البطريرك كريل، أسقف الكنيسة الروسية الأرثوذكسية
البطريرك كيريل دائما ما يبارك حروب بوتين

منذ احتدم الغزو الروسي لأوكرانيا، كثرت المناشدات الروحية العالمية لبطريرك "موسكو وسائر روسيا" كيريل، من أجل أن يتدخّل لوضع حدّ للحرب ولإعلاء لواء السلام. 

ولم تصدر هذه المناشدات عن عبث، فالبطريرك كيريل يكاد يكون المرشد الروحي للرئيس الروسي فلاديمير بوتين، إذ يتقاسم مع من اعتبره، في العام 2012، "معجزة اللّه"، النظرة نفسها الى عظمة روسيا، وهو لم يتردّد في دعمه في كل الحروب التي شنّها، لا بل ثمّة من يعتقد، وربّما عن حق، أنّه أصدر نوعاً من "الفتوى" الدينية لتغطية غزو أوكرانيا. 

ولم يخض بوتين أيّ حرب من دون أن يعطيها بعداً دينياً يحظى بمباركة البطريرك كيريل، فدخوله الى سوريا، مثلاً، وفق تصريحات صادرة عنه وعن أركان حكومته وجيشه، لم يكن يهدف الى الحفاظ على النظام فحسب، بل إلى "حماية المسيحيين في سوريا التي هي مهد المسيحية، إذ كانت مهدّدة باختفاء جميع المواطنين الذين يعتنقون الديانة المسيحية"، وفق تعبير وزير الخارجية سيرغي لافروف، الأمر الذي كان قد دفع ببطريرك "موسكو وسائر روسيا" الذي يصفه كثيرون بأنّه "مسيّس كثيراً"، عند إصدار بوتين أوامر التدخّل العسكري في سوريا، الى نشر بيان اعتبر فيه "أنّ روسيا اتّخذت قراراً مسؤولاً باستخدام القوة العسكرية لحماية الشعب السوري من المعاناة التي يلحقها بهم الإرهابيون". 

وفي المسألة الأوكرانية، لم يغب البطريرك كيريل عن دعم فلاديمير بوتين، بل اعتبر، بعد ثلاثة أيّام على بدء الغزو، أنّ "العملية العسكرية الخاصة" التي شنّها إنما تهدف إلى مواجهة قوى الشر التي تحارب الوحدة التاريخية بين روسيا وأوكرانيا، ومن ثم، وفي التاسع من مارس الجاري، قال إن "جيران الشعب الواحد في كل من روسيا وبيلاروسيا وأوكرانيا سيّئون، ويعملون على تقسيم هذا الشعب، بما يتناقض مع إرادة الله"، ليعود، في الثالث عشر من مارس الجاري ويمنح رئيس "الحرس الوطني الروسي" الناشط في الحرب ضد أوكرانيا أيقونة لتحميه وتحمي ضباطه وجنوده. 

والبعد الديني الذي تضمّنه خطاب فلاديمير بوتين الذي ألقاه، قبل يومين من بدء الغزو الروسي لأوكرانيا، عاد وكرّره، بأدبياته، البطريرك كيريل، في عظة ألقاها في قدّاس خصّصه لسكان إقليم دونباس الأرثوذكس، فوصفهم بأنّهم مضطهدون وأعلن أنّهم يتعرّضون لشتى أنواع القمع والاضطهاد لأنّهم يواجهون ما يُسمّى بالمبادئ التي يحاول أن يفرضها عليهم هؤلاء الذين يزعمون امتلاكهم سلطة دولية ورمزهم هو "يوم الفخر" الذي ينظّمه المثليون، وقال:"إنّ الصراع هو امتداد لصدام جوهري بين العالم الروسي الأوسع والقيم الليبرالية الغربية". 

وكما الرئيس الروسي كذلك بطريرك موسكو وسائر روسيا، لم يستسغ قرار بطريركية القسطنطينيّة منح الكنيسة الأرثوذكسية الأوكرانية، في السادس من يناير 2019، وفي ضوء ترسيخ روسيا لقرار ضم شبه جزيرة القرم، استقلاليتها عن بطريركية موسكو التي كانت تتبع لها، منذ العام 1686. 

المحاولة الأولى لاستقلال الكنيسة الأرثوذكسية الأوكرانية، كانت في العام 1919، لكن جرى إجهاض هذه العملية من قبل "الاتحاد السوفياتي" الناشئ. 

