برج إيفيل وتمثال المارشال جوزيف جوفر في باريس
الذين يعادون الحضارة الغربية والذين يسعون للصدام معها هم في الغالب نوعان

في عالم اليوم توجد حضارة واحدة فقط وهي الحضارة الغربية. وأقول الغربية اصطلاحا لأنها في الواقع حضارة إنسانية. فهي نشأت في الغرب لكنها سرعان ما اتخذت طابعا عالميا وإنسانيا شاملا. ونحن نشهد اليوم إن جاز التعبير "نكهات" مختلفة لهذه الحضارة. فهناك النكهة الأوروبية باختلاف دولها وهناك النكهة الأميركية والكندية والأسترالية واليابانية والإسرائيلية.. الخ.

جميع هذه الدول تنضوي تحت لواء الحضارة الغربية لكن مع احتفاظها بخصائصها ومميزاتها الثقافية والاجتماعية وتكوينها العرقي وانتمائها الجغرافي. ولهذه الحضارة عمودان. عمود العلم وما يتصل بذلك من أبنية عقلية ومعرفية وطرائق في التنظيم والعمل والتكوين. والعمود الآخر هو النظام الديمقراطي وما يتصل به من دساتير ومؤسسات مدنية تقوم على أساس العلمانية وحكم القانون وفصل السلطات وتأمين الحقوق والحريات الأساسية للمواطنين.. الخ.

الاقتراب أو الابتعاد عن هذه الحضارة هو مؤشر على نوعية الصلة التي تجمعنا بالعصر وقيمه. بينما تعكس مساهمتنا في هذه الحضارة أو عدمها مقدار النجاح أو الفشل في انجاز التقدم والنهضة.

الذين يعادون الحضارة الغربية والذين يسعون للصدام معها هم في الغالب نوعان، وكلاهما ينتمي للماضي، نوع يتصور أن بإمكانه إنشاء حضارة مغايرة، إما على أساس ديني أو قومي، وهذا نوع متوهم لأن الزمن قد تخطى ذلك ولم يعد ثمة معنى أو إمكانية واقعية وربما حاجة أيضا لهذا الأمر. 

والنوع الآخر يفضل النموذج الاستبدادي والديكتاتوري القائم على حصر القوة والنفوذ في شخص أو مجموعة صغيرة من الأشخاص. وقد رأينا كيف أن هذا النوع الثاني بالذات، لا ينتج حضارة كما يدعي، بل هو سرعان ما يدمر كل مظاهر الحضارة القائمة ويسارع إلى الحروب والكوارث وتفتيت الدول وتدمير المجتمعات.

إن مكمن القوة في الحضارة الغربية لا يكمن في السلاح أو الثروة المادية كما يعتقد، رغم أهمية ذلك بالطبع، ولكن في أن عناصر هذه الحضارة محايدة، فهي ليست دينية أو أيديولوجية أو قومية. هي تقوم على العلم والاقتصاد والحرية وكلها قيم محايدة، ويمكن تبنيها في أي مجتمع من دون أن يخلق ذلك أية مشكلات أو تناقضات.

إن التناقض الوهمي الذي يقيمه الدعاة الأيديولوجيون أو الدينيون بين الحضارة الغربية وبين الثقافات والأديان الخاصة بالمجتمعات المحلية، سببه الحقيقي هو السياسة والرغبة في إبقاء السيطرة على هذه المجتمعات. 

لكن بالمقابل يدرك هؤلاء أنه في عالم اليوم يصعب تحقيق تقدم اقتصادي أو تكنولوجي أو علمي حقيقي من خلال إدارة الظهر للحضارة الغربية أو التصادم معها. لذلك يلجؤون إلى الانتقائية، فيأخذون ما يقولون إنه يفيدهم ويتركون ما يقولون إنه يضرهم.

وفي حقيقة الأمر المسألة لا علاقة له بالفائدة أو الضرر، وإنما لها علاقة بما يعتقد هؤلاء أنه يؤمن سلطتهم وسيطرتهم على مجتمعاتهم في المقام الأول.  وهذه الانتقائية قد تنجح في شراء بعض الوقت للأنظمة الاستبدادية، لكنها مع الزمن تشوه الدول والمجتمعات وتدخلها في مسارات كارثية.

