ترامب وصف بوتين بالعبقري بعد غزوه أوكرانيا
ترامب وصف بوتين بالعبقري بعد غزوه أوكرانيا

أحد أهم الاسئلة المحيّرة التي طرحت عقب الغزو الروسي لأوكرانيا   في واشنطن وربما في العواصم الأخرى المعنية مباشرة بالغزو هو: لماذا لم يقدم الرئيس بوتين على غزوه الخطير خلال ولاية الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب الذي كان يعرب في كل مناسبة عن إعجابه الكبير بالرئيس الروسي وأسلوبه القيادي، وهو إعجاب حافظ عليه حتى بعد الغزو حين وصف قرار بوتين "بالعبقري"؟ طبعا، هناك تفسيرات وأجوبة مختلفة على هذا السؤال، ولكن الجواب الذي ينسجم مع طبيعة العلاقة التي كانت سائدة بين ترامب وبوتين هو أن الرئيس الروسي الذي كان يتوقع فوز ترامب في ولاية ثانية في 2020 كان يريد أن يكمّل ترامب مهمته التي بدأها في ولايته الأولى، أي تقويض العلاقة الاطلسية العسكرية بين الولايات المتحدة وحلفائها في حلف شمال الأطلسي (الناتو).  

وهذا ما فعله ترامب في ولايته الأولى عندما كان يتساءل علنا عن جدوى الحلف، وعندما أبدى تردده في أكثر من مناسبة في تأكيد التزام الولايات المتحدة بالبند الخامس من ميثاق الحلف والقائل بأن أي هجوم ضد أي عضو في الحلف هو بمثابة هجوم ضد جميع أعضاء الحلف، وهو البند الذي نفذه الحلف مرة واحدة في تاريخه حين اعتبر هجمات سبتمبر الارهابية ضد الولايات المتحدة هجوما ضد جميع اعضاء الناتو، ما ادى الى مشاركة بعض دول الحلف في حرب افغانستان. ترامب هدد أكثر من مرة بالانسحاب من الحلف، متذرعا بحجج عديدة من بينها أن دول الحلف الغنية وخاصة ألمانيا باقية على ترددها في إنفاق 2 بالمئة من ناتج دخلها القومي على الميزانية الدفاعية.  

ترامب لم يستطع الانسحاب من الحلف في ولايته الأولى لأكثر من سبب من بينها معارضة بعض أقطاب الحزب الجمهوري في الكونغرس، والرفض القوي لمثل هذه الخطوة المتهورة من قبل المؤسسة العسكرية. ولكن سلوكه أظهر بشكل لا لبس فيه انه حاول تفريغ الناتو من محتواه وإضعافه بما ينسجم مع رغبة وسياسية الرئيس بوتين الذي عارض بقوة توسع الناتو شرقا باتجاه الحدود الروسية بعد تهافت دول حلف وارسو السابق بعد انهيار الاتحاد السوفياتي على الانضمام الى الحلف، ومن بينها بولندا وهنغاريا ودول بحر البلطيق: لاتفيا، وأستونيا وليثوانيا. ومن أبرز الحجج التي استخدمها بوتين لتبرير عدوانيته تجاه أوكرانيا هو ادعائه أن الغرب يريد انضمام أوكرانيا الى الناتو وهو ما يعتبره تهديدا مباشرا للامن القومي الروسي. 