وهذه الكنيسة الأوكرانية المستقلة التي راحت تُحيي قداديسها باللغة الأوكرانية وتعرب عن تأييدها للاتحاد الأوروبي، لم تستطع أن تحظى بتأييد جميع أرثوذكس أوكرانيا ولا باعتراف بعض كنائس أوروبا الشرقية الأرثوذكسية، ولكن مباركة البطريرك كيريل للغزو الروسي، وسّع قاعدتها، حتى اضطر أكثر من ثلاثمائة كاهن كان تابعاً لبطريركية موسكو الى إصدار كتاب مفتوح يعلن فيه إلغاء أيّ ذكر للبطريرك كيريل في القداديس، فيما أعلن عدد من الكنائس الأرثوذكسية في العالم قطع العلاقة مع بطريركية موسكو. 

وإذا كان الرئيس الأوكراني، في حينه، بترو بوروشنكو قد وجد في منح الكنيسة الأوكرانية استقلالها ترسيخاً لاستقلال أوكرانيا عن روسيا، فإنّ كلّاً من فلاديمير بوتين والبطريرك كيريل شنّا هجوماً قوياً على هذا الإجراء. 

وقال الرئيس بوتين إنّ هذا الانفصال سوف يؤدّي الى نزاع عنيف وربما إلى مجزرة، فيما وصف البطريرك كيريل هذا الانفصال بأنّه عدوان خارجي يهدف الى تدمير وحدة الشعب الروسي والقضاء على "وطننا التاريخي المشترك". 

ويتقاسم بوتين وكيريل الرؤية نفسها الى الرمزية القوية لفلاديمير الأوّل، الذي اعتنق المسيحية في القرم، في العام 988، وأقام دولة "كييف روس" التي كانت تضم أجزاء من كل من أوكرانيا وروسيا الحالية وعاصمتها كييف، وحكمها، في ظل تعايش وتنسيق وتناغم بين الدولة والكنيسة، شبيهة الى حدّ ما بهذا التعايش القائم بين بطريركية موسكو وزعيم الكرملين. 

ويعتبر كل من بوتين وكيريل أنّ القرم وكييف هي أراض روسية مقدّسة. 

وفي العام 2016، وإثر سيطرة موسكو على القرم، أقيم نصب لفلاديمير الأوّل في وسط موسكو، ليضاف الى النصب التذكاري الذي سبق أن أقيم له في وسط كييف في العام 1888. 

تأسيساً على ذلك، فإنّ القوى العاملة من أجل وقف الحرب الروسية على أوكرانيا، تتطلّع، بقوة، إلى دور يمكن أن يلعبه البطريرك كيريل. 

حتى تاريخه، يرفض رأس الكنيسة الروسية التدخّل لمصلحة حل لا يراعي الشروط التي يضعها فلاديمير بوتين. 

ولا يرى الخبراء في الشأن الكنسي الروسي أنّ هناك أيّ مجال ليغيّر بطريرك موسكو وسائر روسيا توجهه، فبوتين هو كيريل السياسي وكيريل هو بوتين الديني، وما يريد منه الرئيس الروسي "شبراً" يريد منه البطريرك الروسي "متراً"، لأنّ عظمة روسيا، بالنسبة له، هي انعكاس لعظمة كنيستها، ولذلك ليس من باب الإفراط في المديح كان وصف كيريل لبوتين بأنّه "معجزة الله". 

"قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة. أرشيفية - تعبيرية
"قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة. أرشيفية - تعبيرية

على مدى خمس سنوات وخمسة أشهر، وفر لي هذا الموقع "alhurra.com" مساحة أسبوعية حرة، أخاطب من على منصتها، جمهورا متنوعا، رفقة نخبة من كتاب ومفكرين وإعلاميين وازنين، ومن دون تلك القيود والضوابط التي أثقلت كاهل الكتاب والمحللين والمثقفين في العالم العربي...هنا، وربما هنا فقط، بمقدورك أن تسمي الأشياء بأسمائها، دولاً وحكومات، دون خشية من قوانين "تعكير صفو العلاقة"، ومن غير أن تحسب حساب لأثر ما تكتب على "المساعدات" التي تتلقاها بلادك من هذه الدولة أو تلك.

