سعى الرئيس بايدن فور وصوله إلى البيت الأبيض لتحسين العلاقات مع دول حلف شمال الأطلسي (الناتو) التي تعرضت لاهتزازات عميقة بسبب سياسات سلفه ترامب السلبية تجاه الحلف وموقفه الودي من الخصم الأول للناتو: فلاديمير بوتين.
كما سارع الرئيس الجديد إلى استئناف المفاوضات مع إيران بهدف إحياء الاتفاق النووي الموقع في 2015، كمقدمة لتخفيف الوجود العسكري، ومعه بعضا من الاهتمام السياسي الأميركي في المنطقة الممتدة من أفغانستان وحتى المغرب العربي، بعد حروب طويلة ومضنية، لتركيز اهتمام وطاقات الولايات المتحدة على التحدي الاستراتيجي والاقتصادي الأضخم، في القرن الحادي والعشرين، أي الصين.
ومع مرور الربع الأول من السنة الثانية من ولاية بايدن، وجد الرئيس الأميركي أن بوتين قد أرغمه على تركيز اهتمامه منذ أشهر على أوكرانيا، وعلى مواجهة مضاعفات أول حرب برية نظامية في القارة الأوروبية في القرن الحادي والعشرين، وهو اهتمام لن ينتهي أو يخف في أي وقت قريب.
مماطلات إيران خلال السنة الأولى، بما في ذلك تعليق المفاوضات لأشهر، لكي تستغل هذه الفترة لتكثيف تخصيبها لليورانيوم، ولتطوير أجهزة الطرد المركزي فائقة السرعة، إضافة إلى دعمها للمتطرفين الحوثيين في اليمن، أيضا أرغمت بايدن على "البقاء" في الشرق الأوسط، ربما أكثر مما يرغب.
عدوانية بوتين الوحشية في أوكرانيا، وتطرف وعدوانية النظام الإيراني وعملائه في المنطقة، و"الحياد" المشبوه تجاه الغزو الروسي لأوكرانيا الذي اعتمدته عمليا دول عربية منتجة للنفط، كانت تعتبر حليفة لواشنطن مثل السعودية والإمارات، كلها ساهمت في خلط الحسابات السياسية والاقتصادية لمختلف دول المنطقة، وتغيير علاقاتها الثنائية.
اقتراب المفاوضات النووية في فيينا من النجاح، والمضاعفات المستمرة للغزو الروسي لأوكرانيا، أدت إلى تأزيم أكثر لعلاقات واشنطن بكل من السعودية والإمارات، بعد رفض الدولتين إدانة الغزو الروسي بقوة ورفضهما طلب واشنطن (ولندن) زيادة إنتاجهما من النفط للتعويض عن أي نفط روسي يغيب عن الأسواق العالمية، ولمنع الأسعار من الارتفاع السريع، وإلى حد أقل إسرائيل (التي اكتفت بإدانة لفظية للغزو) وإلى انفراج ملحوظ في العلاقات بين الولايات المتحدة وتركيا (التي وصفت الغزو بأنه "حرب" ما يعطيها الحق وفقا لاتفاقية مونترو لعام 1936 حرمان السفن الحربية الروسية من دخول البحر الأسود عبر مضيق البوسفور لتحكيم الحصار ضد أوكرانيا، وإن تفادت أنقرة إدانة الغزو مباشرة أو مقاطعة روسيا اقتصاديا).
وهناك احتمال بتخفيف العداء بين الولايات المتحدة وإيران في حال إحياء الاتفاق النووي، وهو أمر من المتوقع أن يتم التوصل إليه قريبا، وربما خلال أيام.
المفارقة في اللقاء الافتراضي الذي جرى بين الرئيسين الأميركي بايدن والصيني شي جينبينغ قبل أيام والذي استمر لأكثر من ساعتين، أنه وضع العلاقات الأميركية - الصينية، على الأقل في المستقبل المنظور، رهينة لمجمل العلاقات المتوترة للغاية بين الولايات المتحدة وروسيا. الموضوع الرئيسي للقاء كان تحذير بايدن لنظيره الصيني بأن لا يقدم أي دعم مادي ملموس - اقتصادي أو عسكري - يساعد موسكو في تفادي مضاعفات العقوبات الاقتصادية التي فرضتها واشنطن وحلفاؤها، او مساعدة القوات الروسية في تحقيق أهدافها العدوانية في أوكرانيا. بيان البيت الأبيض تطرق إلى أن الرئيسين اتفقا أيضا على أهمية الحفاظ على خطوط اتصال مفتوحة لإدارة المنافسة بين الولايات المتحدة والصين، ولكن هذه المسألة التي كان يفترض أن تكون جوهرية، بدت جانبية، على الأقل في الوقت الحاضر.
