مئات من الصحفيين الأردنيين يطالبون بصحافة حرة أمام مقر الرأي-أرشيف
لا يمكن أن تفهم تفاصيل المشهد الإعلامي في الأردن، دون أن تقترب منه- نضال منصور

"إعلام مكبل"، هذا هو العنوان الذي اختاره مركز حماية وحرية الصحفيين لتقريره السنوي عن حالة الحريات الإعلامية في الأردن، ورغم الإقرار بأن الانتهاكات الجسيمة تقلصت عل أرض الواقع عام 2021، إلا أن الحريات باعتقاد الصحفيين تراجعت أيضا، وقبضة السلطة على حرية التعبير والإعلام اشتدت.

هذه ليست أحجية، والأمر لا يبدو غريبا، فالانتهاكات غير الجسيمة الواقعة على حرية التعبير والإعلام، تترسخ، وتصبح أكثر منهجية، ولا تغدو الحكومات، وأجهزة الأمن بحاجة إلى الصدام، والاحتكاك المباشر بالصحفيين، ولهذا يظهر منطقيا تراجع حالات التوقيف، أو الاعتداءات الجسدية، وعزز ذلك سيطرة جائحة كورونا، وغياب الكثير من مظاهر الاحتجاج، والتجمع السلمي، الذي يقع الصحفيون والصحفيات أول الضحايا خلالها.

في الأسبوع الماضي وقعت حادثتا احتجاز للحرية في مطار الملكة علياء، أشّرتا على الأزمة التي يعيشها الصحفيون، وكرست الاعتقاد السائد أن الصحافة مستهدفة، فالإعلامية تغريد الرشق تعرضت عند عودتها إلى عمّان قادمة من واشنطن لاحتجاز الحرية على خلفية شكوى قضائية ضدها، وبقيت 12 ساعة في المطار، حتى أخلي سبيلها بعد تدخلات، وتكرر الأمر ذاته مع الإعلامي داوود كتاب بعد يوم واحد، ولم يُترك حرا طليقا إلا بعد أن قُدمت كفالة له.

الحادثتان خلقت أجواء من التوتر بين الحكومة والجسم الصحفي، ورغم توضيح الحكومة أنه لا علاقة لها بالأمر، فإن الانتقادات للإجراءات التي تعد انتهاكا للحقوق والحريات لم تتوقف، وتسربت معلومات أن الحكومة أوعزت أن لا يُحتجز، أو يوقف أي مواطن بسبب دعوى قضائية، والإجراء المطلوب هو إخطاره بضرورة مراجعة السلطة القضائية.

منذ أكثر من 20 عاما يُصدر مركز حماية وحرية الصحفيين تقريره عن حالة الحريات الإعلامية، وفي كل التقارير كانت الانتهاكات حاضرة، وإن تعددت أنماطها، فأحيانا كانت عقوبة التوقيف المُسبقة تتزايد بشكل لافت، وأحيانا أخرى تتقدم المشهد الاعتداءات الجسدية، خاصة إذا ما كثرت الاعتصامات، والاحتجاجات الشعبية.

في مؤشر حرية الإعلام لعام 2021، صنفت حرية الصحافة بأنها مقيدة، والنتيجة امتداد لعام 2020 مع تراجع يزيد عن 4 بالمئة عن العام الذي سبقه.

اعتمد مؤشر حرية الإعلام على قياس سته محاور، هي: البيئة السياسية، والبيئة التشريعية، وحق الحصول على المعلومات، والانتهاكات والإفلات من العقاب، واستقلالية الإعلام، وحرية التعبير والإعلام على الإنترنت، والنتيجة لكل المحاور كانت مقيدة، باستثناء البيئة التشريعية كانت أفضل قليلا، وظهرت كمقيدة جزئيا، ويعود ذلك بوضوح إلى أن الدستور الأردني نظريا يحتوى على مواد تنص على حرية الإعلام وتحصنه، لكن التشريعات تتغول على الحقوق الدستورية وتُهدرها، ولا تراعي بذات الوقت الالتزامات الواردة بالمعاهدات والاتفاقيات التي صادق عليها الأردن، وتتضمن معايير لحرية الإعلام.

مؤشر حرية الإعلام الذي طوره مركز حماية وحرية الصحفيين منذ عام 2020 يتدرج في التصنيف من غير حر، إلى مقيد، فمقيد جزئيا، ثم حر جزئيا، وأخيرا حر، ولا يبدو أن تصنيف الأردن في مؤشر حرية الإعلام كمقيد مفاجئا، فالتقارير الدولية اعتبرتها أسوأ، وغير حرة.

