(FILES) In this file photo taken on December 13, 2013 an S-300 PMU-1 anti-aircraft missile launches during a Greek army…
وكان لإعادة محاكاة المآسي الإنسانية لضحايا الحروب زخمه الأكبر في تأثير سينما الحرب

منذ بداياتها قبل أكثر من قرن، تنبهت السينما كواحدة من أبرز وسائل التعبير، إلى تجذر ذاكرة الحروب في الوجدان العام واستيطانها، فلم يتوقف صناعها عند العمليات التوثيقية أو الاستخدامات الدعائية لها. بل التفتوا إلى أن حماية الذاكرة يكمن في صون الجوهر الانساني وأهمية إعادة إنتاجه درامياً، بما يخدم قيم البشرية العليا ويستثير مشاعرها، ويستنهض الهمم حين تفتر.

نهل الانتاج السينمائي من كل ما تيسر له من وثائق رسمية وشهادات الشهود وعدد لامتناه من مذكرات القادة والرواية الأدبية التي قاربت الحروب، وقدم أعمالاً باتت خالدة قوبلت بردود جماهيرية ملفتة كان لها عظيم الأثر المستدام، لمقدرة الفن السابع بإمكانياته المتفوقة على الإحاطة بكافة التفاصيل المتعلقة بالمشهدية العامة المقنعة.

إن من حيث محاكاة المشاهد الحربية بأدق تفاصيلها وأدواتها وآلياتها العسكرية وحشود الجنود وعنف معاركها وتنفيذ التفجيرات النارية، وهو ما برعت به سينما هوليوود بشكل خاص. أو في محاكاة مشاهد الدمار العام الذي تخلفه الحروب وما تتضمنه في خلفياتها وعمقها من قصص لتهشيم وفقدان حيوات البشر وتشظيهم.

وكان لإعادة محاكاة المآسي الإنسانية لضحايا الحروب زخمه الأكبر في تأثير سينما الحرب، سواء تلك المآسي المتعلقة بالمدنيين أو بالعسكريين على حد سواء. حيث تفرز الحروب سلسلة لامتناهية من القصص المؤثرة، لكل فرد فيها نصيبه منها، وكل قصة يمكنها أن تصيغ دراما منفصلة، حتى وإن تشابهت القصص في خطوطها العامة مع قصص ومصائر الملايين.

حرب روسيا الجارية على أوكرانيا منذ ما يقارب الأربعة أسابيع، أيقظت بشكل رديء ذاكرة الحروب العالمية بعد أن توهم العالم أنها باتت في سبات أبدي، وتكررت الاستعادات اللفظية التي شبهت مشاهدها الحالية بمشاهد تلك الحروب القديمة، من خلال التصريحات والتقارير الاعلامية والسياسية، أو على لسان المدنيين من الأجيال الجديدة.

الشابة الأوكرانية التي قالت إنها تشعر وكأنها تتابع فيلماً عن الحرب العالمية الثانية، لم تجاف الحقيقة. حيث إن كل ما قرأته في حصص التاريخ المدرسية أو سمعت بعضه من جدّيها، لم يمنحاها قوة تلك المخيلة التي نجحت في تحقيقها الأفلام التي تمكنت من استعادة أجواء الحروب وحاكت المشاعر وعلقت طويلاً في ذاكرة الأجيال المتعاقبة.

لكن ما يحدث اليوم ليس فيلماً سينمائياً، بل نقلا حياً ومباشراً لسلوكيات وهمجية الإنسان الذي لم يتغير. تبدل الزمن بحداثته وتغيرت أدواته، ولم يتغير لون الدم. تدمير الحضارات وسحق الحيوات والقيم الإنسانية وإبادة البيئة وسياسة الأرض المحروقة كلها لم تتغير، وكل ما يتابعه العالم اليوم من أهوال، لا يغير من حقيقة وصفه بالعار الجديد المضاف إلى سجل البشرية التي لم تطو صفحاتها السوداء بعد.

