لم تكلّف "آر تي" نفسها عناء تقييم خطّها الإعلامي
لم تكلّف "آر تي" نفسها عناء تقييم خطّها الإعلامي

بدلاً من الحصول على المضمون المتوقع، تظهر لمن يحاول الدخول إلى صفحة "آر تي" على موقع "يوتيوب" رسالة مفادها أن "هذه القناة غير متاحة في بلدك". "آر تي"، والتي تخلّت إعلانياً عن مسمّى "روسيا اليوم"، هي المحطة الإخبارية الممّولة من السلطات الروسية، وكانت قد بلغت مستويات مرتفعة من الرواج على مختلف المنصّات، القديم منها والجديد، بما في ذلك "يوتيوب"، وذلك على السواء من خلال مواقعها الرسمية ومن خلال إعادة بث المتماهين مع توجهاتها الإعلامية والسياسية للمقاطع التي تنتجها.

هي توجهات منحازة بالتأكيد لموقف الكرملين. يوم كانت الحشود العسكرية الروسية تتراكم على مدى الحدود الروسية الأوكرانية، التزمت "آر تي" الإصرار على أن الأمر لا يتعدى المناورات التدريبية المعتادة، وأنه على أي حال حقّ طبيعي لروسيا داخل أراضيها، وأن تأكيدات المسؤولين الروس أنه ليس في الأمر تحضير لاجتياح هو الحقيقة القطعية، وأن أي كلام للتنبيه إلى خطورة التصعيد واحتمال تعرّض أوكرانيا لاجتياح هو "هستيريا" غربية هدفها التهويل والتشويش والشقاق وغير ذلك من الأغراض المريبة.

ولم تكلّف "آر تي" نفسها عناء تقييم خطّها الإعلامي في هذا الشأن، بعد أن جرت الأحداث بما يتوافق بالكامل مع التنبيهات التي سفّهتها أو جرّمتها بالأمس، بل انتقلت، وكأن أمراً لم يكن، إلى الحديث عن "العملية العسكرية الروسية لحماية دونباس" في تقيّد تام بالتوصيف الذي فرضته السلطات الروسية على كافة وسائل الإعلام التابعة أو الخاضعة لها، وتجاهل لهول الاجتياح وتداعياته على الأحوال الإنسانية لعموم الأوكرانيين.

والصيغة النقاشية الأكثر اعتماداً لدى "آر تي" هي البناء على أي اتهام، مهما كان عجيباً أو مستبعداً من حيث المنطق والواقع، يطال الولايات المتحدة خاصة والغرب عامة، لطرح السؤال، لا حول ما إذا كان هذا الاتهام ينضوي على ما يوجب تصديقه، بل لاستشفاف مزعوم لنوايا الولايات المتحدة والغرب، على أساس الافتراض التلقائي لصحّة الاتهام. اليوم، مواضيع البحث هي من طراز "ما هدف الولايات المتحدة من دفع أوكرانيا إلى تطوير السلاح النووي؟"، كما كانت بالأمس على نمط "لماذا تطوّق الولايات المتحدة روسيا بمختبرات التسلّح الجرثومي؟" (ليست هذه هي العناوين حرفياً، لتعذّر الاطلاع على المقاطع، غير أنها مماثلة للمضمون).

الخط التحريري لمحطة "آر تي" منحاز بالتأكيد لوجهة النظر الروسية، ولكن التعويل لتحقيق الانحياز الكامل للعداء إزاء الغرب هو على الضيوف والمشاهدين. معظم ضيوف المحطة هم من أصحاب القناعات الراسخة بأن الولايات المتحدة شرّ مطلق، بمعنى أنها تسعى عمداً إلى البطش والإساءة تحقيقاً لمآربها، أو أنها مخطئة باستمرار أو أقلّه على الغالب، أي أنها تتسبب بالضرر والأذى من حيث تدري ومن حيث لا تدري. ومن التعليقات، قد يتبيّن أن معظم مشاهدي المحطة هم من الذين قد رست قناعاتهم عند القراءات المعادية للولايات المتحدة والغرب ابتداءً، إذ يستدعون المحطة لتثبيت هذه القناعات والاستزادة بالمعطيات والحجج الداعمة لها.

