أغلب دول العالم ترى أن الغزو الروسي لأوكرانيا عمل عدواني
أغلب دول العالم ترى أن الغزو الروسي لأوكرانيا عمل عدواني

ترى أغلب دول العالم أن الغزو الروسي لأوكرانيا عمل عدواني قام به نظام استبدادي لا يقيم وزنا للمجتمع الدولي على جار ديمقراطي مسالم، وتفاوتت هذه الدول في طريقة إظهار تضامنها مع أوكرانيا بين من أرسلت أسلحة إلى الحكومة الأوكرانية إلى من اكتفت ببيانات التأييد، أما الدول التي لم تتخذ موقفا رسميا واضحا بإدانة العدوان الروسي فقد عبرت مؤسسات المجتمع المدني فيها عن التضامن مع أوكرانيا، أما في المنطقة العربية فقد كان الوضع مختلفا حيث لم تصدر عبارة تنديد واحدة بالعدوان الروسي لا من الحكومات ولا من مؤسسات المجتمع المدني. 

ومن الممكن إيجاد مبرر لبعض الحكومات على صمتها عن العدوان الروسي باعتبار روسيا دولة عظمى لها علاقات اقتصادية وسياسية واسعة معها مما جعلها محرجة، فهي لا تستطيع إغضاب روسيا ولا الابتعاد تماما عن الغرب مما دفعها نحو سياسة تبدو متوازنة والبحث عن مفردات مطاطة تحتمل عدة أوجه في بياناتها وخطاباتها، لكن الفارق الكبير بين المنطقة العربية وبقية العالم كان في تأييد شريحة شعبية واسعة للغزو الروسي رغم كل ما خرج من أوكرانيا من صور للأبنية المدمرة ولضحايا القصف الروسي من المدنيين ولقوافل تحتوي على مئات آلاف اللاجئين من النساء والأطفال، فحتى في روسيا خرج آلاف الروس في مظاهرات ضد هذه الحرب.

وكان في مقدمة مؤيدي الغزو الروسي القوميين واليساريين ومعهم جمهور غير قليل خصوصا في مصر والأردن، لأن العالم ينقسم عند هؤلاء إلى معسكرين الأول هو الغربي بقيادة الولايات المتحدة والثاني هو المعسكر الذي يقوده بوتين ويعتبرون أنفسهم جزءا منه، ويضم حسب رأيهم روسيا والصين مع مجموعة من الدول المارقة والفقيرة مثل إيران وكوريا الشمالية وكوبا وسوريا، وقد أضاف بعضهم إلى هذا المعسكر الهند لأنها امتنعت عن التصويت ضد روسيا في مجلس الأمن.

وكان أسلاف هؤلاء قد راهنوا سابقا على المعسكر الاشتراكي برئاسة الاتحاد السوفييتي بينما راهن أسلاف أسلافهم على انتصار هتلر في الحرب العالمية الثانية، وربما من حسن حظ البشرية أن الأطراف التي يراهن عليها هذا الفريق من العرب يخسر دائما، ويعبر عن هؤلاء صحفي شعبوي فلسطيني مقيم في لندن من الممكن مشاهدته على اليوتيوب وهو يتغنى بانتصارات "أبو علي بوتين" من غزو أوكرانيا حتى تهديد العالم بالأسلحة النووية، وفي انسجام تام مع الإعلام الروسي تراه يطلق على الحكومة الأوكرانية تسمية النازيين الجدد، كما يبالغ أحيانا في تمنياته حتى وصل إلى التنبؤ بقرب انهيار أوروبا، وفي أسلوبه الشعبوي الذي يلقى تجاوبا عند بعض المراهقين اعتبر الحصار الاقتصادي على روسيا سلاح الجبناء الذين يخشون المواجهة العسكرية.

أما الطرف الثاني الذي وقف مع العدوان الروسي فهم مجموعة من المثقفين ومعهم نسبة لا يستهان بها من الرأي العام الذي يحدد موقفه من أي قضية انطلاقا من معاداة الولايات المتحدة، وعبر عن هؤلاء قبل بضعة أيام أحد الكتاب في مقال على صحيفة عربية تصدر من لندن كرر فيها الأسطوانة المعهودة بأن أميركا قد نشأت على أنقاض وجماجم عشرات الملايين من الهنود الحمر واستولت بالاغتصاب على ولايات تكساس وكاليفورنيا ونيومكسيكو وفلوريدا من جارتها المكسيك واستخدمت السلاح النووي في اليابان.

