هناك 5 عادات يمكن للإنسان اتباعها لزيادة "مستوى السعادة"- صورة تعبيرية.
هناك 5 عادات يمكن للإنسان اتباعها لزيادة "مستوى السعادة"- صورة تعبيرية. | Source: Unsplash

بين الحين والآخر تُعْلَن قائمة بالدول والمجتمعات الأكثر سعادة في هذا العالم؛ وِفْق مُؤشِّرات موضوعية، لا تخلو من فارق تأويلي بطبيعة الحال. والمهم هنا ليس فقط أن السعادة باتت مطلبا مُلِحَّاً، مطلبا يُسَائِل النّوعي من خلال الكميّ، بل المهم أن ثمة عَالَمَا زاخرا بالمقارنات التي تُوَفِّرُها وسائل الإعلام والتواصل، والتي أصبحت ترفع سقف التوقّعات، وتزيد بالتالي من مستوى التحديّات لمرتادي عصر السعادة، في الوقت الذي تُوَحِّد فيه هذه الوسائلُ المؤشراتِ/ المعاييرَ التي تُقَاس من خلالها مستويات السعادة في العصر السعيد.  

من الواضح أن دولة الرفاهية الغربية المعاصرة هي النموذج الذي يُشَكِّل المرجعية الأصيلة لهذه المؤشرات/ المعايير. إنها دُولٌ ومجتمعات تُوَفِّر الحريات بمستويات عالية، بل توفرها بضمانات تشريعية وأمنية، لا بمجرد الفراغ السلبي، كما توفر الأمنَ/ الأمان بدرجات عالية في كل تفاصيل المعاش اليومي؛ مع حفظ الحريات الفردية في الوقت نفسه، إضافة الأمن الغذائي والبيئي، بالتوازي مع توفير الخدمات الضرورية من تعليم، وصحة، ووظائف، وفرص استثمار، وآليات ادخار، ووسائل مواصلات واتصالات...إلخ، وكل هذه توفرها بحدودها العليا، لا الدنيا، أي بالحدود التي تكون في ظرفها الزماني سقفا أعلى؛ مع اختلاف الظرف المكاني.

يُمْكِن اختصار كل تلك المعايير ـ اعتسافا وإجمالا ـ بالحد الذي وضعه الفيلسوف الإنجليزي جيريمي بنثام: "أكبر قدر من السعادة لأكبر عدد من الناس". طبعا، لا أقصد هنا مذهب "النفعية" تحديدا، بقدر ما أقصد تقريب مدار الاهتمام بمقومات سعادة الإنسان، سعادة ليس الفرد فيها مقابل الجماعة، بل سعادة الإنسان الفرد في انتظام سعادة الجماعة، أي الإنسان الذي تتحقق سعادته وتكتمل في المجتمع السعيد، الذي تُشَكِّل سعادة مجموع أفراده أو الغالبية الساحقة منهم، ضمانة لسعادة كل فرد فيهم. والعكس يكون صحيحا، فسعادة بضعة أفراد/ أقلية، على حساب سعادة المجموع/ أكثرية، أو حتى سعادة أقلية دون سعادة أكثرية، يعني انتفاء وصف المجتمع بـ"المجتمع السعيد". 

هنا يأتي السؤال الإشكالي/ العنادي: في أي عصر، وفي أي مكان، تحقّق "أكبر قدر من السعادة لأكبر عدد ممكن من الناس" ؟ ويكون الجواب بوضوح: في عصرنا هذا. فمنذ ظهور "الإنسان العاقل" (قبل 100000سنة)، بل منذ ظهور الإنسان المنتصب على قَدَمين (قبل ثلاثة أو أربعة ملايين سنة)، وإلى يومنا هذا 21ـ3ـ2022مـ لم تُثْبت الأبحاثُ أن مستوى من السعادة تحقّق (وفق المعايير المذكورة أعلاه، وعلى شرط عبارة بنثام) في أي مجتمع/ دولة؛ كما تحقق النصف الأخير من القرن العشرين وأوائل هذا القرن في الغرب الحديث.