الغزو الروسي لأوكرانيا، أبرز أهمية تسليح أنقرة لأوكرانيا بالطائرات المسيرة من طراز بيرقدار والتي استخدمها سلاح الجو الأوكراني بنجاح ضد القوات الروسية الغازية، كما وفر، نظريا على الأقل، إمكانية التخلص من العقبة التي مثلتها صفقة الصواريخ الروسية الصنع لتركيا من طراز أس-400 المضادة للطائرات، والتي أدت إلى فرض عقوبات أميركية ضد تركيا وطردها من برنامج تطوير وصناعة الطائرة الأميركية المتطورة أف-35. ووفقا لتقارير صحفية، فقد اقترحت واشنطن على أنقرة تقديم هذه المنظومة الصاروخية المتطورة إلى أوكرانيا لاستخدامها ضد الطائرات الروسية المغيرة. وعلى الرغم من صعوبة قبول وتطبيق الاقتراح الأميركي، فإن مجرد بحثه يظهر إلى أي مدى وصلت ارتدادات الغزو الروسي لأوكرانيا.
إحياء الاتفاق النووي بين واشنطن وطهران، سيؤدي إلى تعديل المشهد النفطي في العالم، لأنه سيسمح لإيران خلال أسابيع بضخ مليون برميل من النفط في اليوم بالسوق العالمي، وهو أمر سوف ترحب به واشنطن وحلفائها الأوروبيين. حتى الآن لم يتم التوصل إلى حل لمطالب روسيا بأن لا تؤدي العقوبات الأميركية إلى عرقلة العلاقات الاقتصادية بين موسكو وطهران، ولكن يعتقد أن هذه المسألة لن تمنع إيران من التوصل إلى اتفاق أصبحت ترى الآن أنه يخدم مصلحتها أيضا. ولكن طهران لا تزال تصر، وفقا للتقارير الصحفية على إلغاء قرار واشنطن (خلال ولاية الرئيس السابق ترامب) تصنيف الحرس الثوري الإيراني كتنظيم إرهابي أجنبي. هذا التصنيف لا علاقة مباشرة له بالبرنامج النووي الإيراني. ووفقا لهذه التقارير فإن واشنطن تبحث بهذه الإمكانية لقاء تلقيها تعهدات من إيران بالعمل على تخفيف حدة التوتر في المنطقة.
ولكن تصنيف الحرس الثوري كتنظيم إرهابي أظهر إلى السطح السبب الجوهري للمخاوف العربية المشروعة التي صاحبت المفاوضات الأميركية - الإيرانية النووية منذ بدايتها خلال ولاية الرئيس الأسبق باراك أوباما.
وحتى بعد توقيع الاتفاق النووي في 2015، تمحورت مخاوف الدول العربية، في الخليج تحديدا، حول السلوك الإيراني العدواني في المنطقة أكثر مما تمحورت حول البرنامج النووي بحد ذاته، لأن التهديدات الإيرانية من الدول التي تتحكم طهران بأمنها مثل لبنان وسوريا والعراق واليمن لن تأتي في شكل صواريخ نووية، بل في التدخل الإيراني السافر في الشؤون الداخلية لهذه الدول وتسليح وتنظيم ميليشيات شيعية في لاستخدامها كأدوات في المنظومة العسكرية الإيرانية، إما ضد أنظمة هذه الدول العربية أو جيرانها أو ضد إسرائيل.
وهذه هي المهمة الأولى للحرس الثوري الإيراني خارج إيران. واذا لم يتم التصدي لهذا الخطر الذي يمثله الحرس الثوري الإيراني، سوف تبقى مخاوف الدول العربية مشروعة، خاصة وأن هذه الميليشيات التابعة لإيران مسؤولة إلى حد كبير عن الخراب الذي لحق بالدول التي تنشط فيها. سجل إيران العدواني، وآخر تجلياته كانت في القصف الصاروخي لشمال العراق، يجعل من أي تعهدات إيرانية تعهدات لفظية وغير ملزمة.
الغزو الروسي لأوكرانيا، واقتراب مفاوضات فيينا من النجاح، والخلافات حول إنتاج النفط، واستمرار الحرب في اليمن، بما في ذلك القصف الجوي والصاروخي للمدنيين في اليمن والسعودية والإمارات، أوصلت العلاقات بين واشنطن والرياض وأبوظبي إلى أسوأ مراحلها.
