من العاصمة الأوكرانية كييف
القوات الروسية صعّدت عمليات استهداف المدن الأوكرانية.

 كسر صمود العاصمة الأوكرانية كييّف عنجهية القائد الأعلى للقوات المسلحة الروسية، بعدما تحطمت آلته العسكرية على أبوابها، وخسر تفوق جيشه تفوقه أمام مقاومة منعته حتى الآن من دخول العاصمة، ونجحت في عرقلة وصوله إلى هدفه الأساس وهو احتلال سريع لكييف من خلال عملية خاطفة تحسم المعركة وتسمح للمقيم في الكرملين إعلان انتصاره الاستراتيجي، لكن على أبواب كييّف وأبواب أغلب المدن الأوكرانية الكبرى حوّل المقاومون الأوكران آلة الحرب الروسية إلى خردة محطمة على أسوار مدنهم، الأمر الذي أجبر الرئيس الروسي وجنرالاته على تغيير خططهم بعدما أيقنوا انهم أخفقوا، وان لا إمكانية ولا قدرة لهم على حسم سريع يوفر الوقت ويخفف من حجم الخسائر البشرية والمادية.

لم يعد أمام بوتين وجنرالاته إلا استراتيجية تحطيم الخصم من أجل إخضاعه، وذلك على غرار ما جرى للعاصمة الشيشانية غروزني سنة 2000 وضد المدن السورية المنتفضة بعد التدخل الروسي في منتصف سبتمبر 2015. في التجربتين الشيشانية والسورية، حققت موسكو انتصارات مفرغة من مضمونها، وهذا ما هو مرجح للحدوث في حال نجح الجيش الروسي في احتلال كييّف بنفس الطريقة التي احتلت فيها غروزني وحلب ودرعا وحمص وباقي المدن السورية.

بعد الفشل السريع في تحقيق النصر السريع، انتقلت الخطط الروسية إلى حصار المدن الكبرى من أجل إجبارها على الاستسلام، ولكن حتى الآن يبدو أن فرضية الاستسلام مستبعدة، لذلك سيصبح بوتين وجنرالاته مجبرين على احتلالها وهذا سيتطلب تدميرها، وفقا لمبررات الغزو التي يروج لها بوتين فإن السيطرة على مدن مدمرة ومحطمة خصوصا العاصمة سيتحول سريعا إلى هزيمة، لأسباب عديدة، في مقدمتها أن هذه المدن الرافضة أصلا للاحتلال ستصبح مدنا معادية، ولن يسمح أهلها لجنوده بحرية التحرك خصوصا أن الأوكران ستدفعهم رغبة جامحة بالانتقام من قوات معادية، وهذا يعني أن لا إمكانية لخلق واقع آمن بين الروس والأوكران قادر على فتح مجالات للتواصل، فالواضح أن موسكو ستجد صعوبة كبيرة في إدارة المدن المحتلة من نواحي عديدة في مقدمتها أنها ستتحمل أعباءها الخدماتية، كما أن الاوكران لن يسهلوا قيام حكومة محلية موالية للروس، وعلى الأرجح أنهم لن يعترفوا بمن ستفرضه عليهم موسكو على غرار سلطة قاديروف في الشيشان وبشار الأسد في سوريا.

تُكابر آلة الدعاية الروسية وترفض الاعتراف بأن المدن الأوكرانية مدن معادية، وبأن سكانها خرجوا يرفعون علم بلادهم بوجه الجنود الروس الذين دخلوا مدنهم، وهذا يعني أن هناك رفضا شعبيا كبيرا، سيشكل حاضنة لكل الذين سيحملون السلاح من أجل مقاومة الاحتلال، وكأن القيادة الروسية قد نسيت أو تناست أنه عندما احتلت أفغانستان في ساعات، كان المجاهدون يسيطرون على أقل من %5 من أراضي أفغانستان، ويملكون عتادا بدائيا جدا في مواجهة آلة الحرب السوفياتية الضخمة، لكن مع مرور الوقت انقلبت المعادلة وأصبح السوفييت شبه محاصرين في أفغانستان، وفي التجربة الأوكرانية فإن السلاح الذي يستخدمه الأوكران أكثر تطورا مما يملكه الروس وهذا ما يؤدي إلى ارتفاع حجم الخسائر الروسية في الأرواح والعتاد، وقد يدفعهم إلى توسيع نطاق عملياتهم من أجل ضرب المدن الغربية وقطع طرق الإمداد التي نجحت حتى الآن في مهمتها، وهذا يكشف أيضا أن هناك صعوبة في حصار كامل للمدن وخصوصا كيّيف دون اللجوء لاستخدام القوة الماحقة، خصوصا سلاح الطيران الذي يبدو أنه لم يحقق تفوقه الجوي الكامل حتى الآن، وأن استمرار خطوط الدعم والإمداد بهذه الوتيرة في تزويد الأوكران بمزيد من الصواريخ المضادة للطيران، قد تسبب بإخراج سلاح الجو الروسي جزئيا من المعركة، ما سيضاعف الصعوبات على موسكو في معركة حصار المدن.  

ختاما، لا انتصار من دون كيّيف، ولكن في واقعة الروس أن تأتي متأخرة كأنها لم تأت أبدا، لأن لا قيمة لدخولها مدمرة، وفي الحالة الأوكرانية دخول المدن بعد حصارها وإخضاعها سيحول الغزاة إلى مُحاصرين، وعندها سيصلح القول إن موسكو محاصرة في كييّف.  
 

