منذ بداياتها قبل أكثر من قرن، تنبهت السينما كواحدة من أبرز وسائل التعبير، إلى تجذر ذاكرة الحروب في الوجدان العام واستيطانها، فلم يتوقف صناعها عند العمليات التوثيقية أو الاستخدامات الدعائية لها. بل التفتوا إلى أن حماية الذاكرة يكمن في صون الجوهر الانساني وأهمية إعادة إنتاجه درامياً، بما يخدم قيم البشرية العليا ويستثير مشاعرها، ويستنهض الهمم حين تفتر.
نهل الانتاج السينمائي من كل ما تيسر له من وثائق رسمية وشهادات الشهود وعدد لامتناه من مذكرات القادة والرواية الأدبية التي قاربت الحروب، وقدم أعمالاً باتت خالدة قوبلت بردود جماهيرية ملفتة كان لها عظيم الأثر المستدام، لمقدرة الفن السابع بإمكانياته المتفوقة على الإحاطة بكافة التفاصيل المتعلقة بالمشهدية العامة المقنعة.
إن من حيث محاكاة المشاهد الحربية بأدق تفاصيلها وأدواتها وآلياتها العسكرية وحشود الجنود وعنف معاركها وتنفيذ التفجيرات النارية، وهو ما برعت به سينما هوليوود بشكل خاص. أو في محاكاة مشاهد الدمار العام الذي تخلفه الحروب وما تتضمنه في خلفياتها وعمقها من قصص لتهشيم وفقدان حيوات البشر وتشظيهم.
وكان لإعادة محاكاة المآسي الإنسانية لضحايا الحروب زخمه الأكبر في تأثير سينما الحرب، سواء تلك المآسي المتعلقة بالمدنيين أو بالعسكريين على حد سواء. حيث تفرز الحروب سلسلة لامتناهية من القصص المؤثرة، لكل فرد فيها نصيبه منها، وكل قصة يمكنها أن تصيغ دراما منفصلة، حتى وإن تشابهت القصص في خطوطها العامة مع قصص ومصائر الملايين.
حرب روسيا الجارية على أوكرانيا منذ ما يقارب الأربعة أسابيع، أيقظت بشكل رديء ذاكرة الحروب العالمية بعد أن توهم العالم أنها باتت في سبات أبدي، وتكررت الاستعادات اللفظية التي شبهت مشاهدها الحالية بمشاهد تلك الحروب القديمة، من خلال التصريحات والتقارير الاعلامية والسياسية، أو على لسان المدنيين من الأجيال الجديدة.
الشابة الأوكرانية التي قالت إنها تشعر وكأنها تتابع فيلماً عن الحرب العالمية الثانية، لم تجاف الحقيقة. حيث إن كل ما قرأته في حصص التاريخ المدرسية أو سمعت بعضه من جدّيها، لم يمنحاها قوة تلك المخيلة التي نجحت في تحقيقها الأفلام التي تمكنت من استعادة أجواء الحروب وحاكت المشاعر وعلقت طويلاً في ذاكرة الأجيال المتعاقبة.
لكن ما يحدث اليوم ليس فيلماً سينمائياً، بل نقلا حياً ومباشراً لسلوكيات وهمجية الإنسان الذي لم يتغير. تبدل الزمن بحداثته وتغيرت أدواته، ولم يتغير لون الدم. تدمير الحضارات وسحق الحيوات والقيم الإنسانية وإبادة البيئة وسياسة الأرض المحروقة كلها لم تتغير، وكل ما يتابعه العالم اليوم من أهوال، لا يغير من حقيقة وصفه بالعار الجديد المضاف إلى سجل البشرية التي لم تطو صفحاتها السوداء بعد.
ألا ليت ما يحدث اليوم كان حقاً فيلماً مؤثراً ينتهي بكفكفة بعض الدموع والتصفيق للممثلين والمخرج، بل حقيقة مشينة وموجعة لا يمكن تجاهلها مثل مخرز في العين، يتابع العالم فصولها السوداوية كشهود، وترسم أهوال مشاهدها المرتبطة بشكل خاص بآليات تدمير النفس البشرية وإذلالها، الخطوط الدرامية العامة لسيناريوهات ومواضيع أفلام السنوات القادمة المحزنة.
الروس الذين برعوا بدورهم في إنتاج أفلام حربية عالية الجودة، واكتسبوا هم وسينماهم احترام وتقدير العالم حين كانوا أحد أبرز صناع النصر ممن تحالفوا مع الحق وأنهوا معاناة وأهوال شعوبهم وشعوب العالم في الحربين العالميتين. تنقلب ماكينتهم اليوم مدججة بسيناريو حربي قاتم، لتذيق أبناء العموم الأوكرانيين وجميع شعوب العالم وفي مقدمهم الشعب الروسي، مرارات كان يمكن تفاديها ببعض الحكمة، أياً تكن المبررات.
وقائع حرب اليوم التي ترسم ملامح الغد. غدٌ مشوش فاقد للثقة، ستسدد الشعوب القريبة والبعيدة أثمان تشظياته من فرص التنمية والمعافاة. سيلامس الأجيال الجديدة المنكوبة بشكل خاص، والتي ستعاني لعقود تحت وطأة ذاكرة الألم التي تؤسس وتتراكم اليوم. أجيال منكوبة حقاً، لم تمنح فرص التعافي ولم يقدر لها النجاة من مصائر مشابهة مرّ بها الأجداد.
وقد فتح عليها صناع موت هذا العصر أبواب الجحيم بدل أبواب الحياة، وأقحموا حيواتها فيها وأذاقوها أصنافاً كارثية لحرب أشركوا بها -رغماُ عنهم- في الواقع، وليس في السينما، ومن يخَتبِرَ يوميات الحروب، يدرك جيداً أن لا خيال يمكنه أن يضاهي قسوة الحقيقة في الواقع، أو يسترجع تفاصيل ذاكرة الألم ويترجمها كما تستحق.