وهذا على الأقل ما تعاني منه معظم الدول العربية والإسلامية اليوم، حيث يصعب وصف النموذج الذي تسير عليه. فهي من جهة تبدو بعيدة تماما عن أية مساهمة في الحضارة المعاصرة، وهي من جهة أخرى تأخذ ببعض منتجات هذه الحضارة وترفض بعضها الآخر. وفي الإجمال هي تعاني مما يمكن أن نطلق عليه عوارض الفشل في التكيف مع الحداثة. 

ومع ذلك فإن الوهم المسيطر على الأفكار والأذهان في المنطقة هو تحدي الحضارة الغربية والحديث عن إمكانية استبدال هذه الحضارة أو على الأقل العمل على إضعافها وتخريبها. ويذهب الوهم إلى مسافة أبعد حيث يجري تحبيذ الوقوف إلى جانب أنظمة الاستبداد في العالم وتلك التي تروج للخرافة ونظريات المؤامرة ومشاعر الكراهية والتي تتنكر للحقوق الأساسية للإنسان وخاصة تلك المتعلقة بالفئات الضعيفة في المجتمع مثل النساء والمثليين.

إن أكثر ما يحز في النفس هو أن الوقت والجهد الذي يهدر في تكريس العداء للحضارة الغربية، كان الأجدى أن يستغل في رفع جاهزية الإنسان العربي والمسلم للانضمام إلى هذه الحضارة والمساهمة فيها، والذي يبدو أن الأمل الوحيد لحدوثه هو إصلاح منظومة التعليم لجعله قائما على العلم ومتوافقا مع قيم الحضارة المعاصرة والذي للأسف لا توجد نوايا أو مؤشرات على حدوثه في المستقبل القريب.

معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية
معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية

السائد تقليدياً، التعامل مع الفقر كموضوع للإحسان من منظار ديني. لأن الدين يعتبر جزءا مهما من تكوين الهويات الجماعية، فهو يمنح قاعدة للتضامن الاجتماعي والحشد السياسي. لكن الفقر أصبح موضوعا سوسيولوجيا للدراسة في مطلع القرن الماضي. ويعتبر الفقر الآن أحد اشكال العنف التي يتعرض لها الانسان.

تاريخياً الفقراء هم البشر غير المرئيين، شخوص خرساء، إنهم الذين "لا صوت لهم" إلا كآثار عابرة تركوها عنهم من لا يعانون الفقر. التاريخ لم يعرف للفقراء حضورا أو صوتا. فالتاريخ لم يكن ينقل لنا سوى سِير وحكايات الملوك والأمراء والحكام وأبطال المعارك العسكرية، سواء في لهوهم او في عنفهم. لم يُذكر الفقراء إلا في معرض الشفقة وطلب الإحسان.

انتظر الفقراء بتواضع على عتبة التاريخ حتى مطالع القرن الماضي، قبل أن يتم التعرف عليهم، لكن بشروط.

لكن ما هو الفقر؟

في الفرنسية نسقط في الفقر كما في حفرة ونهوي في ظلمات العوز. في العربية أيضاً، فَقَرَ حفرة أي حفرها، فقُر الرجل: أي كسر فقار ظهره. فقر الخرز أي ثقبه. وفي الحالين نجد معنى السقوط والتدهور والانحلال وانكسار الظهر. وغالباً ما يكون الفقر مسؤولية صاحبه أو قدره. يصبح عندها كعاهة لا يمكن الاعتراض على وجودها!

وهذا ما يتوجب معالجته، إبطال فكرة الاستسلام أمام حالة الفقر. إنها مسؤولية الدولة وسياساتها والمجتمع والحروب والمجاعات والكوارث الطبيعية والأزمات الاقتصادية المنتجة الأساسية له.

حالة الفقر وضعية يخضع لها الفقير. تظل آنية أو تصبح دائمة. حالة ضعف وتبعية وتواضع، تتسم بالحرمان من الموارد وحرمان من المال والسلطة والنفوذ والعلم وشرف المحتد، أو من القوة الجسدية أو القدرات العقلية أوالحرية. وذلك بحسب الحقب والمجتمعات. الفقر مهين للكرامة الشخصية ويضم كل المستبعدين من المجتمع السوي.

تغيرت في القرن الحادي والعشرين معايير قياس الفقر عموماً، وبحسب تقرير التنمية البشرية لـ2019 حصل تقدم ملحوظ في الحد من أشكال الحرمان الشديد، فقد أفلت من براثن الجوع والمرض والفقر في أنحاء العالم عدد غير مسبوق من الناس الذين قفزوا فوق الحد الأدنى لمعيشة الكفاف.