لا يمكن أن تفهم تفاصيل المشهد الإعلامي في الأردن، دون أن تقترب منه، فالصورة من الخارج لمن يُراقب يرى أن هناك هوامش للحرية لا يمكن إنكارها، وهذه المعاينة من زاوية تبدو صحيحة، فالبلاد لا تقع تحت رحمة سلطة مستبدة، غاشمة بالمطلق، وهنا توجد حلول، وتسويات، ومخارج للأزمات دائما، ولذلك لم تشهد البلاد في تاريخها قتلا، أو إخفاء قسريا لصحفي.

ولقراءة المشهد بعمق أكثر يمكن القول إن الحكومة، وأجهزتها الأمنية استعاضت عن المواجهة مع الإعلام، والمكاسرة العلنية اللجوء إلى أساليب الاحتواء، والسيطرة الناعمة، فالتوجهات العامة للدولة تعرفها المؤسسات الإعلامية وقياداتها، والخطوط الحمراء، والتابوهات معلومة لديهم بكل وضوح، ويتولى بعض رؤساء التحرير، والمديرين، ومحرري الديسك مهمة ضبط المحتوى بناء على مقاس السلطة، وفي حالات استثنائية لمن يُجدف خارج السرب، قد تحدث تدخلات خشنة.

الرقابة المسبقة هي الظاهرة الحاضرة بقوة، والتي لا ترصد ولا توثق، فالإعلاميون يعتقد غالبتهم أن من حق رئيس التحرير، أو ومن ينوب عنه شطب ما يريده من تقاريرهم، وقصصهم، وتحقيقاتهم، ومقالاتهم دون محددات ومعايير مهنية، وفي غالب الأحوال يتم ذلك إرضاء للسلطة.

الانتهاكات غير الجسيمة متعددة المظاهر، ولا يُفصح الصحفيون عنها، ولا يفضحونها، وأكثر ما يُثير الجلبة والاهتمام توقيف صحفي، أو الاعتداء عليه، أما حجب المعلومات، أو التدخلات الحكومية في المحتوى الإعلامي، أو الاستدعاء الأمني، فإن الأصوات لا ترتفع كثيرا للتنديد بها، فالأجهزة الأمنية تتصل بالصحفيين، وتستدعيهم لإبداء العتب، والضيق من أخبار نشروها، وما يلفت الأنظار أن صداقات نشأت بين الطرفين جعلت من الاتصال والتدخل في العمل الإعلامي حدثا طبيعيا.

في المؤشر حصل الأردن على 215.2 نقطة من مجموع نقاط المؤشر البلغ 600 نقطة، وهو أمر مُخيب للآمال والرهانات، في وقت تتحدث فيه السلطة عن الإصلاح، وتطوير وتحديث المنظومة السياسية، وكل الكلام والوعود لا يجد ترحيبا، أو استجابة، ولا يثق به الجمهور، ومنصات التواصل الاجتماعي يرتفع بها سقف الانتقادات التي ما عاد يسلم منها حتى العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني.

تشخيص المشكلة معروف للحكومة، وللسلطات الفعلية التي تُدير البلاد (الديوان الملكي، والمخابرات)، فحرية التعبير والإعلام يمكن أن تشهد ربيعا وازدهارا إن توفرت الإرادة السياسية الناجزة والجدية، وإن تحققت فإن الخطوة المطلوبة التي تليها، هي مراجعة منظومة التشريعات للتخلص من القيود التي تفرضها، والمضي إلى بناء سياسات حاضنة وداعمة، وأخيرا التوقف عن الممارسات التي تنتهك الحقوق والحريات، وتُشجع على الإفلات من العقاب.

المسألة ليست تهويلا أو مبالغة، وكل ما قاله تقرير "إعلام مكبل" تعرف تفاصيله الحكومة، وكل ما عليها أن تفعله التوقف عن الإنكار، والتوقف عن التباهي أن حرية الإعلام عندنا أفضل من دول الجوار، وهي الممارسة الشائعة، المقارنة بالأسوأ، دون استحضار نماذج الدول الديمقراطية الحقيقية التي يستحق الأردن وشعبه أن تعقد مقاربة معها، فالمطلوب خطة تنفيذية بمؤشرات، وإطار زمني للبدء بالتغيير، وانتظار التحولات التي تُبشّر بالمستقبل.

"قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة. أرشيفية - تعبيرية
"قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة. أرشيفية - تعبيرية

على مدى خمس سنوات وخمسة أشهر، وفر لي هذا الموقع "alhurra.com" مساحة أسبوعية حرة، أخاطب من على منصتها، جمهورا متنوعا، رفقة نخبة من كتاب ومفكرين وإعلاميين وازنين، ومن دون تلك القيود والضوابط التي أثقلت كاهل الكتاب والمحللين والمثقفين في العالم العربي...هنا، وربما هنا فقط، بمقدورك أن تسمي الأشياء بأسمائها، دولاً وحكومات، دون خشية من قوانين "تعكير صفو العلاقة"، ومن غير أن تحسب حساب لأثر ما تكتب على "المساعدات" التي تتلقاها بلادك من هذه الدولة أو تلك.

ولأنك تخاطب جمهورا متنوعا، لا يجمعهم جامع سوى "لسان الضاد"، فأنت تجد نفسك مكرها على القفز من فوق "زواريب" السياسة المحلية في بلدك، التي لا يعرفها ولا يُعنى بها، سوى أهلها، أو بعض أهلها في كثيرٍ من الأحيان، وهو أمر له ما له وعليه ما عليه، فهو من جهة يُنجيك من "طبقات الرقابة" المتراكبة في مجتمعاتنا من سفارات وهويات دينية واجتماعية، بيد أنه من جهة ثانية، ينحو بما تكتب صوب التجريد والتعميم، وبصورة قد تُخلّ بمقتضيات "التحليل" في بعض الأوقات.

على أنك وأنت تكتب لموقع يتخذ مقرا له على مبعدة عشرة آلاف كلم، تبقى ملاحقا بهاجس "الرقابات"، حكومية وغيرها، من حكومة بلدك وحكومات الجوار القريب والبعيد، سيما بعد أن تعاظمت وطأة تأثيرها لاعتبارات "الجيوبوليتك" و"العلاقات الخاصة والمميزة"...أنت لا تشعر أنك حرٌ تماما، حتى وأنت تكتب لموقع "الحرة".

ذات ظهيرة، اتصل بي الصديق ألبرتو فيرنانديز، ومعه بدأت حكاية المقال الأسبوعي، كنت عرفته عندما كان دبلوماسيا رفيعا في سفارة الولايات المتحدة لدى عمّان، وكان شغل موقع الملحق الثقافي، ولقد وجدنا يومها شيئا مشتركا، فهو قضى سنوات في دمشق، وأنا فعلت الشيء ذاته، وإن في مراحل مختلفة، وكانت لديه شبكة واسعة من العلاقات مع المثقفين السوريين، وكنت كذلك، وكان هذا الموضوع على الدوام، يحتل مساحة بارزة في نقاشاتنا، ولطالما رتبنا أنا وإياه لقاءات لشخصيات أميركية ثقافية وسياسية وازنة في مركز القدس للدراسات السياسية، صحبة نخبة محترمة من سياسيي الأردن ومثقفيه.

ألبرتو كان قد تسلم للتو مسؤولياته في المؤسسة التي تصدر عنها "قناة الحرة" و"راديو سوا" و"موقع الحرة الإخباري"، طلبني لكتابة مقال أسبوعي، متعهدا بأن يحترم ما أكتب، وأظنه كان على علم بتوجهاتي السياسية والفكرية، ولكنه أراد للموقع أن يصبح منصة للحوار والجدل والتعدد.

ذات مرة، أثير نقاش حول هوية كتاب الحرة، وأُخذ على الموقع أنه ينتقيهم من أبناء مدرسة سياسية وفكرية واحدة تقريبا، يومها "غرد" فيرنانديز نافيا "الاتهام"، مستشهدا بتواجد أسماء وكتاب من خارج هذه المدرسة، ولقد ذكرني من بين آخرين، بوصفنا شهودا أحياء على تهافت الاتهام...مع أنني أشاطر أصحاب "الاتهام" بصرف النظر عن نواياهم، بأن غالبية الزملاء وليس جميعهم بالطبع، ينتمون لمدرسة في الفكر والسياسة، معروفة توجهاتها وخلفياتها، وهي في مطلق الأحوال، مدرسة حاضرة بقوة في دولنا ومجتمعاتنا، اتفقنا معها أم اختلفنا.

حرص الرجل على استحداث انطلاقة في مسار ومسيرة القناة والراديو والموقع، المتعثرة نسبيا، ولقد استعان بنخبة من الإعلاميين المجربين، أذكر منهم الزميل نارت بوران، الذي شغل موقع مدير عام مؤسسة الإذاعة والتلفزيون في الأردن، وكان مؤسسا لعدد من الفضائيات في الإمارات، ولقد زاملته في عمان، حين كان مديرا للمؤسسة، وكنت أقدم برنامجا حواريا على شاشة التلفزيون الأردني بعنوان "قضايا وأحداث"، ولقد كان الرجل مهنيا بامتياز، وتعين على أن يجذّف في بحر متلاطم الأمواج وهو يدير مؤسسة تتجاذبها رياح التأثير من مختلف مراكز القوى وصنع القرار في البلاد، كان الله في عونه، وعون أسلافه وخلفائه.