ولا يلاحظ الكاتب أن ما يقوله غريب تماما عن واقع هذه الأيام، فاليابان حليف استراتيجي للولايات المتحدة وحماسها في معاقبة روسيا يفوق حماس الولايات المتحدة نفسها، وأن الحياة في الولايات الأميركية التي ذكرها هي هدف وحلم لكل من يريد حياة سعيدة وآمنة، وأنه في كاليفورنيا يوجد "السيليكون فالي" الذي يمثل قمة التكنولوجيا العالية في العالم كما توجد هوليوود عاصمة الفن، ولكن كاتبنا ورفاقه وجمهوره يريدون تحرير هذه الولاية من الاحتلال الأميركي!، ومن الصعب وجود من يقول مثل هذا الكلام أو من يستمع له خارج المنطقة العربية.

كما ظهر طرف ثالث مؤيد للغزو الروسي قريب من بعض الحكومات العربية، ولجأ هذا الطرف إلى طرق رآها أكثر ذكاء في هجومه على الموقف الغربي ارتكز على التشكيك في كل ما تنقله وسائل الإعلام، وعبر عن هذا الموقف أحد أعضاء مجلس الشيوخ المصري ورئيس تحرير إحدى الصحف في برنامج على قناة حكومية مصرية قال فيه إن حجم القصف الإعلامي الغربي على المنصات الرقمية يفوق القصف الروسي على أوكرانيا، وإن كذب الإعلام الغربي في هذه الحرب كان سافرا رغم أنه ذو حرفية عالية المستوى.

وقدم مثالا من صحيفة نيويورك تايمز التي نشرت صورة لسيدة وابنتها "يقال" إنهما قتلتا في قصف روسي وتابع "أنا لا أعرف إن كانت الصورة حقيقية أم لا، بينما كان هناك قبل أشهر من هذه الحرب قصف من الجيش الأوكراني على إقليم دونباس وكان من نتيجته تهجير الآلاف فلماذا لم ينشر الإعلام الغربي صور ضحايا هذا القصف"، دون أن يسأل الكاتب نفسه إذا كان ما يقوله صحيحا فلماذا لم ينشر الإعلام الروسي صور الضحايا المزعومين هؤلاء.

وتابع أن عند الغرب إعلام يبدو مهنيا ويعرف كيف يدس السم في العسل، وبما أن أميركا هي مخترعة الإنترنت فقد أطلق عضو مجلس الشيوخ المصري على شبكة الإنترنت تسمية "مملكة الكذب" كما قال إن "وسائل التواصل الاجتماعي هي قولا واحدا سلاح أميركي يأتمر بأمر الحكومة الأميركية"، ولكن إذا كان ما يقوله صحيحا فكيف يفسر حظر منصات التواصل الاجتماعي لبعض تصريحات ترامب عندما كان رئيسا للولايات المتحدة.

واختتم حديثه بالتساؤل كيف بإمكان الشعوب البائسة مقاومة هذا الإعلام الذي يفتح دماغ الشخص البسيط ويضع فيه ما يشاء، واعتبر أن الهدف الرئيسي لهذا الإعلام كان مؤخرا شيطنة روسيا، وحاول في مقابلته تلك أن يرتدي قناع الحياد عبر القول إن الطرفين الروسي والغربي يشتركان معا بالكذب، أي أنه وضع على قدم المساواة البروباغاندا الروسية التي تديرها أجهزة المخابرات مع الإعلام الغربي المستقل والمتعدد التوجهات، ولم يكن مستغربا أن تكون النتيجة التي انتهى إليها أن من حق روسيا الدفاع عن أمنها أي بمعنى آخر غزو أوكرانيا، أما خلاصة ما قاله للمشاهدين فمن الممكن اختصاره بأن الرأي العام العالمي الذي يقف اليوم مع أوكرانيا هو قطيع من البسطاء نجحت وسائل الإعلام الغربية ومواقع التواصل الاجتماعي في خداعه بينما لم تكتب النجاة من تفكير القطيع هذا إلا للمثقفين العرب أصحاب النظر الثاقب الذين اكتشفوا كذب وخبث هذا الإعلام!.

وبما أن هذه الآراء والتحليلات تصدر عبر الإعلام العربي الرسمي فلا يمكن فصل محاولة التشكيك بالإعلام العالمي وبمواقف الدول الغربية عن الاتهامات التي يوجهها الغرب لبعض الدول العربية في موضوع المعتقلين السياسيين وحقوق الإنسان، أي أن بعض المثقفين الذين يدورون في فلك الأنظمة العربية يعتقدون أنهم بنزع المصداقية عن الغرب وإعلامه يشككون في صحة ما تقوله المنظمات الغربية عن تراجع حقوق الإنسان في بعض الدول العربية، وكأن المواطن العربي ينتظر تقارير المنظمات الدولية ليعرف وضع الحريات في بلده بينما هو واقع يعيشه ويعاني منه يوميا.

"قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة. أرشيفية - تعبيرية
"قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة. أرشيفية - تعبيرية

على مدى خمس سنوات وخمسة أشهر، وفر لي هذا الموقع "alhurra.com" مساحة أسبوعية حرة، أخاطب من على منصتها، جمهورا متنوعا، رفقة نخبة من كتاب ومفكرين وإعلاميين وازنين، ومن دون تلك القيود والضوابط التي أثقلت كاهل الكتاب والمحللين والمثقفين في العالم العربي...هنا، وربما هنا فقط، بمقدورك أن تسمي الأشياء بأسمائها، دولاً وحكومات، دون خشية من قوانين "تعكير صفو العلاقة"، ومن غير أن تحسب حساب لأثر ما تكتب على "المساعدات" التي تتلقاها بلادك من هذه الدولة أو تلك.

ولأنك تخاطب جمهورا متنوعا، لا يجمعهم جامع سوى "لسان الضاد"، فأنت تجد نفسك مكرها على القفز من فوق "زواريب" السياسة المحلية في بلدك، التي لا يعرفها ولا يُعنى بها، سوى أهلها، أو بعض أهلها في كثيرٍ من الأحيان، وهو أمر له ما له وعليه ما عليه، فهو من جهة يُنجيك من "طبقات الرقابة" المتراكبة في مجتمعاتنا من سفارات وهويات دينية واجتماعية، بيد أنه من جهة ثانية، ينحو بما تكتب صوب التجريد والتعميم، وبصورة قد تُخلّ بمقتضيات "التحليل" في بعض الأوقات.

على أنك وأنت تكتب لموقع يتخذ مقرا له على مبعدة عشرة آلاف كلم، تبقى ملاحقا بهاجس "الرقابات"، حكومية وغيرها، من حكومة بلدك وحكومات الجوار القريب والبعيد، سيما بعد أن تعاظمت وطأة تأثيرها لاعتبارات "الجيوبوليتك" و"العلاقات الخاصة والمميزة"...أنت لا تشعر أنك حرٌ تماما، حتى وأنت تكتب لموقع "الحرة".

ذات ظهيرة، اتصل بي الصديق ألبرتو فيرنانديز، ومعه بدأت حكاية المقال الأسبوعي، كنت عرفته عندما كان دبلوماسيا رفيعا في سفارة الولايات المتحدة لدى عمّان، وكان شغل موقع الملحق الثقافي، ولقد وجدنا يومها شيئا مشتركا، فهو قضى سنوات في دمشق، وأنا فعلت الشيء ذاته، وإن في مراحل مختلفة، وكانت لديه شبكة واسعة من العلاقات مع المثقفين السوريين، وكنت كذلك، وكان هذا الموضوع على الدوام، يحتل مساحة بارزة في نقاشاتنا، ولطالما رتبنا أنا وإياه لقاءات لشخصيات أميركية ثقافية وسياسية وازنة في مركز القدس للدراسات السياسية، صحبة نخبة محترمة من سياسيي الأردن ومثقفيه.

ألبرتو كان قد تسلم للتو مسؤولياته في المؤسسة التي تصدر عنها "قناة الحرة" و"راديو سوا" و"موقع الحرة الإخباري"، طلبني لكتابة مقال أسبوعي، متعهدا بأن يحترم ما أكتب، وأظنه كان على علم بتوجهاتي السياسية والفكرية، ولكنه أراد للموقع أن يصبح منصة للحوار والجدل والتعدد.

ذات مرة، أثير نقاش حول هوية كتاب الحرة، وأُخذ على الموقع أنه ينتقيهم من أبناء مدرسة سياسية وفكرية واحدة تقريبا، يومها "غرد" فيرنانديز نافيا "الاتهام"، مستشهدا بتواجد أسماء وكتاب من خارج هذه المدرسة، ولقد ذكرني من بين آخرين، بوصفنا شهودا أحياء على تهافت الاتهام...مع أنني أشاطر أصحاب "الاتهام" بصرف النظر عن نواياهم، بأن غالبية الزملاء وليس جميعهم بالطبع، ينتمون لمدرسة في الفكر والسياسة، معروفة توجهاتها وخلفياتها، وهي في مطلق الأحوال، مدرسة حاضرة بقوة في دولنا ومجتمعاتنا، اتفقنا معها أم اختلفنا.