لكن جائحة كوفيد، والحرب الدائرة في أوكرانيا، والعنف المستمر في العالم وفي العالم العربي، والزلزال في تركيا وسوريا مؤخراً، تسببت بإفقار الكثير من الدول العربية ومن دول العالم النامي.

منذ ما قبل هذه الأزمة كان عدم المساواة مستشرياً. فرغم التقارب النسبي في الإمكانات الأساسية لدى الكثير من الدول، أي غذاء وتعليم وصحة، لدينا تفاوت كبير علىى صعيد الإمكانات المعززة والنوعية التي تطال الحصول على الخدمات الصحية الجيدة أو خدمات التعليم الجيدة والحصول على التكنولوجيات، مما يوفر المناعة تجاه الصدمات الجديدة غير المعروفة.

في العالم العربي لا يزال الفقر المدقع من أعلى المستويات. انظر: "الفقر في العالم العربي.. أرقام صادمة"، الحرة 16 ديسمبر 2018.

تميز القرن العشرين بالنصوص العالمية المتعلقة بحماية حقوق الإنسان. من بينها الحق بتكوين أسرة والحق بحماية الحياة الأسرية. لكن هذا التطور لم يعبر عن نفسه على مستوى الواقع بشكل أتوماتيكي. ظلت الأسر الفقيرة منبوذة على هامش المجتمع ومعتبرة غير مؤهلة. لكن تطور النظرة إلى الحقوق الأساسية للإنسان أدّى الى ولادة اليوم العالمي للقضاء على الفقر في 17 أكتوبر 1987.

وقد أعلنوا أن الفقر يُشكل انتهاكا لحقوق الإنسان وأكدوا الحاجة إلى التضامن بغية كفالة احترام تلك الحقوق. 

لا يمكن الحديث عن الكرامة الانسانية في ظل الحروب والعنف العسكري والاجتماعي. 

الحديث عن كرامة في غياب المساواة ضرب من الخيال. والثقافة التقليدية تساهم في جعل اللامساواة مبررة ومقبولة واعتبارها أقرب إلى الصفات الوراثية.

ومع أن هناك إجماع على الاعتراف بحقوق المرأة، وبالمساواة بينها وبين الرجل، في أكثرية دساتير البلدان العربية. غير أن مجرد وجود ضمانات دستورية تكفل حق المرأة ولا يتجسد بالضرورة واقعا تحقق فيه المرأة كامل حقوقها المدنية والقانونية والسياسية.

تتسم أوضاع النساء العربيات عموماً بالهشاشة، خصوصاً في البلدان التي تعاني من سوء التنمية او الحروب؛ مما يزيد عدد الأرامل، وبالتالي الأسر التي تديرها المرأة بمفردها. وهذا أحد أهم مسببات الفقر المستدام، لأنهن عندما يدخلن دائرة الفقر فهن معرضات للبقاء فيها. 

من هنا بروز مفهوم تأنيث الفقر، وتصفه اليونيفيم (UNIFEM)  بأنه "عبء الفقر الذي تتحمله المرأة، خاصة في الدول النامية"، فتعاني من مستوى معيشي منخفض لا يكفي لتغطية الاحتياجات المادية والمعنوية مما يؤثر سلبا على الاحترام الذاتي للفرد أو للمجموعة.

 وهو ليس نتيجة لضعف الدخل فقط، بل أيضا نتيجة للحرمان من الإمكانيات والتحيزات الجنسانية الموجودة في كل من المجتمعات والحكومات. وهذا يشمل فقر الخيارات والفرص، مثل التمكن من عيش حياة طويلة وصحية وخلاقة، والتمتع بالحقوق الأساسية وبالحرية والاحترام والكرامة.

ويرتبط هذا المفهوم بمستوى المعيشة العام داخل المجتمع، كما يرتبط بكيفية توزيع الثروة ومكانة الفرد في مجتمعه، وبتوقعاته الاجتماعية والاقتصادية.

ونتائج الفجوات بين الجنسين في التوظيف، وأنشطة الأعمال، والحصول على التمويل، لا تكبل الأفراد فقط بل الاقتصاد برمته. ما يؤخر نمو وتقدم المجتمع. 