لا أحد يعلم بأي يقين كيف ستتطور الحرب في أوكرانيا، ولكن هناك بعض الحقائق الأولية التي لا يمكن نكرانها والتي يمكن القول انها ستبقى معنا على الاقل في المستقبل المنظور. أول هذه الحقائق هو الاداء العسكري الرديء والمفاجيء للقوات الروسية التي لم تفلح بعد ثلاثة اسابيع من غزو أوكرانيا من احتلال مدينة رئيسية، والتي تكبدت على أيدي الدفاعات الاوكرانية خسائر كبيرة في الرجال والعتاد. الاخفاق الروسي هو عسكري ولوجستي واستخباراتي. الاستخبارات الروسية فشلت في قراءة ما سيحدث في دولة جارة لها تربطها بها علاقات تاريخية وثقافية واجتماعية متشعبة. الجيش الاوكراني لم ينهار كما توقع بوتين، ولا الرئيس فلودومير زيلينسكي هرب من كييف، ولا المانيا خرجت على اجماع الناتو لا بل وافقت كليا على فرض العقوبات القاسية، كما لم تبرز أي خلافات جوهرية بين واشنطن وحلفائها الاوروبيين، كما أن العقوبات التي هدد بها الرئيس بايدن قبل الغزو، كانت بالفعل شاملة ومؤلمة وغير مسبوقة، وهي تطورات لم يتوقعها بوتين او اجهزته الاستخباراتية. هذا الاخفاق العسكري الروسي برز بشكل صارخ يوم الاحد حين قال مسؤولون أميركيون في تصريحات خلفية ان روسيا طلبت مساعدات عسكرية من الصين، بما في ذلك طائرات مسيّرة. 

الظاهرة اللافتة التي فاجأت بوتين، كما فاجأت الكثيرين في الغرب، فهي رد الفعل القوي للدول الديموقراطية الليبرالية في العالم: من شمال اميركا، الى اوروبا الغربية ودول حلف الناتو الجديدة، الى الديموقراطيات في شرق آسيا والمحيط الهاديء، مثل اليابان وكوريا الجنوبية واستراليا ونيوزيلاند. كل هذه الانظمة الليبرالية وقفت في جبهة متحدة نظمتها وقادتها الولايات المتحدة خلال الاشهر التي سبقت الغزو، وحافظت عليها خلال الأسابيع الأولى التي عقبت الغزو. 

هذا الصمود الدولي للأنظمة الديموقراطية الليبرالية لم يكن ممكنا لو جدد الأميركيون انتخاب دونالد ترامب لولاية ثانية. ترامب كان سيقول ان مستقبل اوكرانيا يجب ان لا يفرض على اميركا خيارات صعبة او مكلفة اقتصاديا أو عسكريا، أو أن بوتين محق في الدفاع عن "حديقته الخلفية" التي يهددها الناتو. ترامب كان سيتخلى عن قيادة واشنطن لحلف الناتو، وكان سيترك الأوروبيين لوحدهم في الساحة، وهذا بدوره كان سيدفع بألمانيا لاعتماد سياسة ضعيفة تجاه روسيا.  

في السنوات الماضية كان هناك نوع من الإجماع في أوساط المؤرخين والأكاديميين والمحللين المعنيين بالتاريخ الحديث للغرب عموما، وبالتحديد لأوروبا والولايات المتحدة منذ هجمات سبتمبر الإرهابية، وهو أن الإنظمة الليبرالية الديموقراطية في العالم هي في حالة تقهقر، وأن القيم والمؤسسات الديموقراطية تعاني من إرهاق داخلي كما أظهرت تجارب الولايات المتحدة في أفغانستان والعراق، والتحديات التي فرضها إرهاب تنظيمي "القاعدة" و "الدولة الاسلامية" (داعش) على الدول الإوروبية التي كانت الحياة السياسية والاقتصادية في بعض عواصمها ومدنها الرئيسية تتعطل لايام بسبب الهجمات الارهابية. في هذه الكتابات بدت الديموقراطيات الليبرالية في تراجع من أميركا اللاتينية الى الولايات المتحدة، والى أوروبا. هذا ما كتبه مؤرخون وباحثون معروفون مثل Timothy D. Snyder، و Anne Applebaum  و  Moisés Naím  وغيرهم. 

 هذه الدول التي واجهت موجات من الهجرة واللاجئين الهاربين من النزاعات الدموية التي عصفت بدول عديدة في شرق وجنوب القارة الأوروبية، تعرضت إلى استقطابات اجتماعية وثقافية ودينية غير مسبوقة ساهمت في خلق قوى شوفينية وشعبوية تجلت في عداء سافر للمهاجرين واللاجئين، ونبذ واضح للقيم الديموقراطية الليبرالية في دول اوروبية مثل هنغاريا وبولندا. الرئيس بوتين، استغل هذه الظاهرة ووفّر لها الدعم السياسي والمالي، كما يتبين من تمويل روسيا للأحزاب اليمينية والعنصرية المتطرفة في دول مثل فرنسا وايطاليا خلال انتخاباتها التشريعية. هذه الردة اليمينية العالمية حققت انتصارا باهرا، عندما وصلت هذه الظاهرة الى الولايات المتحدة، وأوصلت دونالد ترامب الى البيت الابيض في انتخابات 2016 بعد تدخل روسي سافر فيها.  

