هل حقاً أن بغض الولايات المتحدة يكفي لأن يتجاهل العديدون المأساة الأوكرانية، وأن يجاهروا بتأييد المعتدي، بل أن "يتطوّع" البعض منهم لمشاركة هذا المعتدي بعدوانه؟
يبدو أنه لا يكفي، أي أنها ليست "الحجة" الوحيدة التي يطرحها أنصار روسيا في الفضاء العربي ليتعاموا عن إجرامها، ولكن هذا الزعم هو دون شك المحرك النشط في صدارة الحجج لدى البعض، الصريح أو خلفها، لمن يفضّل التورية. أما "الحجج" المتاحة فعديدة.
أولها الحجة القائلة: ماذا عن اجتياح الولايات المتحدة للعراق وأفغانستان، وسوريا، وهجومها على يوغوسلافيا وليبيا؟ وماذا عن دعمها للكيان الصهيوني وتجاهلها للحق الفلسطيني؟
بل ماذا عن حرب فيتنام واستعمال السلاح الذري ضد اليابان؟ بل لا يجوز نسيان أن الولايات المتحدة هي الدولة الوحيدة في التاريخ التي لجأت إلى هذا السلاح. وماذا عن إبادة السكان الأصليين واستعباد الأفارقة؟ فالولايات المتحدة آخر من يحقّ له أن يعترض على العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا.
الأسلوب الانتقائي في سرد الوقائع، وإدراجها خارج سياقاتها، يمنح من يعتمده قناعة لا يستحقها بتاتاً بأنه قد أقام الحجة. حتى لو صحت كل المزاعم كما يصوّرها من يطرحها، وهي معلولة في تأطيرها ولا تصحّ، وحتى لو انتفى عن غير الدول في تاريخها ما جرت نسبته هنا للولايات المتحدة، وهو ثابت تاريخياً لا ينتفي، فإن هذا السرد، هذا الطرح، لا يصلح إلا لتشتيت الموضوع.
فالمسألة اليوم ليست كل هذه الفصول الغابرة، ولا هي الولايات المتحدة، بل هي العدوان الروسي على أوكرانيا وقتله الآلاف وتدميره المدن والقرى برمّتها.
الحجة الأولى تستدعي الولايات المتحدة و"إجرامها" التاريخي. أما الحجة الثانية فتستهدف من يدين الاجتياح ويسمّيه باسمه: "لماذا هذه التسمية التي لم تعتمدها روسيا، ولماذا هذا التجني على الرئيس بوتين؟ ليتك التزَمْتَ الحدّة نفسها يوم اعتدى العدو الصهيوني على غزّة".
المتكلم يجهل طبعاً ما كانت مواقف من يخاطبه بشأن غزّة وغير غزّة، ولكن افتراض الاصطفاف على أساس الولاء للمعسكرات الكبيرة هو الحاكم.
الحجة الثالثة هي "الأمن القومي"، أي أنه لا بد من تفهّم قلق روسيا إزاء توسّع حلف شمالي الأطلسي، والإدراك أن "العملية الخاصة" في أوكرانيا هي أمر ممنهج ضروري لتحقيق أهداف مشروعة، أي لإزالة خطر واضح يهدد روسيا والروس المقيمين خارجها.
وما يدعم هذه الحجة نفس الصبغة التي يراد لها أن تكون عقلانية، هو الإشارة إلى غزو الولايات المتحدة لأفغانستان والعراق على أساس قراءتها لأمنها القومي. فكما جاز الأمر لواشنطن بالأمس، فهو جائز لموسكو اليوم.
هذه الحجة الثالثة تضرب عرض الحائط بالحجة الأولى، فبعد أن كان سلوك الولايات المتحدة فعلاً مداناً، أصبح هنا معياراً يقاس عليه. على أنه لا يمكن توقع أن يتصّل هذا التفهم الراشد بآخر مماثل له في حال ارتأت إسرائيل أن "حزب الله"، والذي يهددها جهاراً بمئة ألف صاروخ، يشكل خطراً داهماً على أمنها القومي، واختارت بالتالي القيام بـ "عملية عسكرية خاصة" في لبنان غلى غرار اجتياح روسيا لأوكرانيا.
طبعاً لا، لأن إسرئيل سوف تكون معتدية وغير ملتزمة بقواعد الحرب المتعارف عليها، وفق ما سوف يكشفه إعلام محور المقاومة برمّته، وهو الذي غابت عن نظراته الثاقبة مقتلة الإنسان والمجتمع في سوريا، أما روسيا، دام ظلّها الوافر، فهي على ما يبدو تستحق التشكي لإفراطها بمراعاة الحاجات الإنسانية للمدنيين في أوكرانيا.