خلال هذه الرحلة مع "الحرة" كتبت 280 مقالا أسبوعيا، بمعدل وسطي 1200 كلمة للمقال الواحد، أي ما يعادل "336000 كلمة"، لم يتعثر منها سوى مقالات ثلاثة، اثنان لاستبدال عبارة بأخرى أو شطب كلمة، وآخر لأنني كنت كتبته مبكرا، ولقد جرت أحداث كثيرة ما بين كتابته ونشره، فاستوجب استبداله بمقال آخر... بلغة الإحصاءات، أقل من 1 بالمئة من مقالاتي أثارت نقاشا مع المحرر، لكن الأهم، أن أحدا في فيرجينيا لم يكن ليخطر بباله استبدال كلمة بأخرى، أو شطب كلمة، دون استئذان وموافقة من الكاتب، حتى في تلك المرات النادرة التي أتيت على ذكرها، وتلكم بالنسبة لشخص سبق أن منعت له ثمانية مقالات في شهر واحد، تجربة مثيرة للاهتمام.

لست هنا في باب كيل المديح لموقع أغادره ما أن يرى هذا المقال النور، ولكنني أصدر عن تجربة شخصية في الكتابة وهوامش الحرية المتاحة للكاتب، لأضيف إلى ما سبق ذكره، أنني اعتنيت بمقالتي الأسبوعية على موقع الحرة، أكثر من غيره، لكل الأسباب التي أوردتها، ولسبب آخر إضافي، أن الكاتب يرغب في "توثيق" و"تسجيل" مواقفه من أهم الأحداث والتطورات والظواهر الكبرى التي تشغل باله، وما يحول بينه وبين فعل ذلك، إما غياب المنبر، في ساحة إعلامية – صحفية عربية مستقطبة إلى أبعد حد، أو للقيود الصارمة التي تصاحب الكتاب في صحف ومنابر محلية وعربية.

وكان من دواعي سروري واعتزازي دائما، أن الزملاء في "راديو سوا" لطالما استخدموا المقال الأسبوعي مادة/موضوعا لحلقة إذاعية، غالبا ما كنت ضيفها أو أحد ضيوفها، بالنسبة للكتّاب، كان ذلك بمثابة حافز إضافي، يدفعه للتفكير في اختياراته والاهتمام بجودة ما يكتب.

موقع الحرة، كما أبلغني الزميل بهاء الحجار، قرر إغلاق باب كامل من أبوابه تحت عنوان "من زاوية أخرى"، وفيه كانت تحتشد مقالات الرأي من لبنان والعراق والمغرب العربي والأردن وغيرها... أحزنني ذلك، لاسيما أن المقال لم يعد على ما يبدو جاذبا للقراء الذين يتجهون بكثرتهم، الشابة خصوصا، إلى "التك توك" و"الإنستغرام" والفيديوهات القصيرة، بحساب الربح والخسارة، من العبث الاستمرار في استثمار كهذا، في حين يمكنك أن تجتذب جمهورا أوسع، لو أنك وضعت مواردك في مكان آخر.

هي "قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة، ولقد سبقني الزميل على هذا الموقع، حسن منيمنة، لرثاء المقالة المكتوبة، قبل أيام، فلا حاجة بي لمزيد من "الرثائيات"، وعلينا أن نسلّم بحقيقة أن العالم يتغير، وأن فنونا وألوانا من العمل الإعلامي والصحفي قد شقت طريقها للانقراض. نقول ذلك، ونحن معشر المشتغلين بالصحافة والمقالة المكتوبة، يعتصرنا الألم والإحساس بـ"اللاجدوى".

هو فصل جديد، سبق أن انتهت إليه كبريات من الصحف والمجلات في العالم، والعالم العربي، وفي ظني أن "الحبل على الجرار"، فمن بقي من هذه الصحف واقفا على قدميه، إنما نجح في ذلك بأعجوبة، أو بتمويل سخي، طافح بالأجندات والاستهدافات السياسية، إلا من رحم ربي، واستطاع أن يجد لنفسه موطئ قدم في ميادين الإعلام الجديد وعوامل السوشال ميديا والمرئي والمسموع، وإلى لقاء على منصة أخرى، وتجربة مختلفة.