كل هذا لنقول أنه لو لم تستعيد الولايات المتحدة بعضا من عافيتها السياسية حين رفضت التجديد لدونالد ترامب، لكانت الظلمة قد خيمت على العالم في الظهيرة، كما حدث لأكثر من مرة خلال القرن الماضي.  

ما يحدث في أوكرانيا يؤكد من جديدة مركزية الولايات المتحدة، بنظامها الليبرالي (الذي تعرض الى نكسة اسمها ظاهرة ترامب الاوتوقراطية، والتي نأمل ان تكون عابرة)، لصيانة مكتسبات الأنظمة الديموقراطية التي خرجت من جحيم الحرب العالمية الثانية بعد ان هزمت الديموقراطيات الغربية، بقيادة الولايات المتحدة النازية والفاشية في الحرب العالمية الثانية، والشمولية الشيوعية والطغيان السوفياتي في الحرب الباردة.  

النجاح الذي حققته إدارة الرئيس بايدن في تعبئة القارة الاوروبية التي بدت في السنوات الماضية مفككة وضعيفة وحتى ضائعة في الصحراء السياسية هو نجاح تاريخي، وخاصة اذا حافظت عليه هذه الدول التي اكتشفت من جديد ان لديها قدرات كبيرة وان ما كان ينقصها في السابق هو الارادة السياسية لان تلعب دورا كبيرا في العالم في صد الانظمة الاوتوقراطية الصاعدة في العالم اذا بقيت على تحالفها مع الولايات المتحدة. اداء ادارة بايدن الجيد، خفف من وطأة النكسة الاخلاقية التي تعرضت لها الولايات المتحدة وقيمها الديموقراطية حين خاضت حربا غير ضرورية عندما غزت العراق في 2003، وان كان هذا الاداء الجيد لن يمحو هذا الاخفاق التاريخي للولايات المتحدة. 

الرئيس بايدن يتحدث دائما عن ان خطوط التماس السياسية في العالم اليوم هي بين الدول الديموقراطية والدول الاوتوقراطية. الغزو الروسي لأوكرانيا، حوّل هذه الدولة الهامة في وسط أوروبا، بديموقراطيتها الضعيفة نسبيا، إلى الجبهة المركزية في العالم للدفاع عن سيادة الدول وحقها في تقرير مصيرها والسير على طريق الديموقراطية الشاق والطويل. الاوكرانيون يدافعون اليوم عن حقوقهم هذه، وهم بذلك يدافعون عن كل إحرار العالم، وعن كل الذين يتوقون إلى العيش في ظل نظام ديموقراطي وليبرالي يصون حقوقهم الاساسية. 

الغزو الروسي لأوكرانيا، أظهر بالفعل وجود مراكز أوتوقراطية هامة في العالم من إبرزها بالطبع  الصين إضافة إلى روسيا، ولكن الغزو أبرز أيضا وجود تضامن أو قبول فعلي للغزو تحت شعارات "الحياد" و " النأي بالنفس" و "عدم الانحياز" في أي مواجهة بين واشنطن وموسكو. هذه الحجج تؤدي في النهاية الى التعايش مع غزو وحشي وتدمير لمدن أوروبية عريقة مثل كييف وأوديسا كما رأينا قبل اكثر من 25 سنة حين تعرضت سراييفو إلى عدوان دموي دمّر حاضرها وماضيها الحضاري، وكما تم تدمير عواصم ومدن أوروبية خلقت على مدى قرون الحضارة الغربية، خلال الحرب العالمية الثانية.