هل الفشل في تحقيق الحسم السريع وفي دخول المدن، وتباطؤ تلك القافلة العسكرية الطويلة والتي تعرقل تقدمها لافتقادها الإمدادات أدلة على ارتباك "العملية"؟ ليس الأمر كذلك أبداً من وجهة نظر الموالين لروسيا، بل هو صبر روسي وتأخير مدروس هدفه تسهيل إجلاء الأبرياء.
وماذا عن هذا القصف المتواصل للمباني السكنية والملاجئ؟ لم يحدث قطّ، فإما أنها أهداف عسكرية مشروعة وكان قصفها محقّاً، أو أن "النازيين"، عليهم كل اللعنات، هم الذين يعمدون إلى قتل أطفالهم ونسائهم وشيوخهم لتلطيخ سمعة روسيا الخيّرة.
من الصدف العجيبة أنه حيثما حلّت القوات الروسية، النظامية منها والمنضوية، في إطار الشركات الأمنية، في سوريا كما في أفريقيا واليوم في أوكرانيا، يعمد أعداؤها إلى قتل الأبرياء من فلذات أكبادهم وأحبائهم، في محاولات يائسة بائسة لاتهام روسيا. بل يسارعون كذلك إلى تطوير السلاح الفتاك لاستعماله على أهلهم لهذا الغرض.
وإذا كانت الحجة الثالثة أن الرئيس الروسي هو صاحب القرار الحاسم والرؤية الصائبة، ودخوله إلى أوكرانيا هو لتحقيق مصلحة مشروعة، فإن الحجة الرابعة تنسف كل هذا لتتحدث عن فعل خبيث مشين أقدمت عليه الولايات المتحدة بتوريطها روسيا وأوكرانيا بهذه الحرب المدمّرة لهدف استنزاف أوروبا بكاملها من أجل إحكام القبضة الأميركية عليها.
الولايات المتحدة هي التي وعدت أوكرانيا بأنها سوف تنضم إلى حلف شمالي الأطلسي (لم تفعل)، وهي التي شجعتها على الحرب ووعدتها بالدفاع عنها (مجدداً، لم تفعل)، ثم تركتها لحالها تواجه آلة الحرب الروسية، في خطة مدروسة تهدف إلى تدمير أوكرانيا وروسيا معاً، وإلى إنهاك أوروبا اقتصادياً وإخضاعها سياسياً.
المعطيات المعتمدة ها هنا فاسدة، ولكن، وإن جرى التسليم بها سجالاً، فما دور الرئيس الروسي في كل هذا؟ هل الأمر خُفي عليه، وإن كان واضحاً لأصحاب هذه الحجة، فيا ليتهم أبلغوه، أو هل هو، لا سمحت الأقدار، جزء من المؤامرة الأميركية؟ أي لماذا رمى بنفسه وبلاده وأوكرانيا وأوروبا والعالم إلى هذا الأتون الذي لا يخدم إلا الولايات المتحدة؟
الحجة الرابعة غير متماسكة، غير أنه ثمة سبيل لإنقاذها عبر الحجة الخامسة: كان بوتين يعلم، وهو يدرك المخاطر المترتبة عن فعل الاجتياح، ولكن الأوان قد آن لمعاقبة الولايات المتحدة على غطرستها وتعاليها وإجرامها على مدى القرون. هو كلام منفصل عن الواقع والقدرة، ولكنه بالتأكيد يشفي غليل البعض.
فكما أن قوات النظام القاتل في دمشق قد واجهت إسرائيل وانتصرت عليها كلما قتلت من السوريين المطالبين بالحرية من قتلته، يبدو أن روسيا تبعاً لهذه القراءة الفطنة تحارب الولايات المتحدة وتهزمها من خلال تدمير الملاجئ الأوكرانية على رؤوس من احتمى فيها من أطفال.
هي، وفق الهوى هنا، معركة تبديل النظام العالمي القائم وهي النهاية الأكيدة للأحادية القطبية. لا بأس أن تكون العقود قد انصرمت وانتظار هذه النهاية جارٍ على قدم وساق، فهي سوف تتحقق يوماً ما، وعندما يأتي ذاك اليوم، سواء كان بعد أعوام أو عقود، يمكن العودة إلى ملحمة أوكرانيا على أنها كانت من الإرهاصات.
لا يقف بعض المحللين في الفضاء العربي عند هذا الحد من الشطح والخرافة، بل تعمد فئة منهم، في حجة سادسة، إلى الغيبيات بما فيها مثلاً حساب الجمل للتنبيه إلى أن عام ٢٠٢٢ يحمل في طيّات رقمه ما يؤكد أنه منسجم مع غيره من التواريخ الفاصلة.
وبراهينهم في هذا الشأن عديدة، وكلها خائبة بالطبع، غير أنها محصّنة بقدرة جمهورهم التوّاق إلى الاستماع إلى بشارة نهاية الولايات المتحدة، على القبول بمراجعاتهم المتكررة والمستمرة، والمبنية كما المقولة الأولى على ما لا يعتدّ به إطلاقاً.