ألا ليت ما يحدث اليوم كان حقاً فيلماً مؤثراً ينتهي بكفكفة بعض الدموع والتصفيق للممثلين والمخرج، بل حقيقة مشينة وموجعة لا يمكن تجاهلها مثل مخرز في العين، يتابع العالم فصولها السوداوية كشهود، وترسم أهوال مشاهدها المرتبطة بشكل خاص بآليات تدمير النفس البشرية وإذلالها، الخطوط الدرامية العامة لسيناريوهات ومواضيع أفلام السنوات القادمة المحزنة.

الروس الذين برعوا بدورهم في إنتاج أفلام حربية عالية الجودة، واكتسبوا هم وسينماهم احترام وتقدير العالم حين كانوا أحد أبرز صناع النصر ممن تحالفوا مع الحق وأنهوا معاناة وأهوال شعوبهم وشعوب العالم في الحربين العالميتين. تنقلب ماكينتهم اليوم مدججة بسيناريو حربي قاتم، لتذيق أبناء العموم الأوكرانيين وجميع شعوب العالم وفي مقدمهم الشعب الروسي، مرارات كان يمكن تفاديها ببعض الحكمة، أياً تكن المبررات.

وقائع حرب اليوم التي ترسم ملامح الغد. غدٌ مشوش فاقد للثقة، ستسدد الشعوب القريبة والبعيدة أثمان تشظياته من فرص التنمية والمعافاة. سيلامس الأجيال الجديدة المنكوبة بشكل خاص، والتي ستعاني لعقود تحت وطأة ذاكرة الألم التي تؤسس وتتراكم اليوم. أجيال منكوبة حقاً، لم تمنح فرص التعافي ولم يقدر لها النجاة من مصائر مشابهة مرّ بها الأجداد.

وقد فتح عليها صناع موت هذا العصر أبواب الجحيم بدل أبواب الحياة، وأقحموا حيواتها فيها وأذاقوها أصنافاً كارثية لحرب أشركوا بها -رغماُ عنهم- في الواقع، وليس في السينما، ومن يخَتبِرَ يوميات الحروب، يدرك جيداً أن لا خيال يمكنه أن يضاهي قسوة الحقيقة في الواقع، أو يسترجع تفاصيل ذاكرة الألم ويترجمها كما تستحق.

متى يفيق رجال الدين للحقيقة من دون إقحام الدين في العلم؟. أرشيفية - تعبيرية
"متى يفيق رجال الدين للحقيقة من دون إقحام الدين في العلم؟" أرشيفية - تعبيرية

يحتدم الجدل بين العديد من رجال الدين الذين يصفون أنفسهم بأنهم "علماء" وبين مفكرين داعين إلى التنوير يرون ولعدة أسباب أن كلمة "علماء" لا يمكن أن تنطبق بأي حال على رجال الدين.

فشيوخ الدين يعتمدون على آية في القرآن الكريم تقول: "أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ" (سورة الشعراء 197).

وعلى النقيض من هذا الفهم للآية تماما يقول العديد من المفكرين ودعاة الاستنارة، مثل الدكتور خالد منتصر وغيره أن كلمة "علم" و"علماء" لا ينبغي أن تطلق على الدين ورجاله، لأن أساس العلم هو الشك في المعلومة ووضع أي فكرة للتجربة لإثباتها بالدليل القاطع في حين أن الدين قد ينهار تماما إذا طبقنا هذه القواعد عليه.