لذا هناك اهتمام كبير الآن بتعزيز روح التضامن العالمي، بالتركيز على حاجات الفئات الأضعف والأشد فقرا. كما  يجب الاعتراف وتشجيع الدور الذي يضطلع به القطاع الخاص المتنوع، ابتداء من المؤسسات المتناهية الصغر ومرورا بالتعاونيات وانتهاء بالشركات الكبرى؛ إضافة الى الدور الذي تضطلع به منظمات المجتمع المدني والمنظمات الخيرية في تنفيذ الأعمال المطلوبة.

للعمل الخيري القدرة على رفع آثار الأضرار المترتبة عن الأزمات الإنسانية، كما أن له القدرة على دعم الخدمات العامة في مجالات الرعاية الطبية والتعليم والإسكان وحماية الأطفال. والعمل الخيري فاعل جدا في تحسين الثقافة والعلوم والرياضة وحماية الموروثات الثقافية، فضلا عن تعزيزه لحقوق المهمشين والمحرومين ونشر الرسالة الإنسانية في حالات الصراع.

من المعلوم أن المجتمع المدني أقوى من الدولة في التجربة اللبنانية، فلقد اضطلع دائما بالجوانب التي تقصر بها الدولة، وبرز دوره خصوصاً في السنوات الأخيرة. فمنذ جريمة انفجار المرفأ في 4 آب عام 2020، تكفل المجتمع المدني والجمعيات الخيرية الاضطلاع بمسؤولية كافة المهام التي خلفها الانفجار، وقام مقام الدولة في ظل غيابها التام. فمن إسعاف المرضى إلى رفع الأنقاض والترميم إلى تدبير مساكن ومساعدات عينية لمن فقدوا منازلهم وهم بالآلاف. كل ذلك تكفلت به الجمعيات الخيرية والجمعيات المدنية. 

لكن، إذا كان العمل الخيري ضروري ويقوم بخدمات جليلة للمجتمع وللأفراد، ينبغي الحذر من أن يخلق مشكلة الاتكالية عند تلقي المساعدات بشكل دائم. فيتحول الفرد إلى كسول مفتقد لروح العمل يعتاش على الصدقات ومشاريع الإغاثة، فيتجذر الفقر. ونكون بهذا نتسبب بالضرر للمجتمع عندما نحول أفراده الضعفاء إلى معتاشين دائمين.

من هنا أهمية وضع برامج تهتم، إلى جانب المساعدة، بتوعية المستفيدين مع التدريب على برامج تنموية وإكساب معارف وتقنيات تساهم في تمكينهم  كي يستقلوا ويصبح باستطاعتهم تلبية حاجاتهم وحاجات أسرهم.

مشكلتنا ليست في الفقر فقط، فهو يوجد في أغنى الدول وأكثرها ترفا، ولكن في عدم قدرتنا على اجتثاث مسبباته والأخذ بيد الفقراء حتى يعتمدوا على أنفسهم، بل أيضاً في تفعيل عمل المؤسسات الرسمية والوزارات والقدرة على مواجهة الأزمات وتحويلها إلى فرص.

**ألقيت هذه الكلمة في جلسة افتتاح "القمة العالمية للمرأة"، التي أقيمت في أبوظبي بين 21-22 فبراير 2023، برعاية سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك، وشاركت فيه سيدات فاعلات من مختلف أنحاء العالم.

هذه الورقة ستكون آخر مساهمة لي في صفحة "من زاوية أخرى"، التي رافقت همومنا وتطلعاتنا، لأن الموقع قرر إغلاق هذه الصفحة، من ضمن الاتجاه العام في التحول من الصحافة الورقية المكتوبة إلى الرقمية، ثم إلى – البصرية.

وسوف نفتقد بحسرة هذه المساحة الحرة التي ضمت نخبة من الاقلام العربية التي كتبت فيها بحرية تامة (مفتقدة في معظم الإعلام العربي، إذا لم يكن كله) ومن دون قيود أو رقابة من أي نوع، وحتى في نقد سياسات مرجعيات الحرة نفسها؛ شرط احترام الدقة والموضوعية والاستناد إلى مصادر موثوقة. والأسف على إغلاقها يعود لحاجتنا الماسة لهذه الأقلام الحرة في هذه اللحظات المصيرية التي تواجهها المجتمعات العربية.

لكن ما باليد حيلة، فالسياسات والحاجات، مهما كان مصدرها، لا تتماشى بالضرورة مع مصالح الشعوب. فوداعاً.