بعض هذه الدول التي وقفت على "الحياد" السلبي شملت دول مشت طويلا على طريق الديموقراطية ولكنها تعثرت بالشعبوية والشوفينية، كما هو حال الهند، والبرازيل والأرجنتين والتي وجدت نفسها تقف مع دول لها تاريخ عريق في التسلط والأوتوقراطية الدموية مثل باكستان والسعودية وسوريا، التي ابقت صلاتها وعلاقاتها الودية مع فلاديمير بوتين في عزلته الهائلة في موسكو وهو يراقب النيران التي أشعلها وهي تلتهم جحافله في أوكرانيا، وتلتهم معها اقتصاده وسمعة ومكانة روسيا التي سيكون انتصارها ممنوعا في أوكرانيا، حتى ولو احتلت العاصمة كييف، لأن انتصارها سيكون مكلفا للغاية وسوف يرهقها ويشلها لزمن طويل.  

معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية
معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية

السائد تقليدياً، التعامل مع الفقر كموضوع للإحسان من منظار ديني. لأن الدين يعتبر جزءا مهما من تكوين الهويات الجماعية، فهو يمنح قاعدة للتضامن الاجتماعي والحشد السياسي. لكن الفقر أصبح موضوعا سوسيولوجيا للدراسة في مطلع القرن الماضي. ويعتبر الفقر الآن أحد اشكال العنف التي يتعرض لها الانسان.

تاريخياً الفقراء هم البشر غير المرئيين، شخوص خرساء، إنهم الذين "لا صوت لهم" إلا كآثار عابرة تركوها عنهم من لا يعانون الفقر. التاريخ لم يعرف للفقراء حضورا أو صوتا. فالتاريخ لم يكن ينقل لنا سوى سِير وحكايات الملوك والأمراء والحكام وأبطال المعارك العسكرية، سواء في لهوهم او في عنفهم. لم يُذكر الفقراء إلا في معرض الشفقة وطلب الإحسان.

انتظر الفقراء بتواضع على عتبة التاريخ حتى مطالع القرن الماضي، قبل أن يتم التعرف عليهم، لكن بشروط.

لكن ما هو الفقر؟

في الفرنسية نسقط في الفقر كما في حفرة ونهوي في ظلمات العوز. في العربية أيضاً، فَقَرَ حفرة أي حفرها، فقُر الرجل: أي كسر فقار ظهره. فقر الخرز أي ثقبه. وفي الحالين نجد معنى السقوط والتدهور والانحلال وانكسار الظهر. وغالباً ما يكون الفقر مسؤولية صاحبه أو قدره. يصبح عندها كعاهة لا يمكن الاعتراض على وجودها!

وهذا ما يتوجب معالجته، إبطال فكرة الاستسلام أمام حالة الفقر. إنها مسؤولية الدولة وسياساتها والمجتمع والحروب والمجاعات والكوارث الطبيعية والأزمات الاقتصادية المنتجة الأساسية له.

حالة الفقر وضعية يخضع لها الفقير. تظل آنية أو تصبح دائمة. حالة ضعف وتبعية وتواضع، تتسم بالحرمان من الموارد وحرمان من المال والسلطة والنفوذ والعلم وشرف المحتد، أو من القوة الجسدية أو القدرات العقلية أوالحرية. وذلك بحسب الحقب والمجتمعات. الفقر مهين للكرامة الشخصية ويضم كل المستبعدين من المجتمع السوي.

تغيرت في القرن الحادي والعشرين معايير قياس الفقر عموماً، وبحسب تقرير التنمية البشرية لـ2019 حصل تقدم ملحوظ في الحد من أشكال الحرمان الشديد، فقد أفلت من براثن الجوع والمرض والفقر في أنحاء العالم عدد غير مسبوق من الناس الذين قفزوا فوق الحد الأدنى لمعيشة الكفاف.

لكن جائحة كوفيد، والحرب الدائرة في أوكرانيا، والعنف المستمر في العالم وفي العالم العربي، والزلزال في تركيا وسوريا مؤخراً، تسببت بإفقار الكثير من الدول العربية ومن دول العالم النامي.