بِتَعَوْلِمِ النموذجِ الغربي، مشمولا بمنظومة حريّاته وحقوقه، بدأت البشرية تدخل عصر السعادة، عصر: الأمن الكافي، والغذاء الكافي، والحرية الفائقة. لا يعني هذا أنه لم يكن ثمة أفراد سعداء من قبل، وأن لا وجود لمجتمع سعيد في الماضي القريب أو البعيد، وإنما يعني أن توفّر أكبر قدر من السعادة لأكبر عدد من الناس في المجتمع الواحد، بات اليوم أملاً يتحقق أكثر من أي وقت مضى، ويتحقق في الغرب (وما تغرّب من الشرق: اليابان وكرويا الجنوبية مثلا)، أكثر من أي مكان آخر، والأهم، أنه أخذ يتحقق بأكبر قدر من الضمانات الجمعية (المنتظمة في سرديات ومؤسسات قانونية، وفي ضمير جمعي عام) التي تمنح قدرا كبيرا من الأمان، وهو أحد شروط "السعادة الفائقة" التي جعلت من عصرنا/ عصر السعادة عصر المحظوظين، قياسا بما سبقنا مما نعلمه، ولا عِلمَ لنا يما يَعِد به المستقبل القريب، فضلا عن المستقبل البعيد.

ماذا يعني هذا؟ هل يعني أن عصر الغرب/ الزمن الراهن هو عصر السعادة؟ الجواب: نعم. وهي حقيقة يعرفها الجميع، ويَسْعد بها ـ عمليا ـ الأكثرون، حتى وإن كان يَعِزّ على كثيرين ـ من غير الغربيين! ـ الإقرار بها، بل إنهم كثيرا ما يهتفون بعكسها، ويَهرفون بمعاندتها؛ لأمور تتجاوز الحقائق الموضوعية الصلبة، وفي الوقت الذي تتعلق فيه ـ تحت وطأة الجرح النرجسي ـ بالأوهام والأحلام.

طبعا، لا نقول ـ من منطق زمني/ عِلْماني ـ بما قال به لايبنتز ـ من منطق ديني لاهوتي ـ أن "هذا أفضل العوالم الممكنة". هو ـ في حدود علمنا ـ أفضل ما كان، وليس ما سيكون. المستقبل مفتوح على ما يتجاوز قدرتنا على التخيّل، المستقبل يَعِد ـ من خلال معطيات الراهن ـ بالكثير. ولكن، إلى الآن، وفي حدود ما تحقق فعلا، فإن النموذج الغربي في صورته الفائقة (أي كما نجده بأرقى مستوياته الآن في الشمال الغربي لأوروبا) هو حقا "أفضل العوالم الممكنة". والعالم كله إذ يُقاربه بشكل أو بآخر، يُدْرك أنه يُقارِب أفقَ عصر السعادة. وحتى عندما يُعَانِد بعضهم ويدّعي أنه يجترح "عالمه السعيد الخاص"؛ فإنما يفعل ذلك بالالتفاف على الشكل؛ دون المضمون، وفي حين قرّر فعلا التنكّر للمضمون بدعاوى الخصوصية، فإنه سرعان ما يُصبح دليلا سلبيا (بكارثية التجربة العِنَاديّة) على فرادة النموذج وقدرته المذهلة على النجاح.

والأجمل في عصر السعادة/ عصرنا هذا، أنه يفيض سعادة حتى على رافضيه ومعانديه، ولو بالقدر الضئيل، وهذا القدر الضئيل كَافٍ لنقله من أدنى دركات الجحيم إلى بعض درجات النعيم. فبفضل تعولم القيم والحقوق الإنسانية، ومن ثم اتساع أمداء الضمير الإنساني عالميا، أصبح الجميع يعيش في عالم مرصود/ مُرَاقب إنسانيا. وهذا لا يعني أن ليس ثمة اختراقات وانتهاكات، فالكثير منها موجود، الكثير منها يقع على مدار اللحظة، وإنما يعني هذا التعولم القيمي والحقوقي أنها أصبحت ملحوظة ومرصودة ومدانة، وكثيرا ما تقع تحت طائلة العقاب المادي أو المعنوي أو كليهما. 

قد يتصور كثيرون أن هذا العصر ليس عصر سعادة، بل هو على العكس، عصر مُتَوحِّش مُوْحِش، عصر مَليء بالمظالم والجرائم والانتهاكات والمجاعات...إلخ، ويتوهمون أن كل هذا لا سابق له في التاريخ، حتى إن كثيرا منهم يَتغنّى ـ نَصْاً أو معنى ـ بقول المتنبي: 
وَقْتٌ يضيع وعُمْرٌ ليت مدَّته     في غير أمّته من سالف الأمم
أتى الزمان بنوه في شَبيبته       فَسَرَّهم  وأتيـنـاه على الهـرم

يهجون الحاضرَ المعاش لحساب الماضي المُتوهَّم. يغدو الوهم دائما ـ في توهّمهم ـ هو الأجمل. والذي يُعَزِّز هذا الوهم، ويُسْهِم في ترسيخه، أننا نعيش في عصر إعلامي بامتياز. أي أن كل ما يقع يرصده الإعلام في لحظته، بل لا يرصده فقط، وإنما يُكَرِّره ويُعِيد إخراجه في صور شتى. وهذا يجعل كثيرين يتصورون أن المظالم والجرائم الكوارث والمجاعات في هذا العصر، هي أكثر منها في أي عصر مضى. بينما العكس هو الصحيح. ولكن قبل هذا العصر، لم يكن ما يحدث مرصودا ولا مُسْتَعادَا في الإعلام ووسائل التواصل والوثائقيات كما هو حاصل الآن. 