ويبدو أن تقرير صحيفة "وول ستريت جورنال" حول رفض ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، ونظيره الإماراتي الشيخ محمد بن زايد التحدث مع الرئيس بايدن، بدا ذات صدقية، ورفضهما زيادة إنتاج النفط، وإدانة الغزو الأوكراني، سوف تضر بهما وببلديهما بالأوساط السياسية في واشنطن، بما في ذلك في الكونغرس. وحتى قبل الأزمة الأخيرة كانت السعودية دولة فقيرة بالأصدقاء في واشنطن. الرصيد السياسي السعودي في واشنطن رديء وضحل. وفي السابق كان لدولة الإمارات رصيد أفضل في واشنطن بالكونغرس وخارجه، ولكن التحالف الوثيق بين البلدين بعد بروز محمد بن سلمان وحرب اليمن، وحصار قطر، واختطاف وتقطيع أوصال جمال خاشقجي، أضر أيضا بمكانة الإمارات في واشنطن.
وإذا كانت هذه المواقف، إضافة إلى استقبال قادة الإمارات للرئيس السوري بشار الأسد، المسؤول الأول عن قتل حوالي نصف مليون سوري بما في ذلك استخدام الأسلحة الكيماوية، واقتلاع وتهجير أكثر من 10 ملايين سوري، واختطاف أكثر من 150 ألف مواطن، ما جعله في أعين منظمات حقوق الإنسان في العالم "مجرم حرب"، إذا كانت هذه المواقف "رسائل" إلى أميركا، فإنها لن تكون رسائل فعالة في المدى البعيد وسوف تؤدي إلى ردود عكسية.
ما الذي يعنيه استقبال قائم مقام إيران في سوريا، بشار الأسد، في دولة الإمارات؟ هل هو اكتشاف للأخوة العربية؟ هل هو جزء من سياسة عملية لفطمه عن إيران؟ بشار الأسد الدموي والصبياني والمتهور والانتهازي، والذي وصف حكام الخليج في السابق "بأشباه الرجال"، سوف يحاول الاستفادة ماليا وسياسيا من دول الخليج العربية، والحفاظ في الوقت ذاته على علاقاته القوية مع إيران. قد تقتضي مصلحته بالمستقبل في تخفيف وربما احتواء نفوذ حزب الله في سوريا، ولكن ذلك لا يعني تهديد علاقته بإيران. بشار الأسد يدرك أن إيران – وحزب الله وغيره من الميليشيات الشيعية – أكثر من روسيا هي المسؤولة عن بقائه في السلطة.
التقرير الأخير الذي نشرته صحيفة وول ستريت جورنال حول استئناف الولايات المتحدة شحن بطاريات صواريخ مضادة للصواريخ من طراز باتريوت للسعودية، يبين أن واشنطن لا تتجاهل الاحتياجات الدفاعية المشروعة للسعودية، وإن كانت هذه الصواريخ فعالة فقط ضد صواريخ من طراز سكود ولكنها غير فعالة ضد المسيرات الأخرى التي تحلق على علو منخفض مثل تلك التي قصفت منشآت النفط السعودية في 2019.
ولكن هذه الصواريخ الأميركية يجب أن لا تسلم إلى السعودية إلا بعد الحصول على تعهدات من الرياض بالتوقف عن قصف المدنيين اليمنيين. وهذا يعني أنه إذا كان على الولايات المتحدة أن تساعد السعودية في صد هجمات صاروخية عشوائية أو متعمدة يطلقها الحوثيون ضد أهداف مدنية أو اقتصادية، وهو أمر يجب أن تدينه وتتصدى له واشنطن كعمل إرهابي، فإن عليها أيضا أن تدين وترفض أي قصف سعودي متعمد أو عشوائي ضد المدنيين في اليمن، لأن الحرب الجوية التي خاضها "التحالف العربي" ضد اليمن تسببت بأكبر كارثة إنسانية في القرن الحادي والعشرين قبل الغزو الروسي لأوكرانيا. أيضا، أي تسليح أميركي مشروط للسعودية، يجب أن يقابله زيادة في إنتاج النفط السعودي.
المضاعفات المختلفة للغزو الروسي لأوكرانيا، وإلى حد أقل احتمال التوصل إلى اتفاق نووي في فيينا، سوف تبقى مهيمنة بظلالها على منطقة الشرق الأوسط لوقت طويل. وليس من المبالغة القول إن هذه الحرب الأولى الكبيرة في القارة الأوروبية منذ الحرب العالمية الثانية والتي تدور في دولة بوسط أوروبا وعلى ساحل البحر الأسود، سوف تستمر ارتداداتها بهز جميع دول المنطقة الواقعة على شواطئ البحر المتوسط والبحر الأحمر، والمحيط الهندي والخليج، ربما لسنوات عديدة.