على أن "آر تي" تفتح المجال كذلك لأصوات معارضة لتوجهاتها الإعلامية والسياسية، ويلتزم مقدمو البرامج قدراً مناسباً من المهنية والتوازن بالتعامل مع هؤلاء الضيوف، بل غالباً ما ينتج عن هذه الاستضافات مناقشات ذات مضمون، ولا سيما إذا كان الضيوف المؤيدون للخط الإعلامي والسياسي للمحطة من الخبراء الروس.

تضيف هذه الاستضافات طابعاً من الصدقية والمهنية على المحطة، دون أن تؤثر بأي قدر يذكر على نجاعة المهمة الترويجية الإعلامية. على سبيل المثال، عند مساءلة المحطة خلال البث المباشر، بعد أن وقع الاجتياح الروسي لأوكرانيا، عن التجاوز المهني المتمثل بإلصاق تهمة التهويل على من تحدّث بالأمس عن احتمال حدوث الاجتياح، جاء جواب مقدّمة البرنامج بتحدي طارح السؤال أن تستضيف أية محطة في الولايات المتحدة من يختلف معها بالرأي في الشأن الروسي كما تفعل "آر تي" من خلال استضافته. طبعاً، لم يتطرّق جواب مقدّمة البرنامج لمضمون السؤال، غير أنها حظيت بالثناء والتقدير من المعلّقين لجوابها "المفحم".

"آر تي" العربية تملأ فراغاً قائماً في الفضاء الفكري السياسي العربي، كما تفعل زميلاتها الناطقة باللغات العالمية الأخرى في فضاءاتها. بل هي فراغات، وليست فراغاً واحداً متجانساً، إذ هي تقدّم المادة التي ترغب باستهلاكها أوساط ملتزمة بتوجهات فكرية متباعدة، من القومي إلى الأممي، من الحافظ إلى التقدمي، من الإسلامي إلى الإلحادي. نقطة اللقاء بين هؤلاء جميعاً هي شيطنة الولايات المتحدة والغرب، وهذا ما تثابر عليه "آر تي"، لتظهر روسيا معه على أنها البديل الموضوعي العقلاني المتّزن.

كل هذا للدليل على أن "آر تي" إعلام موجّه. من شأن من أراد الدفاع عن هذه المحطة أن يسأل: أوليس كل الإعلام موجّهاً، صراحة أو مواربة؟ أليس واقعاً أن معظم وسائل الإعلام المؤثّرة في الولايات المتحدة والعالم تابعة لعدد محدود من الجهات، فإن لم يكن التوجيه من الحكومات كان بفعل الأمر المباشر أو الاستثمار الذاتي من رأس المال أو المصالح الاقتصادية؟ والجواب على هذا السؤال لا بد أن يكون بالإيجاب، مع رفض التطابق بين حالة "آر تي" وكل مؤسسة إعلامية تابعة لنظام سلطوي، وحالة الإعلام في الغرب حيث وسائل التصدي للتوجيه متعددة، وحيث فعل التصدي والدفاع عن مساحات الحرية الصحفية هو فعل يومي لا هوادة فيه.

في الرصيد الفكري الغربي، إلى أمس قريب، كانت إحدى أهم هذه الوسائل رفض الرقابة على اختلاف أشكالها، والإصرار على بقاء الساحة الإعلامية مفتوحة لكل الأصوات، والسعي الدؤوب إلى نقد الأصوات الخارجة عن الإنصاف والموضوعية ونقض الطروحات الكاذبة والمضللة دون إسكاتها، في احترام للمشاهد والمستمع والقارئ، والإقرار بحقّه في تشكيل الرأي والرؤية بذاته.

