إيرن تتحالف مع روسيا في سوريا وعينها على اتفاق نووي مع الغرب
إيرن تتحالف مع روسيا في سوريا وعينها على اتفاق نووي مع الغرب

ليس صدفة أن تتقارب مواقف دول شرق أوسطية مثل ايران والسعودية وإسرائيل في مواقعها من الغزو الروسي لأوكرانيا! فالشرق الأوسط هو أكثر المناطق التي تمكن فلاديمير بوتين من مد علاقات فيها مع الأنظمة، وأقام فيها مسارح نفوذ متفاوتة ولكن صلبة. تحالف مع إيران في سوريا، وأقام صداقة متينة مع حكومات تل أبيب، وشراكات ومصالح مع أنظمة الخليج العربي. والنتيجة موقف إيراني إلى جانب بوتين في الغزو، وان كان غير حاسم، ومساع إسرائيلية لإنقاذ الصديق الجانح في الكرملين، بينما يمارس الخليج تقية وصمتاً مريبان تراوحا بين ترحيبه بالحرب بوصفها مصدراً لعائدات إضافية بسبب ارتفاع أسعار النفط، وبين مشاعر انحياز ضمني ومراوغ لـ"الصديق الروسي". 

لكن لتقارب المواقف غير المنسق هذا وجه آخر يعنينا أكثر مما يعني العالم، ويتمثل في أن هذا التقارب صادر عن أنظمة تختلف في طبيعتها، وتتشابه في درجة قربها مما يمثله فلاديمير بوتين على هذا الكوكب. فزعيم الكرملين يمت بشبه للنموذج التوسعي لليمين الإسرائيلي في سعيه لابتلاع القدس والضفة الغربية، وهو غير بعيد عن نظام الملالي في طهران سواء لجهة علاقته بمواطنيه أو بنفوذه وطموحاته خارج الحدود، أما صلته بالإمارات والممالك الخليجية فمستمدة أيضاً من طبيعتي الأنظمة الأوليغارشية في روسيا والخليج، ومن قطيعة مع أي التزامات تسوقها غير مصالح النخب والعائلات الحاكمة. 

والحال أن البؤر الشرق أوسطية الثلاث، أي إيران وإسرائيل ودول الخليج، تقيم في مقابل خذلانها أوكرانيا، علاقات متفاوتة ولكن صلبة مع الغرب. الخليج وإسرائيل يرتبطان معه بتحالف عضوي، فيما باشرت طهران مفاوضات من المفترض أن تفضي قريباً إلى اتفاق يحدد مستقبل علاقاتها السياسية والاقتصادية مع هذا الغرب. ويبدو واضحاً أن هذا الغرب بعد الغزو الروسي لن يكون هو نفسه قبلها، أو هكذا نأمل. الدرس الأوكراني من المفترض أن يكون قد أحدث فارقاً في فهم أوروبا لنفسها وفي استيعابها الطريق الذي سلكه بوتين إلى كييف وما يعنيه ذلك من احتمالات زحفه غرباً.  

الشرق الأوسط هو أكثر المناطق التي نجح بوتين في إنشاء شبكة علاقات فيه معتمداً على طبيعة الأنظمة وعلى قابليتها لاستقبال نفوذ من خارج ما تمليه العلاقات مع الدول الكبرى من شروط ومن قواعد في التعامل. فإسرائيل لا تمانع من تحالفه مع طهران في سوريا وتنظم معه شكلاً من العلاقة فيها قائم فقط على تصريف المصالح الأمنية. هذا تماماً ما تفعله طهران من خلال تصريفها حاجات عدوها عبر صمتها عن الضربات الإسرائيلية المتواصلة واليومية في سوريا. نحن هنا حيال نوع مافياوي من العلاقات البينية بين هذه الدول. أما دول الخليج، فأكثر ما يريحها في بوتين فهو انعدام الشروط غير الريعية في العلاقة معه. 