لقد كانت المجاعات تفتك بالملايين، وكانت الإبادات الجماعية تتكرر على يد أكثر الغزاة، ولا يتورع عنها أكثر الولاة، وكانت المدن تُدَكُّ على رؤوس أهلها ليلا أو نهارا، وكانت الملايين تُهَجَّر من أوطانها على سبيل السبي والاسترقاق، وكانت الأمراض تُبِيد آلاف القرى، والفيضانات تُدمِّر دولا بأكملها، ولا أحد يسمع بها إلا قليلا مما تساقط من أخبار شفهية عابرة سرعان ما يطويها النسيان. بينما اليوم، مجرد أن يصور رجل عابر شرطيا أمريكيا يقتل مواطنا أمريكيا في شارع جانبي في إحدى المدن الأمريكية؛ فيدخل هذا المشهد المرعب إلى كل بيت في هذا العالم، ويتكرر على مدار الساعة، وتلتهب مشاعر الأغلبية الساحقة من البشر على امتداد العالم كله، وهم بالمليارات. يحدث هذا ونعيه تماما، بينما لو حدث مثله قبل ثلاثة أو أربعة عقود، حيث لا تتوفر تقنيّات التصوير كما تتوفر اليوم في يد كل أحد، لم يكن ليسمع بهذا الحدث أحد، ولم يكن المجرم لِيُدان أصلا. وقس على ذلك بقية الأحداث في الحروب وغيرها، فمثلا، لولا أن كل ما يحدث في أوكرانيا اليوم مرصود على سبيل التفصيل؛ لأخذت القوات الروسية الغازية تفعل من الفظائع أضعاف وأضعاف ما تفعله الآن، أي كما فعل أسلافهم في الماضي الستاليني القريب. 

إذن، الرصد والمراقبة والتأكيد الإعلامي الذي تقوم به وسائل التواصل والإعلام مع أنه يقوم بدور سلبي في الإيهام بأننا نعيش عصرا غير سعيد، عصرا مليئا بكل ما يُعَكِّر صفو السعادة، هو نفسه الرصد والمراقبة والتأكيد الإعلامي، الذي يدفع في اتجاه تحجيم الجرائم والمظالم والكوارث. إنه بات أداة ردع، يمنع كثيرين من التمادي؛ لكونهم يعون أنهم تحت أبصار العالم وضميره، كما هو أداة تحجيم لمستوى ما يقع، فالمجاعات والكوارث الطبيعية لا تصبح معلومة لكل أحد فحسب، بل أيضا تصبح ـ بتكرار مشاهدها إعلاميا ـ ضاغطة على الوعي، ممتحنة للضمير، وبالتالي، مُحَفِّزة للإسهام الرسمي والشعبي في تخفيف وطأتها ولو بالقليل.   

هكذا يتعولم ضمير الحريات والحقوق الذي صنع ويصنع عصر السعادة. ما يعني أن عصر السعادة يتعولم عبر كثير من الوسائط، بل وعبر تلك الوسائط ذاتها التي تصنع أوهام "عصر غير سعيد". لكن، يبقى أن جزءا من وَهْمِ اللاَّسعادة كامن في كون عصر السعادة يرفع باستمرار حجم توقعات السعادة، يعد بالكثير، ويطمع البشر ـ بحكم طبيعتهم ـ بأكثر من الموعود. ولو أن الناس قاسوا ما هم عليه/ النقطة التي يقفون فيها، بما كان عليه أسلافهم في الماضي القريب (أي يقسون واقعاً بواقع)؛ لأدركوا أنهم محظوظون جدا. ولكن المشكلة أنهم يقيسون واقعهم بما يأملون (أي يقيسون واقعا بِحُلم)؛ فيخسرون سعادة استشعارهم أنهم يعيشون عصر السعادة العظيم.

"قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة. أرشيفية - تعبيرية
"قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة. أرشيفية - تعبيرية

على مدى خمس سنوات وخمسة أشهر، وفر لي هذا الموقع "alhurra.com" مساحة أسبوعية حرة، أخاطب من على منصتها، جمهورا متنوعا، رفقة نخبة من كتاب ومفكرين وإعلاميين وازنين، ومن دون تلك القيود والضوابط التي أثقلت كاهل الكتاب والمحللين والمثقفين في العالم العربي...هنا، وربما هنا فقط، بمقدورك أن تسمي الأشياء بأسمائها، دولاً وحكومات، دون خشية من قوانين "تعكير صفو العلاقة"، ومن غير أن تحسب حساب لأثر ما تكتب على "المساعدات" التي تتلقاها بلادك من هذه الدولة أو تلك.

ولأنك تخاطب جمهورا متنوعا، لا يجمعهم جامع سوى "لسان الضاد"، فأنت تجد نفسك مكرها على القفز من فوق "زواريب" السياسة المحلية في بلدك، التي لا يعرفها ولا يُعنى بها، سوى أهلها، أو بعض أهلها في كثيرٍ من الأحيان، وهو أمر له ما له وعليه ما عليه، فهو من جهة يُنجيك من "طبقات الرقابة" المتراكبة في مجتمعاتنا من سفارات وهويات دينية واجتماعية، بيد أنه من جهة ثانية، ينحو بما تكتب صوب التجريد والتعميم، وبصورة قد تُخلّ بمقتضيات "التحليل" في بعض الأوقات.

على أنك وأنت تكتب لموقع يتخذ مقرا له على مبعدة عشرة آلاف كلم، تبقى ملاحقا بهاجس "الرقابات"، حكومية وغيرها، من حكومة بلدك وحكومات الجوار القريب والبعيد، سيما بعد أن تعاظمت وطأة تأثيرها لاعتبارات "الجيوبوليتك" و"العلاقات الخاصة والمميزة"...أنت لا تشعر أنك حرٌ تماما، حتى وأنت تكتب لموقع "الحرة".

ذات ظهيرة، اتصل بي الصديق ألبرتو فيرنانديز، ومعه بدأت حكاية المقال الأسبوعي، كنت عرفته عندما كان دبلوماسيا رفيعا في سفارة الولايات المتحدة لدى عمّان، وكان شغل موقع الملحق الثقافي، ولقد وجدنا يومها شيئا مشتركا، فهو قضى سنوات في دمشق، وأنا فعلت الشيء ذاته، وإن في مراحل مختلفة، وكانت لديه شبكة واسعة من العلاقات مع المثقفين السوريين، وكنت كذلك، وكان هذا الموضوع على الدوام، يحتل مساحة بارزة في نقاشاتنا، ولطالما رتبنا أنا وإياه لقاءات لشخصيات أميركية ثقافية وسياسية وازنة في مركز القدس للدراسات السياسية، صحبة نخبة محترمة من سياسيي الأردن ومثقفيه.

ألبرتو كان قد تسلم للتو مسؤولياته في المؤسسة التي تصدر عنها "قناة الحرة" و"راديو سوا" و"موقع الحرة الإخباري"، طلبني لكتابة مقال أسبوعي، متعهدا بأن يحترم ما أكتب، وأظنه كان على علم بتوجهاتي السياسية والفكرية، ولكنه أراد للموقع أن يصبح منصة للحوار والجدل والتعدد.

ذات مرة، أثير نقاش حول هوية كتاب الحرة، وأُخذ على الموقع أنه ينتقيهم من أبناء مدرسة سياسية وفكرية واحدة تقريبا، يومها "غرد" فيرنانديز نافيا "الاتهام"، مستشهدا بتواجد أسماء وكتاب من خارج هذه المدرسة، ولقد ذكرني من بين آخرين، بوصفنا شهودا أحياء على تهافت الاتهام...مع أنني أشاطر أصحاب "الاتهام" بصرف النظر عن نواياهم، بأن غالبية الزملاء وليس جميعهم بالطبع، ينتمون لمدرسة في الفكر والسياسة، معروفة توجهاتها وخلفياتها، وهي في مطلق الأحوال، مدرسة حاضرة بقوة في دولنا ومجتمعاتنا، اتفقنا معها أم اختلفنا.

حرص الرجل على استحداث انطلاقة في مسار ومسيرة القناة والراديو والموقع، المتعثرة نسبيا، ولقد استعان بنخبة من الإعلاميين المجربين، أذكر منهم الزميل نارت بوران، الذي شغل موقع مدير عام مؤسسة الإذاعة والتلفزيون في الأردن، وكان مؤسسا لعدد من الفضائيات في الإمارات، ولقد زاملته في عمان، حين كان مديرا للمؤسسة، وكنت أقدم برنامجا حواريا على شاشة التلفزيون الأردني بعنوان "قضايا وأحداث"، ولقد كان الرجل مهنيا بامتياز، وتعين على أن يجذّف في بحر متلاطم الأمواج وهو يدير مؤسسة تتجاذبها رياح التأثير من مختلف مراكز القوى وصنع القرار في البلاد، كان الله في عونه، وعون أسلافه وخلفائه.