ولأنك تخاطب جمهورا متنوعا، لا يجمعهم جامع سوى "لسان الضاد"، فأنت تجد نفسك مكرها على القفز من فوق "زواريب" السياسة المحلية في بلدك، التي لا يعرفها ولا يُعنى بها، سوى أهلها، أو بعض أهلها في كثيرٍ من الأحيان، وهو أمر له ما له وعليه ما عليه، فهو من جهة يُنجيك من "طبقات الرقابة" المتراكبة في مجتمعاتنا من سفارات وهويات دينية واجتماعية، بيد أنه من جهة ثانية، ينحو بما تكتب صوب التجريد والتعميم، وبصورة قد تُخلّ بمقتضيات "التحليل" في بعض الأوقات.

على أنك وأنت تكتب لموقع يتخذ مقرا له على مبعدة عشرة آلاف كلم، تبقى ملاحقا بهاجس "الرقابات"، حكومية وغيرها، من حكومة بلدك وحكومات الجوار القريب والبعيد، سيما بعد أن تعاظمت وطأة تأثيرها لاعتبارات "الجيوبوليتك" و"العلاقات الخاصة والمميزة"...أنت لا تشعر أنك حرٌ تماما، حتى وأنت تكتب لموقع "الحرة".

ذات ظهيرة، اتصل بي الصديق ألبرتو فيرنانديز، ومعه بدأت حكاية المقال الأسبوعي، كنت عرفته عندما كان دبلوماسيا رفيعا في سفارة الولايات المتحدة لدى عمّان، وكان شغل موقع الملحق الثقافي، ولقد وجدنا يومها شيئا مشتركا، فهو قضى سنوات في دمشق، وأنا فعلت الشيء ذاته، وإن في مراحل مختلفة، وكانت لديه شبكة واسعة من العلاقات مع المثقفين السوريين، وكنت كذلك، وكان هذا الموضوع على الدوام، يحتل مساحة بارزة في نقاشاتنا، ولطالما رتبنا أنا وإياه لقاءات لشخصيات أميركية ثقافية وسياسية وازنة في مركز القدس للدراسات السياسية، صحبة نخبة محترمة من سياسيي الأردن ومثقفيه.

ألبرتو كان قد تسلم للتو مسؤولياته في المؤسسة التي تصدر عنها "قناة الحرة" و"راديو سوا" و"موقع الحرة الإخباري"، طلبني لكتابة مقال أسبوعي، متعهدا بأن يحترم ما أكتب، وأظنه كان على علم بتوجهاتي السياسية والفكرية، ولكنه أراد للموقع أن يصبح منصة للحوار والجدل والتعدد.

ذات مرة، أثير نقاش حول هوية كتاب الحرة، وأُخذ على الموقع أنه ينتقيهم من أبناء مدرسة سياسية وفكرية واحدة تقريبا، يومها "غرد" فيرنانديز نافيا "الاتهام"، مستشهدا بتواجد أسماء وكتاب من خارج هذه المدرسة، ولقد ذكرني من بين آخرين، بوصفنا شهودا أحياء على تهافت الاتهام...مع أنني أشاطر أصحاب "الاتهام" بصرف النظر عن نواياهم، بأن غالبية الزملاء وليس جميعهم بالطبع، ينتمون لمدرسة في الفكر والسياسة، معروفة توجهاتها وخلفياتها، وهي في مطلق الأحوال، مدرسة حاضرة بقوة في دولنا ومجتمعاتنا، اتفقنا معها أم اختلفنا.

حرص الرجل على استحداث انطلاقة في مسار ومسيرة القناة والراديو والموقع، المتعثرة نسبيا، ولقد استعان بنخبة من الإعلاميين المجربين، أذكر منهم الزميل نارت بوران، الذي شغل موقع مدير عام مؤسسة الإذاعة والتلفزيون في الأردن، وكان مؤسسا لعدد من الفضائيات في الإمارات، ولقد زاملته في عمان، حين كان مديرا للمؤسسة، وكنت أقدم برنامجا حواريا على شاشة التلفزيون الأردني بعنوان "قضايا وأحداث"، ولقد كان الرجل مهنيا بامتياز، وتعين على أن يجذّف في بحر متلاطم الأمواج وهو يدير مؤسسة تتجاذبها رياح التأثير من مختلف مراكز القوى وصنع القرار في البلاد، كان الله في عونه، وعون أسلافه وخلفائه.