ثمة مواضيع، بعضها عرقي وديني، كانت دوماً خارج إطار هذه المقاربة، وإن على خلاف، وذلك لحساسيتها أو افتراض احتوائها على الضرر الشديد المباشر. ولكن إثارتها كانت تحصل على الغالب ضمن الهامش الثقافي. فطرحها والتضييق عليها ومواجهة هذا التضييق قلّ إن أثّر على مسار الدورة الإعلامية.

الفضاء الإعلامي في ذلك الزمن كان يتألف من مجال وسطي مشترك، صحف ومجلات وإذاعات ومحطات إخبارية تتجاور فيها وتتحاور وتتكامل وتتنافس التوجهات الفكرية المختلفة، ثم هوامش فكرية وسياسية أكثر حدة وقطعية وأقل تأثيراً.

مع بروز الوسائط الإعلامية الجديدة، ومع الاعتماد المتزايد على منصات التواصل الاجتماعي كوسائل انتاج وتلقي إعلاميين، ما جرى كانت انتفاخ الهوامش وتقلّص المجال المشترك إلى ما يقارب الانفصام والقطيعة بين ما أمسى شكل من التقوقع السياسي والإعلامي.

وخلافاً للواقع السابق، حيث كان للدولة، وبالتالي للمجتمع في الدول ذات الأنظمة التمثيلية الصادقة، مسؤولية إدارة الجانب التقني، من حيث توزيع موجات البث، فإن الواقع الجديد يضع هذه المسؤولية عملياً في يد مؤسسات خاصة، هي التي تقدّم خدمات منصات التواصل، فيقع عليها بالتالي واجب إدارة حسن استعمالها.

حظر "يوتيوب" لمحطة "آر تي" هو قرار خاص صادر عن مؤسسة خاصة ارتأت الإقدام عليه لاعتباراتها الذاتية. قد يكون الزعم الناطق أن المبدئية كانت هنا هي الحاكمة، وأن الطبيعة الترويجية لمحطة "آر تي" تشكل خطراً داهماً، أو أن السلطات الروسية، والتي تمّول "آر تي" لا تستحق الحصول على مكافأة مجانية من "يوتيوب" في حين أنها ترتكب الجرائم في أوكرانيا.

هي طروحات وازنة، على أن "يوتيوب" قد ارتقى فعلياً إلى مستوى الخدمة العامة العالمية، والسؤال الحاد هو إذا ما كانت إدارة "يوتيوب" هي المخوّلة اتخاذ قرارات تطال الصالح العام، سواء على مستوى المجتمعات المختلفة أو على مستوى العالم.

ولا يخفى أن "يوتيوب"، كما سائر الشركات، بغضّ النظر عن مدى الصحة والصدق في بياناتها الإعلامية، واجبها الأول هو لمالكيها أو حملة أسهمها، وهدف أي خطوة تتخذها هو ضمان استمرارها واستقرارها وازدهارها. أي أن “يوتيوب” لا يجوز أن تكون مخوّلة لتحديد الصالح العام ولا هي مؤهلة للقيام به.

ولكنها، معها سائر منصات التواصل الاجتماعي قد اتخذت الخطوات لحظر "آر تي" وشقيقاتها، وسط ترحيب وتأييد من أوساط رافضة لسلوك موسكو ومؤيدة لخطوات واشنطن، ووسط امتعاض، وإن على قدر من الضمور، من معارضين لإدارة الرئيس جو بايدن، واستنكار واستهجان في أوساط ترى في الأمر تأكيد على صحة قراءتها للمؤامرة الكبرى.