منذ ما قبل هذه الأزمة كان عدم المساواة مستشرياً. فرغم التقارب النسبي في الإمكانات الأساسية لدى الكثير من الدول، أي غذاء وتعليم وصحة، لدينا تفاوت كبير علىى صعيد الإمكانات المعززة والنوعية التي تطال الحصول على الخدمات الصحية الجيدة أو خدمات التعليم الجيدة والحصول على التكنولوجيات، مما يوفر المناعة تجاه الصدمات الجديدة غير المعروفة.

في العالم العربي لا يزال الفقر المدقع من أعلى المستويات. انظر: "الفقر في العالم العربي.. أرقام صادمة"، الحرة 16 ديسمبر 2018.

تميز القرن العشرين بالنصوص العالمية المتعلقة بحماية حقوق الإنسان. من بينها الحق بتكوين أسرة والحق بحماية الحياة الأسرية. لكن هذا التطور لم يعبر عن نفسه على مستوى الواقع بشكل أتوماتيكي. ظلت الأسر الفقيرة منبوذة على هامش المجتمع ومعتبرة غير مؤهلة. لكن تطور النظرة إلى الحقوق الأساسية للإنسان أدّى الى ولادة اليوم العالمي للقضاء على الفقر في 17 أكتوبر 1987.

وقد أعلنوا أن الفقر يُشكل انتهاكا لحقوق الإنسان وأكدوا الحاجة إلى التضامن بغية كفالة احترام تلك الحقوق. 

لا يمكن الحديث عن الكرامة الانسانية في ظل الحروب والعنف العسكري والاجتماعي. 

الحديث عن كرامة في غياب المساواة ضرب من الخيال. والثقافة التقليدية تساهم في جعل اللامساواة مبررة ومقبولة واعتبارها أقرب إلى الصفات الوراثية.

ومع أن هناك إجماع على الاعتراف بحقوق المرأة، وبالمساواة بينها وبين الرجل، في أكثرية دساتير البلدان العربية. غير أن مجرد وجود ضمانات دستورية تكفل حق المرأة ولا يتجسد بالضرورة واقعا تحقق فيه المرأة كامل حقوقها المدنية والقانونية والسياسية.

تتسم أوضاع النساء العربيات عموماً بالهشاشة، خصوصاً في البلدان التي تعاني من سوء التنمية او الحروب؛ مما يزيد عدد الأرامل، وبالتالي الأسر التي تديرها المرأة بمفردها. وهذا أحد أهم مسببات الفقر المستدام، لأنهن عندما يدخلن دائرة الفقر فهن معرضات للبقاء فيها. 

من هنا بروز مفهوم تأنيث الفقر، وتصفه اليونيفيم (UNIFEM)  بأنه "عبء الفقر الذي تتحمله المرأة، خاصة في الدول النامية"، فتعاني من مستوى معيشي منخفض لا يكفي لتغطية الاحتياجات المادية والمعنوية مما يؤثر سلبا على الاحترام الذاتي للفرد أو للمجموعة.

 وهو ليس نتيجة لضعف الدخل فقط، بل أيضا نتيجة للحرمان من الإمكانيات والتحيزات الجنسانية الموجودة في كل من المجتمعات والحكومات. وهذا يشمل فقر الخيارات والفرص، مثل التمكن من عيش حياة طويلة وصحية وخلاقة، والتمتع بالحقوق الأساسية وبالحرية والاحترام والكرامة.

ويرتبط هذا المفهوم بمستوى المعيشة العام داخل المجتمع، كما يرتبط بكيفية توزيع الثروة ومكانة الفرد في مجتمعه، وبتوقعاته الاجتماعية والاقتصادية.

ونتائج الفجوات بين الجنسين في التوظيف، وأنشطة الأعمال، والحصول على التمويل، لا تكبل الأفراد فقط بل الاقتصاد برمته. ما يؤخر نمو وتقدم المجتمع. 

لذا هناك اهتمام كبير الآن بتعزيز روح التضامن العالمي، بالتركيز على حاجات الفئات الأضعف والأشد فقرا. كما  يجب الاعتراف وتشجيع الدور الذي يضطلع به القطاع الخاص المتنوع، ابتداء من المؤسسات المتناهية الصغر ومرورا بالتعاونيات وانتهاء بالشركات الكبرى؛ إضافة الى الدور الذي تضطلع به منظمات المجتمع المدني والمنظمات الخيرية في تنفيذ الأعمال المطلوبة.

