بوتين أقال ثمانية قادة كبار في الجيش بحجة فشلهم خلال المعارك الجارية في أوكرانيا
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين

يشكل الغزو الروسي لأوكرانيا تحديا سياسيا واجتماعيا وقيميا لطبقة من الساسة والنخبويين الأوروبيين، هؤلاء الذين أظهروا طوال السنوات العشرة الماضية تأييدا للأنظمة والقوى السلطوية الشمولية في مختلف مناطق العالم، بالذات في الضفاف المحيطة بالقارة الأوروبية. لأن الحدث الأوكراني الأخير يُظهر بجلاء التبعات الخطرة لأي نظام شمولي مركزي، مثل الذي تمثله البوتينية، واستحالة أن تكون ثمة أية بقعة جغرافية ما في العالم ذات مناعة وقائية تامة من تبعات سياسات ومحصلة أفعال الشخصيات والأنظمة الشمولية. 

كانت هذه النُخب والقوى السياسية الأوروبية تتألف بالأساس من ثلاث مجموعات رئيسية.

تأتي الحركات والشخصيات الشعبوية على رأسها، من الذين أضافوا مقولات "مُحدثة" إلى خطابهم الشعبوي التقليدي، تلك التي صارت تقول إن الفارق الجوهري ليس بين شعب نقي وتنظيمات وسياسيين فاسدين فسحب، بل أيضا بين "شعب نقي" وآخر ليس كذلك؛ وبذا فمن الأفضل أن تُحكم تلك "الشعوب غير النقية" من أنظمة ديكتاتورية، حسب رؤيتهم. 

كذلك من تيارات أوروبية مشيدة في عالمها الداخلي على روئ قريبة من تطلعات "اليمين المسيحي" الأميركية. التي تعتبر أن المسألة القيمية هي المعيار والأداة لاتخاذ المواقف السياسية، في الصراعات الداخلية أو في المواقف والبلدان الأخرى. النزعات اليمينية هذه، كانت تعتقد على الدوام بأنه ثمة فروق قيمية جوهرية بين المجتمعات المسيحية وغيرها من المجتمعات، منطلقة من أن القيم غير المسيحية شديدة الخطورة على "الحضارة"، وتاليا كانت تميل للاعتقاد بأن القادة والأنظمة الشمولية هي الأقرب قيميا والأخصب طاقة في كبح جماح المجتمعات المختلفة قيميا، تلك المجتمعات التي تشكل خطرا على نزعات هذا اليمين الثقافية والمجتمعية. 

التشكيلة الثالثة كانت مؤلفة من المحافظين السياسيين والاقتصاديين، الذين كانوا بالأساس مستائين من تشكل المنظومة الأوروبية وتحطيم المجالات الوطنية، ثم صاروا رافضين لأشكال التوسعة الأوروبية نحو بلدان شرق أوربا. لكنهم خلال السنوات العشرة الماضية، وبفعل موجات اللجوء والهجرة إلى الدول الأوروبية، صاروا مرتابين من موجات التدفق التي تعاني منها القارة الأوروبية بكاملها، ويعتقدون أن الأنظمة والشخصيات الشمولية وحدها قادرة على ضبط المجتمعات والحدود التي يتسرب منها المهاجرون واللاجئون، وأن تلك الأنظمة وحدها قادرة على "حفظ الاستقرار" الذي يضبط ذلك التدفق. 

في تأييدهم للأنظمة الشمولية، فإن القوى والنُخب الأوروبية هذه كانت تملك ثوابت ضمنية تبني عليها منظومتها الإيديولوجية والمعرفية الداخلية: فمن جهة تملك رهابا من العالم الإسلامي، وما يعتقدون أنه صراع تاريخي بين دفتي المتوسط، الشمالية الأوروبية المسيحية والجنوبية المسلمة. 

كذلك فإن هذه النُخب تتبنى مجموعة من القراءات والتفسيرات السياسية التي تقول إن الديمقراطية هي نتيجة حتمية للمجتمعات التي شهدت وتشهد نهضة في قطاعات المعارف والصناعة والعلوم الإنسانية، وأن تطبيقها في بقاع لم تشهد ذلك إنما يشكل خطورة مستعرة. فوق ذلك، فإن القاسم المشرك الأعلى بينها هو الاعتقاد بأن الديمقراطية تناسب فقط المجتمعات التي تملك بعض القيم بذاتها، وإنه ثمة جماعات ومجتمعات لا تملك ذلك لأسباب ثقافية وجغرافية واقتصادية شديدة العمق والجوهرانية. 

مجموع تلك المُعتقدات طوال السنوات العشرة الماضية، على الأقل، كانت تؤدي لنتيجة واحد، هي أولوية دعم المنظومات الشمولية على حساب الحركات الشعبية المعارضة، التقليل من أفعال الشموليين بحق مجتمعاتهم ودولهم، وإظهار الأنظمة الشمولية كحليف موضوعي للعالم الأوروبي.

