من القمة الافتراضية بين جو بايدن ونظيره الصيني شي جينبينع
من القمة الافتراضية بين الرئيسين الأميركي جو بايدن ونظيره الصيني شي جينبينع الجمعة.

اتصال الرئيس الصيني، شي جينبينغ، بنظيره الأميركي، جو بايدن، والذي ناهز الساعتين اليوم الجمعة، أكد براغماتية بكين والمصالح الأكبر بين الطرفين في نظرتيهما للحرب في أوكرانيا وأسلوب التعاطي مع فلاديمير بوتين الذي راهن على دعم العملاق الصيني وقد يخيب ظنه قريبا.

البيان الصيني قبل الأميركي أكد أن النزاعات العسكرية "ليست من مصلحة أحد" وأن الأزمة الأوكرانية "ليست أمرا كنا نود رؤيته"، في أصرح انتقاد علني من القيادة الصينية لغزوة بوتين، ويعكس دهاء بكين في مقاربتها للحرب وأيضا للتوازن السياسي والاقتصادي الدوليين. 

اليوم، الصين هي البديل الوحيد لروسيا لكسر عزلتها الاقتصادية، وهي الشريك الذي حاول بوتين كسب دعمه السياسي والعسكري في الحرب، لكن الصين، وهي العملاق الثاني الاقتصادي في العالم، ليست بالسذاجة والاستهتار السياسي لكي تدعم حربا غير ضرورية وغير استراتيجية وعنوانها الاستنزاف والتهور حتى قبل أن تبدأ.

أساء بوتين في قراءة الصين التي امتنعت عن دعمه في مجلس الأمن، ولم ترد بعد على طلباته العسكرية وأبقت مسافة واضحة من كارثته في أوكرانيا.

صحيفة "بيلد" الألمانية رصدت الخميس أن طائرة وزير الخارجية الروسي، سيرجي لافروف، كانت متجهة إلى الصين واستدارت في نصف الطريق فوق سيبيريا وعادت إلى موسكو، من دون إعطاء سبب لعدم استكمال الرحلة. 

قبل أسبوع كشفت تقارير روسية أن الصين لم تلب طلب روسيا بيعها قطع طائرات خوفا من العقوبات، وفي ذلك مؤشر آخر لحذر بكين من المرواغة في قضايا الشبكات المالية والاقتصادية.

الصين اليوم هي منافس استراتيجي لأميركا وصديقة لروسيا، لكنها منافس ذكي وليست صديقا طائشا. نظرتها إلى أوكرانيا تحكمها مواقفها التقليدية في الحفاظ على الأمن والشرع الدولية، ومصالحها الاقتصادية، والأهم من ذلك علاقتها مع الأوروبيين والشراكات التي أقامتها مع ألمانيا وفرنسا والنمسا، ضاربة بعرض الحائط تحفظات واشنطن وموسكو. 

من هنا أخطأ بوتين مرتين في غزو أوكرانيا: المرة الأولى في عدم توقع مستنقع دموي، المرة الثانية في الرهان على دعم غير مشروط من الصين يقوى على عصا العقوبات. وكما أخطأ بوتين في قراءة الصين، يخطئ من يراهن على حرب صينية-أميركية في المعترك الدولي. المنافسة الأميركية-الصينية جانبها استثماري وتوسعي وليس عسكريا اليوم، وحين يكون الملف هو حرب عشواء في أوكرانيا، أو اتفاق نووي مع إيران، أو تفاهمات حول التغيير المناخي ومحاربة الوباء فواشنطن هي أقرب لبكين مما هما كليهما لموسكو.

منافسة الصين وأميركا تختلف بالمطلق عن الحرب الباردة بين أميركا والاتحاد السوفياتي، وهنا الخلل في قراءة بوتين للمشهد الجيوسياسي. فالصين قد تبتلع روسيا اقتصاديا بآليات مصرفية بسبب أخطائها في أوكرانيا، إنما من دون أن تغامر بمواقفها على الساحة الدولية ومن دون أن تتخلى عن شراكتها مع الأوروبيين. 

بالنسبة لدول المنطقة، هناك درس هام في اتصال بايدن-شي وهو أن مصالح الكبار تعتمد على البراغماتية والتلاقي المشترك في صون المنظومة الدولية منذ الحرب العالمية الثانية وليس كسرها. وحين يتحدث الكبار سواء كان الملف أوكرانيا أو أفغانستان أو إيران أو الانتشار النووي، يضيق هامش نجاح المغامرات العسكرية الهوجاء، والتي تتحول فرصة لإضعاف أطرافها وتقاسم حصصهم. 

متى يفيق رجال الدين للحقيقة من دون إقحام الدين في العلم؟. أرشيفية - تعبيرية
"متى يفيق رجال الدين للحقيقة من دون إقحام الدين في العلم؟" أرشيفية - تعبيرية

يحتدم الجدل بين العديد من رجال الدين الذين يصفون أنفسهم بأنهم "علماء" وبين مفكرين داعين إلى التنوير يرون ولعدة أسباب أن كلمة "علماء" لا يمكن أن تنطبق بأي حال على رجال الدين.