خلال هذه الرحلة مع "الحرة" كتبت 280 مقالا أسبوعيا، بمعدل وسطي 1200 كلمة للمقال الواحد، أي ما يعادل "336000 كلمة"، لم يتعثر منها سوى مقالات ثلاثة، اثنان لاستبدال عبارة بأخرى أو شطب كلمة، وآخر لأنني كنت كتبته مبكرا، ولقد جرت أحداث كثيرة ما بين كتابته ونشره، فاستوجب استبداله بمقال آخر... بلغة الإحصاءات، أقل من 1 بالمئة من مقالاتي أثارت نقاشا مع المحرر، لكن الأهم، أن أحدا في فيرجينيا لم يكن ليخطر بباله استبدال كلمة بأخرى، أو شطب كلمة، دون استئذان وموافقة من الكاتب، حتى في تلك المرات النادرة التي أتيت على ذكرها، وتلكم بالنسبة لشخص سبق أن منعت له ثمانية مقالات في شهر واحد، تجربة مثيرة للاهتمام.

لست هنا في باب كيل المديح لموقع أغادره ما أن يرى هذا المقال النور، ولكنني أصدر عن تجربة شخصية في الكتابة وهوامش الحرية المتاحة للكاتب، لأضيف إلى ما سبق ذكره، أنني اعتنيت بمقالتي الأسبوعية على موقع الحرة، أكثر من غيره، لكل الأسباب التي أوردتها، ولسبب آخر إضافي، أن الكاتب يرغب في "توثيق" و"تسجيل" مواقفه من أهم الأحداث والتطورات والظواهر الكبرى التي تشغل باله، وما يحول بينه وبين فعل ذلك، إما غياب المنبر، في ساحة إعلامية – صحفية عربية مستقطبة إلى أبعد حد، أو للقيود الصارمة التي تصاحب الكتاب في صحف ومنابر محلية وعربية.

وكان من دواعي سروري واعتزازي دائما، أن الزملاء في "راديو سوا" لطالما استخدموا المقال الأسبوعي مادة/موضوعا لحلقة إذاعية، غالبا ما كنت ضيفها أو أحد ضيوفها، بالنسبة للكتّاب، كان ذلك بمثابة حافز إضافي، يدفعه للتفكير في اختياراته والاهتمام بجودة ما يكتب.

موقع الحرة، كما أبلغني الزميل بهاء الحجار، قرر إغلاق باب كامل من أبوابه تحت عنوان "من زاوية أخرى"، وفيه كانت تحتشد مقالات الرأي من لبنان والعراق والمغرب العربي والأردن وغيرها... أحزنني ذلك، لاسيما أن المقال لم يعد على ما يبدو جاذبا للقراء الذين يتجهون بكثرتهم، الشابة خصوصا، إلى "التك توك" و"الإنستغرام" والفيديوهات القصيرة، بحساب الربح والخسارة، من العبث الاستمرار في استثمار كهذا، في حين يمكنك أن تجتذب جمهورا أوسع، لو أنك وضعت مواردك في مكان آخر.

هي "قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة، ولقد سبقني الزميل على هذا الموقع، حسن منيمنة، لرثاء المقالة المكتوبة، قبل أيام، فلا حاجة بي لمزيد من "الرثائيات"، وعلينا أن نسلّم بحقيقة أن العالم يتغير، وأن فنونا وألوانا من العمل الإعلامي والصحفي قد شقت طريقها للانقراض. نقول ذلك، ونحن معشر المشتغلين بالصحافة والمقالة المكتوبة، يعتصرنا الألم والإحساس بـ"اللاجدوى".

هو فصل جديد، سبق أن انتهت إليه كبريات من الصحف والمجلات في العالم، والعالم العربي، وفي ظني أن "الحبل على الجرار"، فمن بقي من هذه الصحف واقفا على قدميه، إنما نجح في ذلك بأعجوبة، أو بتمويل سخي، طافح بالأجندات والاستهدافات السياسية، إلا من رحم ربي، واستطاع أن يجد لنفسه موطئ قدم في ميادين الإعلام الجديد وعوامل السوشال ميديا والمرئي والمسموع، وإلى لقاء على منصة أخرى، وتجربة مختلفة.