فهل يستطيع مثلا أن يثبت لنا رجال الدين بالتجربة العملية أن البخاري كان دقيقا في بحثه وهل يستطيعون أن يثبتوا بالدليل القاطع ما ينسبونه للرسول من أحاديث؟ وهل بإمكانهم إعطاؤنا البرهان الحاسم أن فهمهم لرحلة الإسراء والمعراج وفرض الصلاة فيها هو الحقيقة المطلقة؟ 

الرد ببساطة ....لا! فهم لا يملكون دليلا علميا واحدا خاضعا لقواعد البحث العلمي ليبرهنوا على مفاهيهم الدينية، فكيف لنا أن نصفهم بأنهم "علماء" أليس في هذا خداع لكلمة "علم" وتعبير "علماء"؟

والحقيقة في هذا السياق أن القرآن حينما عرّف كلمة "علماء" لم يتكلم على الإطلاق عن رجال الدين ودعونا نتأمل للحظات في هذه الآية الكريمة والتي يستخدمها الكثيرون لإعطاء رجال الدين صفة "علماء".

فالآية تقول: "إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ" (سورة فاطر آية 28).

ولكن ما ذكره القرآن الكريم قبل الآية يوضح تماما أن المقصود بكلمة "علماء" في هم من يدرسون ويبحثون ويتفكرون في خلق السموات والأرض، فالآية تقول ما يلي: "أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ" (سورة فاطر آية 27-28).

أي أن الآية التي يستخدمها رجال الدين لوصف أنفسهم بصفة "علماء" كانت تتكلم عن نزول المياه من السحب وإخراج الثمرات الجميلة من الأرض وتنوع الخلق وألوان الثمار وعجائب خلق الجبال والطيور، ولم تكن كلمة "علماء" تعني كما يظن البعض، أو الكثيرون، تتكلم عن فقه السنة وآداب الجماع ونكاح "الصغيرات" وشرب بول البعير وإرضاع الكبير وغيرها من الأمور التي أطلق عليها شيوخ الدين كلمة "علم" أو "علوم" ومن ثم أسموا أنفسهم بالعلماء.

وتتفق الآية السابقة "كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء" مع روح القرآن الكريم الداعية للبحث والتأمل في الخلق من حولنا. وتجلت هذه الدعوة وهذه الروح القرآنية في العديد من الآيات مثل "قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ" (سورة العنكبوت آية 20).

ومثل "إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَاب  الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ" (سورة آل عمران آية 190-191).

ومما زاد الطين بلة هو محاولة بعض رجال الدين  إقحام الدين في العلم والطب والذي تسبب في ابتداع أمور لها علاقة بصحة الناس دون أي دليل علمي  يؤكدها. فالكثير منا يعرف حديث الذبابة: "عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم 'إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه ثم لينزعه، فإن في أحد جناحيه داء وفي الآخر شفاء'"، أخرجه البخاري، وأبو داود.

والمضحك المبكي أن بعض رجال الدين يقولون إن العلم أثبت "حديث الذبابة" دون إعطاء مرجع علمي واحد محترم يؤكد زعمهم.  

وإذا كان الأمر هكذا في حديث الذبابة فما بالنا بالحديث التالي: "ورد حديث في صحيح البخاري عن عائشة رضي الله عنها إنها قالت: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) إن الحبة السوداء شفاء من كل داء"!.

فهل إذا كان هذا الأمر حقيقي فلما ذهب أو يذهب كبار رجال الدين مثل "الشيخ الشعراوي" وغيره للعلاج في مستشفيات الغرب حينما يمرضون! وهل يجرؤ أحد هؤلاء الشيوخ الذين يروَّجون لمثل هذا الحديث على أنه "علم" أن يتناولوا سما قاتلا ويتناولون بعده الحبة السوداء لإعطائنا الدليل العلمي والبحث التجريبي الذي يؤكد هذا الأمر؟

وقد يكون للحبة السوداء أو حبة البركة كما يطلق البعض عليها فوائد طبية, ولكنها بالقطع ليست شفاء لكل داء!

فمتى يفيق رجال الدين للحقيقة ويمكثون في مساجدهم دون محاولة إقحام الدين في مجال العلم لأنهم بالقطع سيخسرون في هذه المواجهة، لأن معظم ما يقولونه، على عكس العلم الحقيقي،  ليس عليه دليل علمي واحد يؤكده.