الحديث عن كرامة في غياب المساواة ضرب من الخيال. والثقافة التقليدية تساهم في جعل اللامساواة مبررة ومقبولة واعتبارها أقرب إلى الصفات الوراثية.

ومع أن هناك إجماع على الاعتراف بحقوق المرأة، وبالمساواة بينها وبين الرجل، في أكثرية دساتير البلدان العربية. غير أن مجرد وجود ضمانات دستورية تكفل حق المرأة ولا يتجسد بالضرورة واقعا تحقق فيه المرأة كامل حقوقها المدنية والقانونية والسياسية.

تتسم أوضاع النساء العربيات عموماً بالهشاشة، خصوصاً في البلدان التي تعاني من سوء التنمية او الحروب؛ مما يزيد عدد الأرامل، وبالتالي الأسر التي تديرها المرأة بمفردها. وهذا أحد أهم مسببات الفقر المستدام، لأنهن عندما يدخلن دائرة الفقر فهن معرضات للبقاء فيها. 

من هنا بروز مفهوم تأنيث الفقر، وتصفه اليونيفيم (UNIFEM)  بأنه "عبء الفقر الذي تتحمله المرأة، خاصة في الدول النامية"، فتعاني من مستوى معيشي منخفض لا يكفي لتغطية الاحتياجات المادية والمعنوية مما يؤثر سلبا على الاحترام الذاتي للفرد أو للمجموعة.

 وهو ليس نتيجة لضعف الدخل فقط، بل أيضا نتيجة للحرمان من الإمكانيات والتحيزات الجنسانية الموجودة في كل من المجتمعات والحكومات. وهذا يشمل فقر الخيارات والفرص، مثل التمكن من عيش حياة طويلة وصحية وخلاقة، والتمتع بالحقوق الأساسية وبالحرية والاحترام والكرامة.

ويرتبط هذا المفهوم بمستوى المعيشة العام داخل المجتمع، كما يرتبط بكيفية توزيع الثروة ومكانة الفرد في مجتمعه، وبتوقعاته الاجتماعية والاقتصادية.

ونتائج الفجوات بين الجنسين في التوظيف، وأنشطة الأعمال، والحصول على التمويل، لا تكبل الأفراد فقط بل الاقتصاد برمته. ما يؤخر نمو وتقدم المجتمع. 

لذا هناك اهتمام كبير الآن بتعزيز روح التضامن العالمي، بالتركيز على حاجات الفئات الأضعف والأشد فقرا. كما  يجب الاعتراف وتشجيع الدور الذي يضطلع به القطاع الخاص المتنوع، ابتداء من المؤسسات المتناهية الصغر ومرورا بالتعاونيات وانتهاء بالشركات الكبرى؛ إضافة الى الدور الذي تضطلع به منظمات المجتمع المدني والمنظمات الخيرية في تنفيذ الأعمال المطلوبة.

للعمل الخيري القدرة على رفع آثار الأضرار المترتبة عن الأزمات الإنسانية، كما أن له القدرة على دعم الخدمات العامة في مجالات الرعاية الطبية والتعليم والإسكان وحماية الأطفال. والعمل الخيري فاعل جدا في تحسين الثقافة والعلوم والرياضة وحماية الموروثات الثقافية، فضلا عن تعزيزه لحقوق المهمشين والمحرومين ونشر الرسالة الإنسانية في حالات الصراع.

من المعلوم أن المجتمع المدني أقوى من الدولة في التجربة اللبنانية، فلقد اضطلع دائما بالجوانب التي تقصر بها الدولة، وبرز دوره خصوصاً في السنوات الأخيرة. فمنذ جريمة انفجار المرفأ في 4 آب عام 2020، تكفل المجتمع المدني والجمعيات الخيرية الاضطلاع بمسؤولية كافة المهام التي خلفها الانفجار، وقام مقام الدولة في ظل غيابها التام. فمن إسعاف المرضى إلى رفع الأنقاض والترميم إلى تدبير مساكن ومساعدات عينية لمن فقدوا منازلهم وهم بالآلاف. كل ذلك تكفلت به الجمعيات الخيرية والجمعيات المدنية. 

لكن، إذا كان العمل الخيري ضروري ويقوم بخدمات جليلة للمجتمع وللأفراد، ينبغي الحذر من أن يخلق مشكلة الاتكالية عند تلقي المساعدات بشكل دائم. فيتحول الفرد إلى كسول مفتقد لروح العمل يعتاش على الصدقات ومشاريع الإغاثة، فيتجذر الفقر. ونكون بهذا نتسبب بالضرر للمجتمع عندما نحول أفراده الضعفاء إلى معتاشين دائمين.

من هنا أهمية وضع برامج تهتم، إلى جانب المساعدة، بتوعية المستفيدين مع التدريب على برامج تنموية وإكساب معارف وتقنيات تساهم في تمكينهم  كي يستقلوا ويصبح باستطاعتهم تلبية حاجاتهم وحاجات أسرهم.

مشكلتنا ليست في الفقر فقط، فهو يوجد في أغنى الدول وأكثرها ترفا، ولكن في عدم قدرتنا على اجتثاث مسبباته والأخذ بيد الفقراء حتى يعتمدوا على أنفسهم، بل أيضاً في تفعيل عمل المؤسسات الرسمية والوزارات والقدرة على مواجهة الأزمات وتحويلها إلى فرص.

**ألقيت هذه الكلمة في جلسة افتتاح "القمة العالمية للمرأة"، التي أقيمت في أبوظبي بين 21-22 فبراير 2023، برعاية سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك، وشاركت فيه سيدات فاعلات من مختلف أنحاء العالم.

هذه الورقة ستكون آخر مساهمة لي في صفحة "من زاوية أخرى"، التي رافقت همومنا وتطلعاتنا، لأن الموقع قرر إغلاق هذه الصفحة، من ضمن الاتجاه العام في التحول من الصحافة الورقية المكتوبة إلى الرقمية، ثم إلى – البصرية.

وسوف نفتقد بحسرة هذه المساحة الحرة التي ضمت نخبة من الاقلام العربية التي كتبت فيها بحرية تامة (مفتقدة في معظم الإعلام العربي، إذا لم يكن كله) ومن دون قيود أو رقابة من أي نوع، وحتى في نقد سياسات مرجعيات الحرة نفسها؛ شرط احترام الدقة والموضوعية والاستناد إلى مصادر موثوقة. والأسف على إغلاقها يعود لحاجتنا الماسة لهذه الأقلام الحرة في هذه اللحظات المصيرية التي تواجهها المجتمعات العربية.

لكن ما باليد حيلة، فالسياسات والحاجات، مهما كان مصدرها، لا تتماشى بالضرورة مع مصالح الشعوب. فوداعاً.