متى يفيق رجال الدين للحقيقة من دون إقحام الدين في العلم؟. أرشيفية - تعبيرية
"متى يفيق رجال الدين للحقيقة من دون إقحام الدين في العلم؟" أرشيفية - تعبيرية

يحتدم الجدل بين العديد من رجال الدين الذين يصفون أنفسهم بأنهم "علماء" وبين مفكرين داعين إلى التنوير يرون ولعدة أسباب أن كلمة "علماء" لا يمكن أن تنطبق بأي حال على رجال الدين.

فشيوخ الدين يعتمدون على آية في القرآن الكريم تقول: "أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ" (سورة الشعراء 197).

وعلى النقيض من هذا الفهم للآية تماما يقول العديد من المفكرين ودعاة الاستنارة، مثل الدكتور خالد منتصر وغيره أن كلمة "علم" و"علماء" لا ينبغي أن تطلق على الدين ورجاله، لأن أساس العلم هو الشك في المعلومة ووضع أي فكرة للتجربة لإثباتها بالدليل القاطع في حين أن الدين قد ينهار تماما إذا طبقنا هذه القواعد عليه.

فهل يستطيع مثلا أن يثبت لنا رجال الدين بالتجربة العملية أن البخاري كان دقيقا في بحثه وهل يستطيعون أن يثبتوا بالدليل القاطع ما ينسبونه للرسول من أحاديث؟ وهل بإمكانهم إعطاؤنا البرهان الحاسم أن فهمهم لرحلة الإسراء والمعراج وفرض الصلاة فيها هو الحقيقة المطلقة؟ 

الرد ببساطة ....لا! فهم لا يملكون دليلا علميا واحدا خاضعا لقواعد البحث العلمي ليبرهنوا على مفاهيهم الدينية، فكيف لنا أن نصفهم بأنهم "علماء" أليس في هذا خداع لكلمة "علم" وتعبير "علماء"؟

والحقيقة في هذا السياق أن القرآن حينما عرّف كلمة "علماء" لم يتكلم على الإطلاق عن رجال الدين ودعونا نتأمل للحظات في هذه الآية الكريمة والتي يستخدمها الكثيرون لإعطاء رجال الدين صفة "علماء".

فالآية تقول: "إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ" (سورة فاطر آية 28).

ولكن ما ذكره القرآن الكريم قبل الآية يوضح تماما أن المقصود بكلمة "علماء" في هم من يدرسون ويبحثون ويتفكرون في خلق السموات والأرض، فالآية تقول ما يلي: "أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ" (سورة فاطر آية 27-28).

أي أن الآية التي يستخدمها رجال الدين لوصف أنفسهم بصفة "علماء" كانت تتكلم عن نزول المياه من السحب وإخراج الثمرات الجميلة من الأرض وتنوع الخلق وألوان الثمار وعجائب خلق الجبال والطيور، ولم تكن كلمة "علماء" تعني كما يظن البعض، أو الكثيرون، تتكلم عن فقه السنة وآداب الجماع ونكاح "الصغيرات" وشرب بول البعير وإرضاع الكبير وغيرها من الأمور التي أطلق عليها شيوخ الدين كلمة "علم" أو "علوم" ومن ثم أسموا أنفسهم بالعلماء.

وتتفق الآية السابقة "كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء" مع روح القرآن الكريم الداعية للبحث والتأمل في الخلق من حولنا. وتجلت هذه الدعوة وهذه الروح القرآنية في العديد من الآيات مثل "قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ" (سورة العنكبوت آية 20).

ومثل "إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَاب  الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ" (سورة آل عمران آية 190-191).

ومما زاد الطين بلة هو محاولة بعض رجال الدين  إقحام الدين في العلم والطب والذي تسبب في ابتداع أمور لها علاقة بصحة الناس دون أي دليل علمي  يؤكدها. فالكثير منا يعرف حديث الذبابة: "عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم 'إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه ثم لينزعه، فإن في أحد جناحيه داء وفي الآخر شفاء'"، أخرجه البخاري، وأبو داود.

والمضحك المبكي أن بعض رجال الدين يقولون إن العلم أثبت "حديث الذبابة" دون إعطاء مرجع علمي واحد محترم يؤكد زعمهم.  

وإذا كان الأمر هكذا في حديث الذبابة فما بالنا بالحديث التالي: "ورد حديث في صحيح البخاري عن عائشة رضي الله عنها إنها قالت: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) إن الحبة السوداء شفاء من كل داء"!.

فهل إذا كان هذا الأمر حقيقي فلما ذهب أو يذهب كبار رجال الدين مثل "الشيخ الشعراوي" وغيره للعلاج في مستشفيات الغرب حينما يمرضون! وهل يجرؤ أحد هؤلاء الشيوخ الذين يروَّجون لمثل هذا الحديث على أنه "علم" أن يتناولوا سما قاتلا ويتناولون بعده الحبة السوداء لإعطائنا الدليل العلمي والبحث التجريبي الذي يؤكد هذا الأمر؟

وقد يكون للحبة السوداء أو حبة البركة كما يطلق البعض عليها فوائد طبية, ولكنها بالقطع ليست شفاء لكل داء!

فمتى يفيق رجال الدين للحقيقة ويمكثون في مساجدهم دون محاولة إقحام الدين في مجال العلم لأنهم بالقطع سيخسرون في هذه المواجهة، لأن معظم ما يقولونه، على عكس العلم الحقيقي،  ليس عليه دليل علمي واحد يؤكده.