اجتياح أوكرانيا هو حرب اختيارية ترتقي إلى مستوى الجريمة بما أدت إليه من قتل وخراب، بل قد تتسبب بانزلاق إلى مواجهة أوسع بأضعاف مضاعفة من الأذى والموت. ومسؤولية هذا الفعل وكامل عواقبه تقع مباشرة على روسيا، وبالذات على رئيسها ذي السلطة غير المحدودة. ومن المنطق والصواب اللجوء إلى مختلف الوسائل المتناسبة لدحر المعتدي وردعه ومعاقبته. على أن حظر "آر تي" وغيرها من الوسائل الإعلامية الروسية لا يقترب البتة من هذه الإلزامات.

هذا الحظر يمنع المواطنين، في الغرب وكل العالم، من الاطلاع على وجهات نظر أخرى. سواء كانت منحازة، أو مضلّلة، أو كاذبة، فالمشاهد ليس طفلاً بحاجة أن يحجب عنه ما يؤذيه، بل فليتفضل الناقدون والناقضون بالإدلاء بدلوهم. وهذا الحظر يسمح لأصحاب المخيلة المنتجة أن ينسج روايات مؤامرات جديدة (الحق يقال إن هؤلاء لا يحتاجون إلى أية أفعال للمزيد من الشطح). والأهم هو أن هذا الحظر يتعارض مع مبدأ حرية القول، ولا تنفع الحجج المساقة لتبريره.

لا بد من فضّ الالتباس القائم اليوم حول دور الشركات القابضة لمنصات التواصل الاجتماعي في رقابتها وتحمل مسؤولية المضامين فيها. هذه قضية شائكة لم يصل النقاش بشأنها إلى خاتمة مرضية بعد. غير أنه ليس من الاحتياط الصائب الإقدام للتوّ على حظر "آر تي"، بل الأصح تأطير تغطيتها بالمزيد من الكشف عن سياقاتها والمزيد من النقد التحليلي لها، كما لغيرها.

وبغضّ النظر عن القيود التي تفرضها موسكو على الإعلام الدولي، فإنه لا يمكن إدراج حظر "آر تي" في إطار المعاملة بالمثل. التفريط بالمبادئ والحقوق ليس مادة للمقايضة.

حظر "آر تي" قد يشفي غليل البعض. ولكنه خطأ من حيث المبدأ وخطأ من حيث المصلحة. والتمني على من أقدم عليه أن يتراجع عنه.

متى يفيق رجال الدين للحقيقة من دون إقحام الدين في العلم؟. أرشيفية - تعبيرية
"متى يفيق رجال الدين للحقيقة من دون إقحام الدين في العلم؟" أرشيفية - تعبيرية

يحتدم الجدل بين العديد من رجال الدين الذين يصفون أنفسهم بأنهم "علماء" وبين مفكرين داعين إلى التنوير يرون ولعدة أسباب أن كلمة "علماء" لا يمكن أن تنطبق بأي حال على رجال الدين.

فشيوخ الدين يعتمدون على آية في القرآن الكريم تقول: "أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ" (سورة الشعراء 197).

وعلى النقيض من هذا الفهم للآية تماما يقول العديد من المفكرين ودعاة الاستنارة، مثل الدكتور خالد منتصر وغيره أن كلمة "علم" و"علماء" لا ينبغي أن تطلق على الدين ورجاله، لأن أساس العلم هو الشك في المعلومة ووضع أي فكرة للتجربة لإثباتها بالدليل القاطع في حين أن الدين قد ينهار تماما إذا طبقنا هذه القواعد عليه.