للعمل الخيري القدرة على رفع آثار الأضرار المترتبة عن الأزمات الإنسانية، كما أن له القدرة على دعم الخدمات العامة في مجالات الرعاية الطبية والتعليم والإسكان وحماية الأطفال. والعمل الخيري فاعل جدا في تحسين الثقافة والعلوم والرياضة وحماية الموروثات الثقافية، فضلا عن تعزيزه لحقوق المهمشين والمحرومين ونشر الرسالة الإنسانية في حالات الصراع.

من المعلوم أن المجتمع المدني أقوى من الدولة في التجربة اللبنانية، فلقد اضطلع دائما بالجوانب التي تقصر بها الدولة، وبرز دوره خصوصاً في السنوات الأخيرة. فمنذ جريمة انفجار المرفأ في 4 آب عام 2020، تكفل المجتمع المدني والجمعيات الخيرية الاضطلاع بمسؤولية كافة المهام التي خلفها الانفجار، وقام مقام الدولة في ظل غيابها التام. فمن إسعاف المرضى إلى رفع الأنقاض والترميم إلى تدبير مساكن ومساعدات عينية لمن فقدوا منازلهم وهم بالآلاف. كل ذلك تكفلت به الجمعيات الخيرية والجمعيات المدنية. 

لكن، إذا كان العمل الخيري ضروري ويقوم بخدمات جليلة للمجتمع وللأفراد، ينبغي الحذر من أن يخلق مشكلة الاتكالية عند تلقي المساعدات بشكل دائم. فيتحول الفرد إلى كسول مفتقد لروح العمل يعتاش على الصدقات ومشاريع الإغاثة، فيتجذر الفقر. ونكون بهذا نتسبب بالضرر للمجتمع عندما نحول أفراده الضعفاء إلى معتاشين دائمين.

من هنا أهمية وضع برامج تهتم، إلى جانب المساعدة، بتوعية المستفيدين مع التدريب على برامج تنموية وإكساب معارف وتقنيات تساهم في تمكينهم  كي يستقلوا ويصبح باستطاعتهم تلبية حاجاتهم وحاجات أسرهم.

مشكلتنا ليست في الفقر فقط، فهو يوجد في أغنى الدول وأكثرها ترفا، ولكن في عدم قدرتنا على اجتثاث مسبباته والأخذ بيد الفقراء حتى يعتمدوا على أنفسهم، بل أيضاً في تفعيل عمل المؤسسات الرسمية والوزارات والقدرة على مواجهة الأزمات وتحويلها إلى فرص.

**ألقيت هذه الكلمة في جلسة افتتاح "القمة العالمية للمرأة"، التي أقيمت في أبوظبي بين 21-22 فبراير 2023، برعاية سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك، وشاركت فيه سيدات فاعلات من مختلف أنحاء العالم.

هذه الورقة ستكون آخر مساهمة لي في صفحة "من زاوية أخرى"، التي رافقت همومنا وتطلعاتنا، لأن الموقع قرر إغلاق هذه الصفحة، من ضمن الاتجاه العام في التحول من الصحافة الورقية المكتوبة إلى الرقمية، ثم إلى – البصرية.

وسوف نفتقد بحسرة هذه المساحة الحرة التي ضمت نخبة من الاقلام العربية التي كتبت فيها بحرية تامة (مفتقدة في معظم الإعلام العربي، إذا لم يكن كله) ومن دون قيود أو رقابة من أي نوع، وحتى في نقد سياسات مرجعيات الحرة نفسها؛ شرط احترام الدقة والموضوعية والاستناد إلى مصادر موثوقة. والأسف على إغلاقها يعود لحاجتنا الماسة لهذه الأقلام الحرة في هذه اللحظات المصيرية التي تواجهها المجتمعات العربية.

لكن ما باليد حيلة، فالسياسات والحاجات، مهما كان مصدرها، لا تتماشى بالضرورة مع مصالح الشعوب. فوداعاً.