الحجة السابعة، وهي بيت القصيد بالنسبة للكثر للأسف، هي أن "الدنيا لعبة إسرائيل"، أي الصهيونية العالمية، أي اليهود. لا يضرّ هذه الرؤية الراسخة في قلوب البعض كالنحت في الحجر، أن إسرائيل مرتبكة في سعيها لتوازن علاقاتها مع كل من روسيا وأوكرانيا، وأنها، رغم افتقادها للمقومات الكفيلة بالإنجاز، تحاول الإقدام على الوساطة، ولو لرفع الحرج إزاء الجانبين.
ولا يضرّ هذه الرؤية كذلك أن الرئيس الأوكراني، فولوديمير زيلينسكي، وهي اليهودي الديانة، قد أنّب إسرائيل في محاولة غير مجدية حتى الساعة للحصول على دعمها لمقاومته للاجتياح.
بل يكفي للاستفاضة بالأهواء أن زيلينسكي هو يهودي تحديداً، وهذا كل ما تحتاجه هذه الحجة لإثبات التهمة. والانغماس بالمنطق الأهوائي يجعل أن لا شك في أنه ثمة قطبة مخفية تجعل المستفيد من هذه المأساة، بل المحرّض عليها كذلك، هم "اليهود" بالصيغة الجماعية التأحيدية.
كل هذه وغيرها من الحجج تساق في الأوساط الإعلامية المختلفة، على أن غالب من يؤيد الاجتياح الروسي لا يحتاج إلى الحجج ولا يكترث بالتفاصيل. فالمسألة هي بالولاءات، لا بالمبادئ، وبوتين، إذ يرى فيه البعض "أبو علي"(ويمكن الافتراض، من سجلّ بوتين وسلوكه، بأنه نفسه لا يطيب له هذا اللقب)، هو خصم الولايات المتحدة، وكفى.
فلا بأس بأن تكون روسيا قد عوّمت النظام القاتل في دمشق من خلال المساهمة بقصف المستشفيات والأسواق وكافة الأهداف غير العسكرية، ولا بأس بأن تظل المشرفة على الضرب المتواصل الذي تقدم عليه إسرائيل داخل الأراضي التي يسيطر عليها هذا النظام، فإن تحدي بوتين للولايات المتحدة وحسب يجعل منه بطلاً مؤكداً، وإن جرّ روسيا وأوكرانيا إلى كامل الدمار.
الجمهور الذي يتعاطى مع الموضوع عَرَضياً فيما هو منشغل بظروفه الحياتية الصعبة معذور إلى حد ما. أما من يعتبر نفسه من أهل الفكر والثقافة، فهو مدعو إلى مراجعة ذاتية للوقائع والمعطيات.
هي حرب اختيارية شنتها روسيا على أوكرانيا، حرب تفتقد التوازن في توزيع القوى، وحرب تسحق أوكرانيا كمجتمع وكدولة وكوطن. وهذا المجتمع، بما فيه الناطقين بالروسية أي الذين حسبتهم روسيا من جانبها، قد صمّم على المقاومة والصمود. ومن الظلم والتعسف تجاهل قرار التصدي للعداون أو تسفيهه.
الولاء السليم لدى من يعتبر أن روسيا تستحق الولاء يكون بحضّها على إيقاف العدوان والانسحاب من أراضي الغير. أما من يعتبر أن المبدأ، لا الولاء، هو أساس القراءة، فلا مفرّ أمامه من الإقرار بأنه ثمة معتدٍ هو روسيا، وثمة مُعتدى عليه هي أوكرانيا، ولا ينفع مع هذا العدوان أي مسعى للتبرير، أي أن الخلاف في الآراء والمواقف والمصالح وارد وقائم ومتاح ولكنه لا يقتضي ولا يجور أن يقتضي القتل والتدمير.
وعليه فإن الموقف السليم هو الذي اتخذته دول الأرض قاطبة في الجمعية العمومية للأمم المتحدة، العالم كله لا يريد هذه الحرب، باستثناء روسيا المعتدية، وبيلاروسيا الشريكة بالعداون، وسوريا التابعة صمّاء عمياء بكماء، وإريتريا التي تورّطت دون جدوى. حتى الصين وإيران، وكلاهما يريد مناكفة الولايات المتحدة، التزمتا الحياد. أما الصوت المدوّي عالمياً فكان أنه على هذه الحرب أن تتوقف.
من المعيب أن يكون في المحيط العربي من لا يرى الظلم في دعم المعتدي القوي، والساعي عبر القوة الغاشمة إلى فرض إرادته على من يريد الحرية والاستقلال. قضية أوكرانيا، في فصلها الأخير ومقاومتها للاجتياح، قضية حقّ بيّن، يقاس عليه يوم ما تتكرر الظروف المماثلة في مواضع أقرب. على أن من يريد هذا القياس غداً لا يجوز له أن يتجاهله اليوم.