فهل يستطيع مثلا أن يثبت لنا رجال الدين بالتجربة العملية أن البخاري كان دقيقا في بحثه وهل يستطيعون أن يثبتوا بالدليل القاطع ما ينسبونه للرسول من أحاديث؟ وهل بإمكانهم إعطاؤنا البرهان الحاسم أن فهمهم لرحلة الإسراء والمعراج وفرض الصلاة فيها هو الحقيقة المطلقة؟ 

الرد ببساطة ....لا! فهم لا يملكون دليلا علميا واحدا خاضعا لقواعد البحث العلمي ليبرهنوا على مفاهيهم الدينية، فكيف لنا أن نصفهم بأنهم "علماء" أليس في هذا خداع لكلمة "علم" وتعبير "علماء"؟

والحقيقة في هذا السياق أن القرآن حينما عرّف كلمة "علماء" لم يتكلم على الإطلاق عن رجال الدين ودعونا نتأمل للحظات في هذه الآية الكريمة والتي يستخدمها الكثيرون لإعطاء رجال الدين صفة "علماء".

فالآية تقول: "إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ" (سورة فاطر آية 28).

ولكن ما ذكره القرآن الكريم قبل الآية يوضح تماما أن المقصود بكلمة "علماء" في هم من يدرسون ويبحثون ويتفكرون في خلق السموات والأرض، فالآية تقول ما يلي: "أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ" (سورة فاطر آية 27-28).

أي أن الآية التي يستخدمها رجال الدين لوصف أنفسهم بصفة "علماء" كانت تتكلم عن نزول المياه من السحب وإخراج الثمرات الجميلة من الأرض وتنوع الخلق وألوان الثمار وعجائب خلق الجبال والطيور، ولم تكن كلمة "علماء" تعني كما يظن البعض، أو الكثيرون، تتكلم عن فقه السنة وآداب الجماع ونكاح "الصغيرات" وشرب بول البعير وإرضاع الكبير وغيرها من الأمور التي أطلق عليها شيوخ الدين كلمة "علم" أو "علوم" ومن ثم أسموا أنفسهم بالعلماء.

وتتفق الآية السابقة "كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء" مع روح القرآن الكريم الداعية للبحث والتأمل في الخلق من حولنا. وتجلت هذه الدعوة وهذه الروح القرآنية في العديد من الآيات مثل "قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ" (سورة العنكبوت آية 20).

ومثل "إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَاب  الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ" (سورة آل عمران آية 190-191).

ومما زاد الطين بلة هو محاولة بعض رجال الدين  إقحام الدين في العلم والطب والذي تسبب في ابتداع أمور لها علاقة بصحة الناس دون أي دليل علمي  يؤكدها. فالكثير منا يعرف حديث الذبابة: "عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم 'إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه ثم لينزعه، فإن في أحد جناحيه داء وفي الآخر شفاء'"، أخرجه البخاري، وأبو داود.

والمضحك المبكي أن بعض رجال الدين يقولون إن العلم أثبت "حديث الذبابة" دون إعطاء مرجع علمي واحد محترم يؤكد زعمهم.  

وإذا كان الأمر هكذا في حديث الذبابة فما بالنا بالحديث التالي: "ورد حديث في صحيح البخاري عن عائشة رضي الله عنها إنها قالت: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) إن الحبة السوداء شفاء من كل داء"!.

فهل إذا كان هذا الأمر حقيقي فلما ذهب أو يذهب كبار رجال الدين مثل "الشيخ الشعراوي" وغيره للعلاج في مستشفيات الغرب حينما يمرضون! وهل يجرؤ أحد هؤلاء الشيوخ الذين يروَّجون لمثل هذا الحديث على أنه "علم" أن يتناولوا سما قاتلا ويتناولون بعده الحبة السوداء لإعطائنا الدليل العلمي والبحث التجريبي الذي يؤكد هذا الأمر؟

وقد يكون للحبة السوداء أو حبة البركة كما يطلق البعض عليها فوائد طبية, ولكنها بالقطع ليست شفاء لكل داء!

فمتى يفيق رجال الدين للحقيقة ويمكثون في مساجدهم دون محاولة إقحام الدين في مجال العلم لأنهم بالقطع سيخسرون في هذه المواجهة، لأن معظم ما يقولونه، على عكس العلم الحقيقي،  ليس عليه دليل علمي واحد يؤكده.