خلال هذه الرحلة مع "الحرة" كتبت 280 مقالا أسبوعيا، بمعدل وسطي 1200 كلمة للمقال الواحد، أي ما يعادل "336000 كلمة"، لم يتعثر منها سوى مقالات ثلاثة، اثنان لاستبدال عبارة بأخرى أو شطب كلمة، وآخر لأنني كنت كتبته مبكرا، ولقد جرت أحداث كثيرة ما بين كتابته ونشره، فاستوجب استبداله بمقال آخر... بلغة الإحصاءات، أقل من 1 بالمئة من مقالاتي أثارت نقاشا مع المحرر، لكن الأهم، أن أحدا في فيرجينيا لم يكن ليخطر بباله استبدال كلمة بأخرى، أو شطب كلمة، دون استئذان وموافقة من الكاتب، حتى في تلك المرات النادرة التي أتيت على ذكرها، وتلكم بالنسبة لشخص سبق أن منعت له ثمانية مقالات في شهر واحد، تجربة مثيرة للاهتمام.

لست هنا في باب كيل المديح لموقع أغادره ما أن يرى هذا المقال النور، ولكنني أصدر عن تجربة شخصية في الكتابة وهوامش الحرية المتاحة للكاتب، لأضيف إلى ما سبق ذكره، أنني اعتنيت بمقالتي الأسبوعية على موقع الحرة، أكثر من غيره، لكل الأسباب التي أوردتها، ولسبب آخر إضافي، أن الكاتب يرغب في "توثيق" و"تسجيل" مواقفه من أهم الأحداث والتطورات والظواهر الكبرى التي تشغل باله، وما يحول بينه وبين فعل ذلك، إما غياب المنبر، في ساحة إعلامية – صحفية عربية مستقطبة إلى أبعد حد، أو للقيود الصارمة التي تصاحب الكتاب في صحف ومنابر محلية وعربية.

وكان من دواعي سروري واعتزازي دائما، أن الزملاء في "راديو سوا" لطالما استخدموا المقال الأسبوعي مادة/موضوعا لحلقة إذاعية، غالبا ما كنت ضيفها أو أحد ضيوفها، بالنسبة للكتّاب، كان ذلك بمثابة حافز إضافي، يدفعه للتفكير في اختياراته والاهتمام بجودة ما يكتب.

موقع الحرة، كما أبلغني الزميل بهاء الحجار، قرر إغلاق باب كامل من أبوابه تحت عنوان "من زاوية أخرى"، وفيه كانت تحتشد مقالات الرأي من لبنان والعراق والمغرب العربي والأردن وغيرها... أحزنني ذلك، لاسيما أن المقال لم يعد على ما يبدو جاذبا للقراء الذين يتجهون بكثرتهم، الشابة خصوصا، إلى "التك توك" و"الإنستغرام" والفيديوهات القصيرة، بحساب الربح والخسارة، من العبث الاستمرار في استثمار كهذا، في حين يمكنك أن تجتذب جمهورا أوسع، لو أنك وضعت مواردك في مكان آخر.

هي "قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة، ولقد سبقني الزميل على هذا الموقع، حسن منيمنة، لرثاء المقالة المكتوبة، قبل أيام، فلا حاجة بي لمزيد من "الرثائيات"، وعلينا أن نسلّم بحقيقة أن العالم يتغير، وأن فنونا وألوانا من العمل الإعلامي والصحفي قد شقت طريقها للانقراض. نقول ذلك، ونحن معشر المشتغلين بالصحافة والمقالة المكتوبة، يعتصرنا الألم والإحساس بـ"اللاجدوى".

هو فصل جديد، سبق أن انتهت إليه كبريات من الصحف والمجلات في العالم، والعالم العربي، وفي ظني أن "الحبل على الجرار"، فمن بقي من هذه الصحف واقفا على قدميه، إنما نجح في ذلك بأعجوبة، أو بتمويل سخي، طافح بالأجندات والاستهدافات السياسية، إلا من رحم ربي، واستطاع أن يجد لنفسه موطئ قدم في ميادين الإعلام الجديد وعوامل السوشال ميديا والمرئي والمسموع، وإلى لقاء على منصة أخرى، وتجربة مختلفة.