كانت هذه التنظيمات والنُخب الأوروبية المؤيدة للشمولية قد تنامت خلال أربعة مراحل رئيسية، منذ ظهور آثار تفكك الإمبراطورية السوفياتية عام 1992، وانبلاج انعكاسات الدمقرطة على المجال الأوروبي. 

كانت حرب البوسنة/صربيا في أواسط التسعينات أولى تلك المراحل. فهذه القوى الأوروبية كانت تظهر تأييدا للرئيس الصربي سلوبودان ميلوشيفيتش في مواجهة المطالب العادلة لمسلمي يوغسلافيا السابقة، ولمجموع الأسباب سابقة الذكر.

أحداث الحادي عشر من أيلول في الولايات المتحدة أضافت شحنة عاطفية وسياسية لما كانت تتبناه تلك المجموعات الأوروبية، أضيفت لها لاحقا العمليات الإرهابية في مختلف الدول الأوروبية.

المواجهات المطلبية في ضواحي المدن الأوروبية خلال أوائل الألفية الجديدة، والتي كانت بالتحديد بين محتجين كانوا من أصول غير أوروبية والفضاء العام، والتي كانت ذات وجه عنيف في أكثر من مناسبة، كانت المرحلة الثالثة لنمو تلك النزعات الأوروبية.

أخيرا، فإن سنوات الربيع، وما نجم عنها من أشكال التفجر والصراعات وسوء القدرة على بناء أنظمة ديمقراطية متينة عقب إسقاط الأنظمة الشمولية، حيث تحطمت الحدود وتدفق ملايين اللاجئيين نحو السواحل الأوروبية، كانت الحدث الرابع في بنيان تلك النزعة الأوروبية. 

مجموعة تلك الأحداث، بالإضافة إلى الجذر الثقافي والسياسي والاجتماعي لهذه المجموعات الأوروبية، كانت تقول إن الديمقراطية في المجالات الجغرافية والسكانية المحيطة بأوروبا هي خطر داهم على السلام والاستقرار والأمن القومي الأوروبي، وإن المنظومة الأوروبية يجب أن تدعم الشخصيات والأنظمة الشمولية المركزية في كامل محيطها، لأنها وحدها القادرة على ضبط مجتمعاتها، وخلق مسافة بين معضلات تلك الجغرافيات والمجتمعات والمراكز الأوروبية. 

حرب روسيا الأخيرة هي ضربة قاضية لكل ذلك. 

فحسب هذا الحدث، إن المنظومة الأوروبية، بمؤسساتها الديمقراطية وعالمها القيمي واستقرارها الاقتصادي والمجتمعي، من المستحيل أن تبقى مستقرة وعلى جوارها هكذا نمط من الشموليات المُطلقة، التي مثل روسيا البوتينية، بالذات في سنوتها العشرة الأخيرة، حيث كامل السُلطة والإرادة والمال العام رهن شخص واحد. 

فالنموذج البوتيني يُثبت أن الأنظمة التي على هذه الشاكلة متدفقة بالضرورة نحو محيطها الأقرب، مستفيدة من فارق الانضباط الظاهر داخلها، في مواجهة الدول والمجتمعات التي مثل الدول الأوروبية، التي تعيش أساسا على صراع سياسي داخلي، كأساس جوهري للعبة الديمقراطية. فالأنظمة الشمولية تستميت حتما للعب على تلك الحالة، استقرارها وما تراه من تفتت داخل أوروبي. وإذا كان بوتين هو الصورة العارية والمباشرة لذلك، فإن غيره من الشموليين قد استعملوا واستخدموا هذه الثنائية بشكل دؤوب، عبر التهديد بالإرهاب والمهاجرين..ألخ. 

كذلك تثبت الحرب الأخيرة أن الشموليات، وإن كانت تبني شرعيتها الداخلية وركائز حُكمها على نفس المنظومات التي يتبناها مؤيدو الشمولية الأوروبيين، من شعبوية ومحافظة سياسية ويمينية دينية، فإنها في الحالة الشمولية إنما تكون بمجموعها متمركزة حول معاداة هذا الغرب الأوروبي نفسه، فضائه السياسي والاقتصادي وعالمه القيمي. وبذا فإن هذه الشموليات إنما تُراكم بشكل موضوعي كُل أشكال مناهضة ومُعاداة مجتمعاتها لما يوازها في الدفة الأوروبية. 

أخيرا، فإن الحرب البوتينية هي مقولة في حتمية انفجار فائض القوة العسكرية، وهو مثال اثبتته من قبل الصدامية والخمينية والقذافية. وحيث أن الشموليات لا تُبنى إلا على ذلك النوع من المراكمة في القوة العسكرية، فإنها حتمية الانفجار، ولسوء عاثر في الجغرافيا، فإنها تكون في وجه هذا المجال الأوروبي غالباً. 

متى يفيق رجال الدين للحقيقة من دون إقحام الدين في العلم؟. أرشيفية - تعبيرية
"متى يفيق رجال الدين للحقيقة من دون إقحام الدين في العلم؟" أرشيفية - تعبيرية

يحتدم الجدل بين العديد من رجال الدين الذين يصفون أنفسهم بأنهم "علماء" وبين مفكرين داعين إلى التنوير يرون ولعدة أسباب أن كلمة "علماء" لا يمكن أن تنطبق بأي حال على رجال الدين.