لكن وفي طريق العودة من الحرب الأوكرانية سيكون سهلاً على الأنظمة الشرق أوسطية الثلاث مباشرة خطوات ابتعاد عن الحليف غير المعلن في الكرملين، ذاك أن المصالح العارية من أي التزامات، والتي أملت العلاقة معه ستنقلب. بوتين "القوي" هو من جعل من العلاقة مع روسيا مصلحة، ومن استدرج طهران والرياض وتل أبيب، أما بوتين المحاصر والملوح بالسلاح النووي فلن يشكل إغراء. 

مؤشرات الابتعاد بدأت تلوح من الخليج الذي وصله رئيس الحكومة البريطانية بوريس جونسون بحثاً عن مصادر بديلة للنفط الروسي، ومن الصعب ان لا تستجيب أبو ظبي والرياض، تماماً مثلما استجابت فنزويلا للعرض الأميركي. فالعلاقة مع العالم تتقدم نزوة العلاقة مع بوتين، والمصالح هناك فرصة لا يمكن تفويتها، والأسواق لا تقيم وزناً لغير العائدات. 

لكن هذه الدوامة تنطوي أيضاً على احتمالات مواصلة الشروط التي أنتجت البوتينية. فالعالم سيعيد تعويم أنظمة سبق أن اختبر نموذجها في أوكرانيا. النظام في إيران في طريقه لالتقاط أنفاسه، وأنظمة الخليج سيجري ضخ مزيد من الثروات في خزائن حكامها، وإسرائيل التي استثمرت في البوتينية في سوريا لن يعيق غاراتها تعثر زعيم الكرملين في أوكرانيا، لا بل أن تعثره سيدفعه إلى مزيد من التنازلات لها. 

لكن الرهان يبقى على أن الصدمة التي أحدثها غزو أوكرانيا من المفترض أن تدفع العالم إلى سؤال نفسه: كيف ولد الوحش؟ فهذا العالم لم يضع شروطاً لاستيعاب البوتينية في دوراته السياسية والاقتصادية والمالية! تعامل معها كمصدر لتعزيز الثروات ولهضم التركة السوفياتية، من دون أن يبدي حساسية حيال صدورها عن قطيعة مع كل القيم الليبرالية. الاستعاضة عن البوتينية بالأنظمة الاوتوقراطية في إيران والخليج، ومواصلة الصمت عن النظام التوسعي في إسرائيل، تفتح الباب أمام غزوات مشابهة لغزو أوكرانيا.                

متى يفيق رجال الدين للحقيقة من دون إقحام الدين في العلم؟. أرشيفية - تعبيرية
"متى يفيق رجال الدين للحقيقة من دون إقحام الدين في العلم؟" أرشيفية - تعبيرية

يحتدم الجدل بين العديد من رجال الدين الذين يصفون أنفسهم بأنهم "علماء" وبين مفكرين داعين إلى التنوير يرون ولعدة أسباب أن كلمة "علماء" لا يمكن أن تنطبق بأي حال على رجال الدين.

فشيوخ الدين يعتمدون على آية في القرآن الكريم تقول: "أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ" (سورة الشعراء 197).

وعلى النقيض من هذا الفهم للآية تماما يقول العديد من المفكرين ودعاة الاستنارة، مثل الدكتور خالد منتصر وغيره أن كلمة "علم" و"علماء" لا ينبغي أن تطلق على الدين ورجاله، لأن أساس العلم هو الشك في المعلومة ووضع أي فكرة للتجربة لإثباتها بالدليل القاطع في حين أن الدين قد ينهار تماما إذا طبقنا هذه القواعد عليه.