فشيوخ الدين يعتمدون على آية في القرآن الكريم تقول: "أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ" (سورة الشعراء 197).

وعلى النقيض من هذا الفهم للآية تماما يقول العديد من المفكرين ودعاة الاستنارة، مثل الدكتور خالد منتصر وغيره أن كلمة "علم" و"علماء" لا ينبغي أن تطلق على الدين ورجاله، لأن أساس العلم هو الشك في المعلومة ووضع أي فكرة للتجربة لإثباتها بالدليل القاطع في حين أن الدين قد ينهار تماما إذا طبقنا هذه القواعد عليه.

فهل يستطيع مثلا أن يثبت لنا رجال الدين بالتجربة العملية أن البخاري كان دقيقا في بحثه وهل يستطيعون أن يثبتوا بالدليل القاطع ما ينسبونه للرسول من أحاديث؟ وهل بإمكانهم إعطاؤنا البرهان الحاسم أن فهمهم لرحلة الإسراء والمعراج وفرض الصلاة فيها هو الحقيقة المطلقة؟ 

الرد ببساطة ....لا! فهم لا يملكون دليلا علميا واحدا خاضعا لقواعد البحث العلمي ليبرهنوا على مفاهيهم الدينية، فكيف لنا أن نصفهم بأنهم "علماء" أليس في هذا خداع لكلمة "علم" وتعبير "علماء"؟

والحقيقة في هذا السياق أن القرآن حينما عرّف كلمة "علماء" لم يتكلم على الإطلاق عن رجال الدين ودعونا نتأمل للحظات في هذه الآية الكريمة والتي يستخدمها الكثيرون لإعطاء رجال الدين صفة "علماء".

فالآية تقول: "إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ" (سورة فاطر آية 28).

ولكن ما ذكره القرآن الكريم قبل الآية يوضح تماما أن المقصود بكلمة "علماء" في هم من يدرسون ويبحثون ويتفكرون في خلق السموات والأرض، فالآية تقول ما يلي: "أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ" (سورة فاطر آية 27-28).

أي أن الآية التي يستخدمها رجال الدين لوصف أنفسهم بصفة "علماء" كانت تتكلم عن نزول المياه من السحب وإخراج الثمرات الجميلة من الأرض وتنوع الخلق وألوان الثمار وعجائب خلق الجبال والطيور، ولم تكن كلمة "علماء" تعني كما يظن البعض، أو الكثيرون، تتكلم عن فقه السنة وآداب الجماع ونكاح "الصغيرات" وشرب بول البعير وإرضاع الكبير وغيرها من الأمور التي أطلق عليها شيوخ الدين كلمة "علم" أو "علوم" ومن ثم أسموا أنفسهم بالعلماء.

وتتفق الآية السابقة "كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء" مع روح القرآن الكريم الداعية للبحث والتأمل في الخلق من حولنا. وتجلت هذه الدعوة وهذه الروح القرآنية في العديد من الآيات مثل "قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ" (سورة العنكبوت آية 20).

ومثل "إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَاب  الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ" (سورة آل عمران آية 190-191).

ومما زاد الطين بلة هو محاولة بعض رجال الدين  إقحام الدين في العلم والطب والذي تسبب في ابتداع أمور لها علاقة بصحة الناس دون أي دليل علمي  يؤكدها. فالكثير منا يعرف حديث الذبابة: "عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم 'إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه ثم لينزعه، فإن في أحد جناحيه داء وفي الآخر شفاء'"، أخرجه البخاري، وأبو داود.

والمضحك المبكي أن بعض رجال الدين يقولون إن العلم أثبت "حديث الذبابة" دون إعطاء مرجع علمي واحد محترم يؤكد زعمهم.  

وإذا كان الأمر هكذا في حديث الذبابة فما بالنا بالحديث التالي: "ورد حديث في صحيح البخاري عن عائشة رضي الله عنها إنها قالت: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) إن الحبة السوداء شفاء من كل داء"!.

فهل إذا كان هذا الأمر حقيقي فلما ذهب أو يذهب كبار رجال الدين مثل "الشيخ الشعراوي" وغيره للعلاج في مستشفيات الغرب حينما يمرضون! وهل يجرؤ أحد هؤلاء الشيوخ الذين يروَّجون لمثل هذا الحديث على أنه "علم" أن يتناولوا سما قاتلا ويتناولون بعده الحبة السوداء لإعطائنا الدليل العلمي والبحث التجريبي الذي يؤكد هذا الأمر؟

وقد يكون للحبة السوداء أو حبة البركة كما يطلق البعض عليها فوائد طبية, ولكنها بالقطع ليست شفاء لكل داء!

فمتى يفيق رجال الدين للحقيقة ويمكثون في مساجدهم دون محاولة إقحام الدين في مجال العلم لأنهم بالقطع سيخسرون في هذه المواجهة، لأن معظم ما يقولونه، على عكس العلم الحقيقي،  ليس عليه دليل علمي واحد يؤكده.