فشيوخ الدين يعتمدون على آية في القرآن الكريم تقول: "أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ" (سورة الشعراء 197).

وعلى النقيض من هذا الفهم للآية تماما يقول العديد من المفكرين ودعاة الاستنارة، مثل الدكتور خالد منتصر وغيره أن كلمة "علم" و"علماء" لا ينبغي أن تطلق على الدين ورجاله، لأن أساس العلم هو الشك في المعلومة ووضع أي فكرة للتجربة لإثباتها بالدليل القاطع في حين أن الدين قد ينهار تماما إذا طبقنا هذه القواعد عليه.

فهل يستطيع مثلا أن يثبت لنا رجال الدين بالتجربة العملية أن البخاري كان دقيقا في بحثه وهل يستطيعون أن يثبتوا بالدليل القاطع ما ينسبونه للرسول من أحاديث؟ وهل بإمكانهم إعطاؤنا البرهان الحاسم أن فهمهم لرحلة الإسراء والمعراج وفرض الصلاة فيها هو الحقيقة المطلقة؟ 

الرد ببساطة ....لا! فهم لا يملكون دليلا علميا واحدا خاضعا لقواعد البحث العلمي ليبرهنوا على مفاهيهم الدينية، فكيف لنا أن نصفهم بأنهم "علماء" أليس في هذا خداع لكلمة "علم" وتعبير "علماء"؟

والحقيقة في هذا السياق أن القرآن حينما عرّف كلمة "علماء" لم يتكلم على الإطلاق عن رجال الدين ودعونا نتأمل للحظات في هذه الآية الكريمة والتي يستخدمها الكثيرون لإعطاء رجال الدين صفة "علماء".

فالآية تقول: "إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ" (سورة فاطر آية 28).

ولكن ما ذكره القرآن الكريم قبل الآية يوضح تماما أن المقصود بكلمة "علماء" في هم من يدرسون ويبحثون ويتفكرون في خلق السموات والأرض، فالآية تقول ما يلي: "أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ" (سورة فاطر آية 27-28).

أي أن الآية التي يستخدمها رجال الدين لوصف أنفسهم بصفة "علماء" كانت تتكلم عن نزول المياه من السحب وإخراج الثمرات الجميلة من الأرض وتنوع الخلق وألوان الثمار وعجائب خلق الجبال والطيور، ولم تكن كلمة "علماء" تعني كما يظن البعض، أو الكثيرون، تتكلم عن فقه السنة وآداب الجماع ونكاح "الصغيرات" وشرب بول البعير وإرضاع الكبير وغيرها من الأمور التي أطلق عليها شيوخ الدين كلمة "علم" أو "علوم" ومن ثم أسموا أنفسهم بالعلماء.

وتتفق الآية السابقة "كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء" مع روح القرآن الكريم الداعية للبحث والتأمل في الخلق من حولنا. وتجلت هذه الدعوة وهذه الروح القرآنية في العديد من الآيات مثل "قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ" (سورة العنكبوت آية 20).

ومثل "إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَاب  الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ" (سورة آل عمران آية 190-191).

ومما زاد الطين بلة هو محاولة بعض رجال الدين  إقحام الدين في العلم والطب والذي تسبب في ابتداع أمور لها علاقة بصحة الناس دون أي دليل علمي  يؤكدها. فالكثير منا يعرف حديث الذبابة: "عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم 'إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه ثم لينزعه، فإن في أحد جناحيه داء وفي الآخر شفاء'"، أخرجه البخاري، وأبو داود.

والمضحك المبكي أن بعض رجال الدين يقولون إن العلم أثبت "حديث الذبابة" دون إعطاء مرجع علمي واحد محترم يؤكد زعمهم.  

وإذا كان الأمر هكذا في حديث الذبابة فما بالنا بالحديث التالي: "ورد حديث في صحيح البخاري عن عائشة رضي الله عنها إنها قالت: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) إن الحبة السوداء شفاء من كل داء"!.

فهل إذا كان هذا الأمر حقيقي فلما ذهب أو يذهب كبار رجال الدين مثل "الشيخ الشعراوي" وغيره للعلاج في مستشفيات الغرب حينما يمرضون! وهل يجرؤ أحد هؤلاء الشيوخ الذين يروَّجون لمثل هذا الحديث على أنه "علم" أن يتناولوا سما قاتلا ويتناولون بعده الحبة السوداء لإعطائنا الدليل العلمي والبحث التجريبي الذي يؤكد هذا الأمر؟

وقد يكون للحبة السوداء أو حبة البركة كما يطلق البعض عليها فوائد طبية, ولكنها بالقطع ليست شفاء لكل داء!

فمتى يفيق رجال الدين للحقيقة ويمكثون في مساجدهم دون محاولة إقحام الدين في مجال العلم لأنهم بالقطع سيخسرون في هذه المواجهة، لأن معظم ما يقولونه، على عكس العلم الحقيقي،  ليس عليه دليل علمي واحد يؤكده.