فهل يستطيع مثلا أن يثبت لنا رجال الدين بالتجربة العملية أن البخاري كان دقيقا في بحثه وهل يستطيعون أن يثبتوا بالدليل القاطع ما ينسبونه للرسول من أحاديث؟ وهل بإمكانهم إعطاؤنا البرهان الحاسم أن فهمهم لرحلة الإسراء والمعراج وفرض الصلاة فيها هو الحقيقة المطلقة؟ 

الرد ببساطة ....لا! فهم لا يملكون دليلا علميا واحدا خاضعا لقواعد البحث العلمي ليبرهنوا على مفاهيهم الدينية، فكيف لنا أن نصفهم بأنهم "علماء" أليس في هذا خداع لكلمة "علم" وتعبير "علماء"؟

والحقيقة في هذا السياق أن القرآن حينما عرّف كلمة "علماء" لم يتكلم على الإطلاق عن رجال الدين ودعونا نتأمل للحظات في هذه الآية الكريمة والتي يستخدمها الكثيرون لإعطاء رجال الدين صفة "علماء".

فالآية تقول: "إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ" (سورة فاطر آية 28).

ولكن ما ذكره القرآن الكريم قبل الآية يوضح تماما أن المقصود بكلمة "علماء" في هم من يدرسون ويبحثون ويتفكرون في خلق السموات والأرض، فالآية تقول ما يلي: "أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ" (سورة فاطر آية 27-28).

أي أن الآية التي يستخدمها رجال الدين لوصف أنفسهم بصفة "علماء" كانت تتكلم عن نزول المياه من السحب وإخراج الثمرات الجميلة من الأرض وتنوع الخلق وألوان الثمار وعجائب خلق الجبال والطيور، ولم تكن كلمة "علماء" تعني كما يظن البعض، أو الكثيرون، تتكلم عن فقه السنة وآداب الجماع ونكاح "الصغيرات" وشرب بول البعير وإرضاع الكبير وغيرها من الأمور التي أطلق عليها شيوخ الدين كلمة "علم" أو "علوم" ومن ثم أسموا أنفسهم بالعلماء.

وتتفق الآية السابقة "كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء" مع روح القرآن الكريم الداعية للبحث والتأمل في الخلق من حولنا. وتجلت هذه الدعوة وهذه الروح القرآنية في العديد من الآيات مثل "قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ" (سورة العنكبوت آية 20).

ومثل "إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَاب  الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ" (سورة آل عمران آية 190-191).

ومما زاد الطين بلة هو محاولة بعض رجال الدين  إقحام الدين في العلم والطب والذي تسبب في ابتداع أمور لها علاقة بصحة الناس دون أي دليل علمي  يؤكدها. فالكثير منا يعرف حديث الذبابة: "عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم 'إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه ثم لينزعه، فإن في أحد جناحيه داء وفي الآخر شفاء'"، أخرجه البخاري، وأبو داود.

والمضحك المبكي أن بعض رجال الدين يقولون إن العلم أثبت "حديث الذبابة" دون إعطاء مرجع علمي واحد محترم يؤكد زعمهم.  

وإذا كان الأمر هكذا في حديث الذبابة فما بالنا بالحديث التالي: "ورد حديث في صحيح البخاري عن عائشة رضي الله عنها إنها قالت: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) إن الحبة السوداء شفاء من كل داء"!.

فهل إذا كان هذا الأمر حقيقي فلما ذهب أو يذهب كبار رجال الدين مثل "الشيخ الشعراوي" وغيره للعلاج في مستشفيات الغرب حينما يمرضون! وهل يجرؤ أحد هؤلاء الشيوخ الذين يروَّجون لمثل هذا الحديث على أنه "علم" أن يتناولوا سما قاتلا ويتناولون بعده الحبة السوداء لإعطائنا الدليل العلمي والبحث التجريبي الذي يؤكد هذا الأمر؟

وقد يكون للحبة السوداء أو حبة البركة كما يطلق البعض عليها فوائد طبية, ولكنها بالقطع ليست شفاء لكل داء!

فمتى يفيق رجال الدين للحقيقة ويمكثون في مساجدهم دون محاولة إقحام الدين في مجال العلم لأنهم بالقطع سيخسرون في هذه المواجهة، لأن معظم ما يقولونه، على عكس العلم الحقيقي،  ليس عليه دليل علمي واحد يؤكده.