حرص الرجل على استحداث انطلاقة في مسار ومسيرة القناة والراديو والموقع، المتعثرة نسبيا، ولقد استعان بنخبة من الإعلاميين المجربين، أذكر منهم الزميل نارت بوران، الذي شغل موقع مدير عام مؤسسة الإذاعة والتلفزيون في الأردن، وكان مؤسسا لعدد من الفضائيات في الإمارات، ولقد زاملته في عمان، حين كان مديرا للمؤسسة، وكنت أقدم برنامجا حواريا على شاشة التلفزيون الأردني بعنوان "قضايا وأحداث"، ولقد كان الرجل مهنيا بامتياز، وتعين على أن يجذّف في بحر متلاطم الأمواج وهو يدير مؤسسة تتجاذبها رياح التأثير من مختلف مراكز القوى وصنع القرار في البلاد، كان الله في عونه، وعون أسلافه وخلفائه.

خلال هذه الرحلة مع "الحرة" كتبت 280 مقالا أسبوعيا، بمعدل وسطي 1200 كلمة للمقال الواحد، أي ما يعادل "336000 كلمة"، لم يتعثر منها سوى مقالات ثلاثة، اثنان لاستبدال عبارة بأخرى أو شطب كلمة، وآخر لأنني كنت كتبته مبكرا، ولقد جرت أحداث كثيرة ما بين كتابته ونشره، فاستوجب استبداله بمقال آخر... بلغة الإحصاءات، أقل من 1 بالمئة من مقالاتي أثارت نقاشا مع المحرر، لكن الأهم، أن أحدا في فيرجينيا لم يكن ليخطر بباله استبدال كلمة بأخرى، أو شطب كلمة، دون استئذان وموافقة من الكاتب، حتى في تلك المرات النادرة التي أتيت على ذكرها، وتلكم بالنسبة لشخص سبق أن منعت له ثمانية مقالات في شهر واحد، تجربة مثيرة للاهتمام.

لست هنا في باب كيل المديح لموقع أغادره ما أن يرى هذا المقال النور، ولكنني أصدر عن تجربة شخصية في الكتابة وهوامش الحرية المتاحة للكاتب، لأضيف إلى ما سبق ذكره، أنني اعتنيت بمقالتي الأسبوعية على موقع الحرة، أكثر من غيره، لكل الأسباب التي أوردتها، ولسبب آخر إضافي، أن الكاتب يرغب في "توثيق" و"تسجيل" مواقفه من أهم الأحداث والتطورات والظواهر الكبرى التي تشغل باله، وما يحول بينه وبين فعل ذلك، إما غياب المنبر، في ساحة إعلامية – صحفية عربية مستقطبة إلى أبعد حد، أو للقيود الصارمة التي تصاحب الكتاب في صحف ومنابر محلية وعربية.

وكان من دواعي سروري واعتزازي دائما، أن الزملاء في "راديو سوا" لطالما استخدموا المقال الأسبوعي مادة/موضوعا لحلقة إذاعية، غالبا ما كنت ضيفها أو أحد ضيوفها، بالنسبة للكتّاب، كان ذلك بمثابة حافز إضافي، يدفعه للتفكير في اختياراته والاهتمام بجودة ما يكتب.

موقع الحرة، كما أبلغني الزميل بهاء الحجار، قرر إغلاق باب كامل من أبوابه تحت عنوان "من زاوية أخرى"، وفيه كانت تحتشد مقالات الرأي من لبنان والعراق والمغرب العربي والأردن وغيرها... أحزنني ذلك، لاسيما أن المقال لم يعد على ما يبدو جاذبا للقراء الذين يتجهون بكثرتهم، الشابة خصوصا، إلى "التك توك" و"الإنستغرام" والفيديوهات القصيرة، بحساب الربح والخسارة، من العبث الاستمرار في استثمار كهذا، في حين يمكنك أن تجتذب جمهورا أوسع، لو أنك وضعت مواردك في مكان آخر.

هي "قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة، ولقد سبقني الزميل على هذا الموقع، حسن منيمنة، لرثاء المقالة المكتوبة، قبل أيام، فلا حاجة بي لمزيد من "الرثائيات"، وعلينا أن نسلّم بحقيقة أن العالم يتغير، وأن فنونا وألوانا من العمل الإعلامي والصحفي قد شقت طريقها للانقراض. نقول ذلك، ونحن معشر المشتغلين بالصحافة والمقالة المكتوبة، يعتصرنا الألم والإحساس بـ"اللاجدوى".

هو فصل جديد، سبق أن انتهت إليه كبريات من الصحف والمجلات في العالم، والعالم العربي، وفي ظني أن "الحبل على الجرار"، فمن بقي من هذه الصحف واقفا على قدميه، إنما نجح في ذلك بأعجوبة، أو بتمويل سخي، طافح بالأجندات والاستهدافات السياسية، إلا من رحم ربي، واستطاع أن يجد لنفسه موطئ قدم في ميادين الإعلام الجديد وعوامل السوشال ميديا والمرئي والمسموع، وإلى لقاء على منصة أخرى، وتجربة مختلفة.